English  

كتب الآداب عند ابن جني

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الآداب عند ابن جني (معلومة)


شعره

عُرِفَ ابن جني كعالم لغة ونحو غزير العلم، إلا أنَّه مع سعة علمه فقد كان أيضًا شاعراً جيد النظم، وهذا الجانب غالباً ما يتمُّ تجاهله عند تناول شخصيته، ويعود ذلك إلى أنَّ ابن جني لم ينظم كثيراً من الأشعار، وقصائده المعدودة دوَّنتها كتب التراجم وتناثرت بين مصنَّفات المؤرِّخين والمترجمين لسيرته. نظراً لخبرته في اللغة وسعة علمه بألفاظها فقد تضمَّنت قصائد ابن جني كثيراً من الألفاظ الغريبة غير الشائعة، ويُوصَف أسلوبه في نظم الشعر بكونه "مُعقَّداً"، إلا أنَّ بعض قصائده بلغت قدراً من الفصاحة وسلاسة العبارة وبلاغتها. وتتنوع الأغراض في قصائده من الغزل إلى فقدان الحبيب والفخر بمآثره وعلمه، ولم ينظم إلا شذرات قليلة في مدح الملوك والحكام. ولم تكن لابن جني عناية كبيرة بتأليف الشعر، ومرجع ذلك إلى اهتمامه الأوَّلي بالعلوم اللغوية والدراسات الأدبيَّة، التي ضمنت له مجلساً دائماً عند ذوي السلطان ما يُغنِيه عن تأليف القصائد، خاصة أن نيل رضا الحكام من أكبر الحوافز لنظم الشعر في تلك الفترة، وفي هذا يقول الثعالبي: «وكان الشعر أقل خلاله، لعظم قدره وارتفاع حاله»، ويقول الباخرزي: «وما كُنت أعلم أنَّه ينظم القريض، ويسيغ ذلك الجريض، حتى قرأت له مرثية في المتنبِّي». إلا أنَّه اهتمَّ كثيراً بجمع الأشعار وتدوينها وشرحها. واختلف الكُتَّاب القُدامى في تعاطيهم مع أشعاره، حيث أثنى عليه أبو البركات الأنباري في كتابه "نزهة الألباء في طبقات الأدباء" قائلاً: «وكان يقول الشعر ويجيده»، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" عندما قال أيضًا: «وكان يقول الشعر، ويجيد نظمه»، وذكر ابن خلكان في "وفيات الأعيان" أنَّ ابن جني «له أشعار حسنة»، وأثنى عليه ابن الجوزي في "المنتظم" بقوله: «كان يقول الشعر ويجيد نظمه». وفي المقابل ذمَّ ابن ماكولا قصائد ابن جني بقوله: «وله شعر بارد»، وفي "الكامل" يقول ابن الأثير أيضًا «وله شعر بارد»، وفي نسخة أخرى: «وله شعر بارز».، ومن أشهر قصائد ابن جني مرثيته للمتنبِّي، ألَّفها عندما تلقَّى خبر وفاته في 352هـ، وهي قصيدة من اثنين وعشرين بيتاً مطلعها "غاض القريض وأودت نضرة الأدب". وله قصيدة أخرى يكثر مترجموه من مدحها وتناقلها، وهي قصيدة قصيرة مطلعها "غزالٌ غيرُ وحشِيٍّ". ومن قصائده الأخرى: "فإن أصبح بلا نسب"، و"صدودك عنّي ولا ذنب لي"، و"رأيت محاسن ضحك الربيع"، و"تجبّب أو تدرّع أو تقبّا"، و"وحلو شمائل الأدب"، و"تناقلها الرواة لها"، و"أيا دارهم ما أنت أنت مذ أنتوا". وسجَّل عماد عبد السلام في "الآثار الخطِّية في المكتبة القادرية" وصفاً لمخطوطة تعود إلى القرن الثاني عشر هي عبارة عن مجموعة شعرية، وضمَّت المجموعة قصائد لأبي إسحاق إبراهيم الكلبي الغزي والبحتري بالإضافة إلى ابن جني وشعراء غيرهم، غير أنَّه لم يُفصح عن محتوى المخطوطة وهل ضمَّت قصائد غير القصائد المألوفة عن ابن جني أم أنَّها تكرار لما يتناقله المؤرخون.

نثره

قالب:انظر أيضًا

اشتغاله بالرواية

عناية ابن جني برواية الشعر والأدب فاقت عنايته بتأليفهما، رغم أنَّه يمتلك المقومات - شعراً ونثراً - ليصير أديباً واسع الشهرة، وكان يُكثِر من الرواية عن غيره في معظم المناسبات ولمختلف الأغراض، ولذلك تنوَّعت مروياته من ناحية المحتوى؛ حيث روى عن شيوخه النحاة آرائهم وتوجهاتهم النحوية، في الوقت الذي عُنِي فيه أيضًا بنقل وتوثيق القصائد عن شعراء الجاهلية وصدر الإسلام، بل وبلغت عنايته بالتدوين أن يُسجِّل رسالةً لأبي محلم الشيباني، نقلها عنه ابن سيده في "المخصص"، إلى رجل آخر يُسمَّى "حذاء" يناقش فيها مسائل لغوية. وتنوَّعت مروياته من ناحية الكمِّ كذلك، فقد ينقل عن الشاعر بيتاً أو قصيدة أو ديواناً كاملاً، وهو يرتكز في تدوينه الشعر على أسانيد من شيوخه تصل مباشرة إلى الأصل، وجزءاً ضخماً من مروياته ضمَّنه في أعماله اللغوية حيث اعتاد على الاستشهاد بالشعر والقصص، ويُشبِّهه محمد النجار بالجاحظ من هذه الناحية، فهو يمزج العلوم بالآداب، ويتطرَّق في مسائله اللغويَّة إلى تفاصيل أدبيَّة بلاغيَّة. ولم يكتفي ابن جني باستسقاء الشعر من أسانيد الرواة، إذ كان أيضًا يروي هو بنفسه قصائد الشعراء المعاصرين له، ومن ذلك عنايته بشعراء البادية في زمنه، كما قام أيضًا بتوثيق قصائد المتنبي التي أخذها مشافهة عنه. وكان ابن جني حريصاً على دقة مروياته، وساعده عمله بالوراقة في الحفاظ على دقتها وعدم تعرضها للتحريف، حيث قام بتدوين عدد كبير من مروياته الأدبيَّة وغير الأدبيَّة، سواء في كُتُب منفصلة أو مُضمَّنة في أعماله المشهورة، ودوَّن ابن جني كثيراً من كتب الأدب ودواوين اللغة والشعر بهذه الطريقة، وكانت له طريقة مُمَيَّزة في الخط، نقلها لأولاده وتلامذته، وفي هذا يقول ياقوت في علي بن زيد القاشاني: «وهو صاحب الخط الكثير الضبط المُعقَّد، سلك فيه طريقة شيخه أبي الفتح». وابن جني عندما يُدوِّن كتاب ما، فهو لا يعتمد كُلِّياً على نسخة واحدة، بل يرجع إلى أكثر من نسخة إذا شكَّك في صحة إحدى النسخ، للمقارنة ومعرفة الفوارق بينها. غير أنَّ ابن جني قد يعتمد في بعض نقوله على الحفظ والذاكرة، فينال مروياته بعضاً من التغيير، وقد أخطأ في النقل عن سيبويه، كما أخطأ أيضًا في رواية بعض أبيات الشعر، ونبَّه عبد القادر البغدادي على سهو ابن جني في نقله بيت شعر محرَّف عن أستاذه الفارسي، وحديثاً نبَّه مهدي المخزومي إلى أنَّ ابن جني أخطأ في نقل بعض الآراء عن الخليل. أمَّا ابن فورجه فقد اتهم ابن جني بتلفيق الروايات ووضعها، خاصة فيما يتعلَّق بمروياته عن المتنبي وسؤاله إياه عن معاني أبياته، وألَّف كتاباً تحت مسمَّى "الفتح على أبي الفتح" يتصيُّد فيه أخطاء ابن جني في شرحه لديوان المتنبي ويُكذِّب رواياته. وقد أخطأ ابن جني في نسبة بعض الأبيات، حيث نسب بيتاً للفرزدق إلى جرير، كما نسب بيتاً للحسين بن مطير إلى مروان بن أبي حفصة.

مروياته الشعرية

وقام ابن جني بتدوين وتوثيق ديوان الحماسة، الذي اختاره أبو تمام الطائي من أشعار العصر الجاهلي، وعمل ابن جني على شرح معانيه والعناية بإعرابه وتصريفه، وتعرَّض لما فيه من مسائل في الاشتقاق والعروض والقوافي. كما قام أيضًا بالعناية بديوان أبي الأسود الدؤلي، فجمعه ودوَّنه وأضاف إليه شروحاً وتعليقاتٍ، ثُمَّ نقله عفيف بن أسعد عن النسخة الأصليَّة بخطِّ ابن جني، ومن ثمَّ نُسِخ ما نقله عفيف وأصبح الأصل في جميع النسخ المتبقِّية، وما زال الكتاب محفوظاً، وطُبِعَ عدَّة مرات أولها في 1974. وروى ابن جني ديوان أبي طالب، وعمل محمد صادق آل بحر العلوم على تحقيق هذا الديوان وتصحيح بعض أخطاء النُّسَّاخ، ثُمَّ طُبِع في 1980. وكذلك جمع ديوان تأبط شراً، وهناك مخطوطة لديوان الشاعر وفقاً لرواية ابن جني في مكتبة الاسكوريال، أشار إليها أولاً كارل بروكلمان، ويذكر يوسف خليف أنَّه اطلع عليها غير أنَّه لم يجد كامل ديوان تأبط شراً، وإنَّما مختارات شعرية انتقاها ابن جني من مجموع أشعاره. وجمع ابن جني المعلَّقات وبعضاً من قصائد المتنبي وأبي نواس وابن دريد. وعمل على جمع أشعار ربيعة بن رقيع التميمي وتدوينها، وهو أحد شعراء صدر الإسلام، ثُمَّ ضبط الشريف الرضي خطَّه فيما بعد، غير أنَّ قصائده برواية ابن جني قد اندثرت. وذكر ياقوت الحموي في "معجم الأدباء" أنَّ لابن جني كتاباً بعنوان "أراجيز"، يجمع فيه أرجوزات شعرية، والكتاب مفقود.

دوَّن ابن جني ديوان الشاعر أبو عمر عبد الله العرجي، الذي عاش في القرن الأوَّل والثاني الهجري، وما زالت روايته للديوان محفوظة، ونُشِرت في 1956 بتحقيق خضر الطائي ورشيد العبيدي، وفي الديوان سبعون قصيدةً اثنان وعشرون منها تُنسَب أيضًا إلى شعراء آخرين، وثمانية عشر منها تُنسَب إلى بن أبي ربيعة، وقد نوَّه أبو الفرج أنَّ بعض أشعار العرجي نُسِبت خطأً إلى بن أبي ربيعة، وحاول المُحقِّقان إثبات صحة نسبتها إلى العرجي. وتجدر الإشارة إلى أنَّ ابن جني لم يجمع كُلَّ قصائد العرجي، وهناك اثنان وعشرون قصيدة أُضِيفت حديثاً إلى ديوانه من مصادر أخرى عدا رواية ابن جني. وليست هناك شكوك تدعو إلى الطعن في نسبة رواية هذا الديوان إلى ابن جني، غير أنَّه لا يُذكر البتَّة في مؤلفات المؤرخين والمترجمين لابن جني ضمن قائمة الدواوين التي رواها وسجَّلها، ورغم أنَّ كُتب المؤرخين تذكر هذا الديوان وأخباره وتاريخه وتستشهد ببعضٍ من قصائده، فإنها أغفلت تماماً عن ذكر روايته، وهو معدوم في فهارس الكتب، والمخطوطات الثلاث المتوفرة اليوم تنسِبُ روايته بوضوح إلى ابن جني، ويعرض المحقِّقان عدة افتراضات تُبرِّر سبب سقوط رواية هذا الديوان من مؤلفات المؤرخين وسبب عدم ضمِّه إلى قائمة الدوواين التي رواها ابن جني.

ومن مرويات ابن جني ديوان أشعار قبيلة هذيل العربية، دوَّنه تحت مسمَّى "التمام في تفسير أشعار هذيل مِمَّا أغفله أبو سعيد السكري"، وقام بشرح قصائد الديوان والتعليق عليها. وقد أشار ابن جني نفسه إلى هذا الكتاب في إحدى إجازاته، وأشار إليه مرة أخرى في "الخصائص"، بالإضافة إلى مؤرخين كُثُر أكَّدوا على تأليف ابن جني لكتاب بهذا العنوان. وقد اختفى الكتاب من المكتبات نهائياً، حتى عدَّه كارل بروكلمان ومحمد النَّجار ضمن كُتب ابن جني المفقودة، حتى عثر محمد أسعد طلس على مخطوطة في مكتبة الأوقاف البغداديَّة تحت مُسمَّى "شرح ديوان هذيل"، ورغم أنَّ المخطوطة لا تذكر اسم المؤلِّف، إلا أنَّه استدلَّ على مؤلِّفها من مضمون المخطوطة، وخرج بنتيجة أنَّ هذه المخطوطة هي ذاتها الديوان الذي نقله ابن جني، وهو ما يؤكِّده محقِّقو المخطوطة، التي نُشِرت في عام 1962، ومن أبرز الأسباب التي تؤكِّد نسبة الديوان إلى ابن جني كثرة إحالة مؤلِّفها إلى مصنَّفات ابن جني فيما يتعلَّق بالمسائل اللغوية.

مروياته النثرية

من أشهر الكتب التي عمل ابن جني على روايتها هو كتاب "من نُسِبَ إلى أمِّه من الشعراء"، قام بتأليفه محمد بن حبيب البغدادي المُتوفِّي في 245، وأضاف ابن جني تعليقات على النصِّ الأصلي. وأشار إلى الكتاب أولاً محمد أسعد طلس، ثُمَّ نشره عبد السلام هارون إلى جانب مجموعة من الرسائل تحت عنوان "نوادر المخطوطات" في 1951. ومن مرويات ابن جني النثرية الأخرى كتاب "إيضاح الشعر" من تأليف أستاذه الفارسي، وأضاف ابن جني تعليقات لغويَّة في الحواشي، والكتاب لا يزال محفوظاً وتتوفَّر نسخة منه في مكتبة برلين وأخرى في مكتبة هاله، ويذكر نجيب العقيقي أنَّ المستشرق جوهانسين قد نشر قطعة من هذا الكتاب برواية ابن جني.

نقد الروايات

كما كانت لابن جني عناية برواية الأدب شعراً ونثراً، فقد اهتمَّ أيضًا بنقد الرواة والتثبُّت من صدق مروياتهم، وعقد ابن جني باباً في الخصائص تحت عنوان "" يناقش فيه قضيَّة الرواية والسبل إلى التحقُّق من صحتها. ومن شروط قبول الرواية عند ابن جني أن يكون الراوي فصيحاً مشهوراً بفصاحته وعلمه الواسع باللغة، ومعروف عنه الصدق والأمانة. غير أنَّ ابن جني لا يقبل كُلَّ المرويات عن فصحاء العرب، إذا يشترط أيضًا أن توافق الرواية القواعد اللغوية المطردة المقطوع في صحتها، من مبدأ أنَّ ما صدر عن الفصيح لابد أن يكون فصيحاً، يقول ابن جني: «فإياك أن تخلد إلى كل ما تسمعه، بل تأمل حال مورده، وكيف موقعه من الفصاحة، فاحكم عليه وله». وكان ابن جني لبقاً في نقده الرواة، لا يتهجَّم على شخوصهم، ولا يعمد إلى التجريح، ويلتزم ألفاظ العلم والأدب. وبلغت ثقته في بعض الرواة أنَّه عندما يخلص بعد مناقشة إحدى مروياتهم أنَّها موضوعة أو خاطئة إلى افتراض اطلاعهم على مرويات اندثرت تُبرِّر موقفهم الخاطئ عوضاً عن اتهامهم بالنقص والتوهُّم، وابن جني دافع عن مشاهير الرواة من مختلف المذاهب، ولم يأبه للاتهامات المبنيَّة على العصبية القائمة بين البصريين والكوفيين، وكان يأخذ المرويات عن رواة كلا المدرستين، ويحيل اتهام مشاهير الرواة بالوضع إمَّا إلى شبهة زائفة عُرضت على الناقد أو إلى تعصُّب بعيد عن الموضوعية لا يؤخذ به.

منهج ابن جني في نقد المرويات أنَّه يذكر جميعها، وينوُّه إلى الأكثر شهرةً منها، وبعد الأخذ بعدَّة اعتبارات ينتهي إلى تصحيح بعض المرويات، ولا يتأنَّى عن تخطئة بعضها، وفي بعض الحالات التي لا تتوفَّر فيها الأدلَّة الكافية لإصدار الحكم يقف موقف الحياد منها، وإذا حكم ابن جني على رواية ما بالصحَّة فهذا لا يعني أنَّه يحكم على غيرها بالخطأ، فقد يوازن بين روايتين أو أكثر فيُصحِّح رواية لأنَّها الأرجح في الوقت الذي يجيز فيه رواية أخرى لأنَّه لا دليل على خطئها. ومن المعايير التي يأخذ بها ابن جني المعيار اللغوي، فعندما تخالف روايةً ما القواعد اللغوية، فهو يتركها ويأخذ بالرواية الأكثر فصاحةً، وإذا لم ترد روايةً أخرى توافق قواعد اللُّغة فهو أحياناً يُصحِّح الخطأ اللغوي فيها، ومن ذلك تصحيحه لرواية بيت تأبط شراً: «هكذا يرويه أكثر من ترى: "ولم أك"، ومنهم من يقول: "وما كنت آيبا"، وصواب الرواية فيه: "وماكدت آيبا"». ولا يدخل في هذا الضرورة الشعرية، التي يخالف فيها الشاعر القواعد اللغوية لغرض بلاغي، كالمحافظة على الوزن الشعري مثلاً، وإنَّما يرفض ابن جني الأبيات التي تحتوي على خطأ لغوي قبيح غير مُبرَّر. وقد يأخذ ابن جني بالمعيار البلاغي فيختار الرواية التي يجدها أكثر بلاغة ووضوحاً، ويترك التي خالفت السليقة اللغوية. أمَّا إذا شاعت رواية واستفاضت في مقابل تفرُّد روايات أخرى بعدد صغير من الرواة فيجنح ابن جني إلى الرواية الأكثر انتشاراً، ولا يلتفت إلى المعيار اللغوي، وقد يعتبرها أصلاً تُبنى عليه القواعد اللغوية. ويحكم ابن جني على صحَّة الرواية إذا توفَّر دليل نقلي مكتوب يُبدِّد الشكوك حول تغيُّر الرواية أثناء تناقلها، فيقول في بيت أبي الربيس التغلبي: «هكذا صحة الرواية في هذين البيتين، وكذلك وجدناهما بخط أبي موسى في ديوان أبي الربيس».

ومن أمثلة نقده للرواة تعليقه على اعتراف أبي عمر بن العلاء بإضافة بيت إلى قصيدة للأعشى أنَّه دليل على صدقه وأمانته في النقل، وليس دليلاً على عدم وثوقيته كما يتهمه البعض. ويقول ابن جني رداً على من يُشكِّك في مصداقية عبد الملك الأصمعي: «فأما إسفاف من لا علم له، وقولُ من لا مُسكة به: إنَّ الأصمعي كان يزيد في كلام العرب، ويفعل كذا، ويقول كذا، فكلامُ معفوّ عنه، غير معبوء به، ولا منقوم من مثله؛ حتى كأنه لم يتأدّ إليه توقُّفه عن تفسير القرآن وحديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وتحوّبه من الكلام في الأنواء». ويقول في حقه: «وهذا الأصمعي، وهو صنَّاجة الرواة والنقلة، وإليه محطّ الأعباء والثَقَلة، ومنه تُجنى الفِقَر والمُلَح، وهو ريحانة كل مغتَبق ومصطَبح، كانت مشيخة القرّاء وأماثلهم تحضره وهو حَدَث، لأخذ قراءة نافع عنه. ومعلوم كم قدر ما حذف من اللغة، فلم يثبته، لأنه لم يقوَ عنده، إذ لم يسمعه». ومن أمانة ابن جني في نقده الرواة أنَّه التزم الحيادية والموضوعية في نقده لأستاذه الفارسي، فلم تؤثِّر العلاقة الطويلة بينهما على منهجه العلمي في النقد، وأشار في نقده الفارسي إلى أنَّه كثير التحرُّج والتأنِّي، تغلبه الظنون والشكوك، ولا يقطع في دقَّة ما يرويه، ما يؤشِّر إلى أنَّه لم يكن قوي الذاكرة ومؤهَّل للرواية.

النقد الأدبي

ألَّف ابن جني عدد من الشروح والتعليقات على دواوين شعراء من مختلف العصور، من العصر الجاهلي وحتى الشعراء المعاصرين له، كما خصَّ بعض القصائد التي يجدها مُعقَّدة بكتب ورسالات منفصلة. وفي شرحه الشعر يمزج ابن جني تفسير الأبيات وذكر أخبارها مع القضايا النحوية والصرفية والصوتية، وهو مظهر من مظاهر مزجه العلوم والآداب عموماً. ويُعدُّ ابن جني من أشهر نُقَّاد الأدب والشعر في عصره، ويقول عنه الباخرزي في "دمية القصر": «ليس لأحدٍ من أئمّة الأدب في فتح المُقفَلات، وشرح المشكلات ما له، ولا سيّما في علم الإعراب»، ووصفه جلال الدين السيوطي أنَّه «من أحذق أهل الْأَدَب». ومن أشهر مؤلفات ابن جني النقدية شرحه لديوان أبي الطيب المتنبِّي، وابن جني شَرَحَ ديوان أبي الطيب في كتابين، الشرح الكبير والشرح الصغير، وعُرِفَ الشرح الكبير بـ"الفَسْر"، بينما سُمِّي الشرح الصغير "الفتح الوهبي على مشكلات المتنبِّي". وفي "التّمام في تفسير أشعار هذيل" يتعرَّض ابن جني لدراسة ونقد مختارات شعرية من شعراء قبيلة هذيل العربية، كما قام ابن جني أثناء توثيقه لديوان أبي طالب عمّ الرسول بشرح كثيرٍ من قصائده والتعليق عليها، وشرح أيضًا ديوان أبي الأسود الدؤلي ونقل بعض الشروح عن أستاذه الفارسي. وكان لابن جني عناية بديوان الحماسة، حيث ألَّف حوله كتابين، الأوَّل يُعنَى فيه بجمع قصائد الديوان ودراستها، والآخر يُفسِّر فيه أسماء شعراء الديوان، وعنون الكتاب الأوَّل "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة"، غير أنَّ أغلبيَّة المسائل في الكتاب هي مباحث لغوية بحتة، ولم يتعرَّض لتفسير وشرح الأبيات إلا قليلاً، والكتاب الآخر أسماه "المُبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة"، وهذا الكتاب من أوَّله إلى آخره يناقش أسماء الشعراء المُضمَّنة قضائدهم في الديوان، والأصول اللغوية لأسمائهم ومعانيها. وأفرد ابن جني كتاباً منفصلاً لشرح أرجوزة أبي نواس في مدح الفضل بن الربيع الوزير العباسي، تحت عنوان "تفسير أرجوزة أبي نواس"، وهذه القصيدة لا تُعَدُّ من أفضل أعمال أبي النواس ولكنَّ استخدامه المُكثَّف لغريب الكلام دفع ابن جني لشرح قصيدته، وكالعادة لم يكتفِ ابن جني بشرح القصيدة وتفسير الغريب وتدوين اختلاف الروايات فقط، بل قام كذلك بدراستها دراسةً لغوية مفصَّلة، قلَّب فيها كُلَّ لفظٍ من معناه إلى صرفه إلى إعرابه، وفي هذا يقول ابن جني في مُتُن الشرح: «وما رأيت أحداً من أصحابنا نشط لتعريب شعر مُحدَث على هذه الطريقة، لأنَّ تفسير هذه القصيدة قد اشتمل على: لغة، وإعراب، وشعر، ومعنى، ونظير، وعروض، وتصريف، واشتقاق، وشيء من علم القوافي».

منهجه في النقد

لم يكن لابن جني منهجاً واضحاً صريحاً في النقد، ولكن يمكن ملاحظة تناغم مبدئي بين معالجاته المتفرِّقة للنص الأدبي، وتَتَّسِمُ منهجيته في النقد باللا قطعية، فهو قد ينتقد نصاً ما ثُمَّ يبحث عن وجه يُبرِّر فيه هذا الخطأ ليدخله في الجائز والمستحسن. ومن ناحية النقد الشكلي البنيوي فإنَّ ابن جني دائماً ما يركن إلى القواعد اللغوية وصحة اللفظ في الحكم على فصاحته وبلاغته، ويجعل من اطلاع الشاعر على لغة العرب معياراً للحكم على شعره، فأكثر من مدح أرجوزة أبي نواس لأنِّها عكست الاطلاع الواسع للشاعر على اللغة وإحاطته بدقائقها وتفاصيلها وغريبها، رغم أنَّ القصيدة ليست من أرقى أعمال أبي نواس الفنِّية. ومع اهتمامه الشديد بصحة الألفاظ المستعملة وموافقتها لقواعد اللغة فإنَّ ابن جني لا يصبُّ تركيزه على الألفاظ مجرَّدةً من سياقها، من ناحية المعالجة الفنِّية الجماليَّة، وخالف مذهب ابن سنان وابن الأثير في الحكم على ألفاظٍ بعينها بالفصاحة أو الركاكة، وظهرت عنده بذور مذهب الجرجاني في الركون فقط إلى السياق أو "النظم" في الحكم على بلاغة الكلمة، والامتناع عن إصدار الأحكام المطلقة بالحُسن أو القبح للكلمة في خارج نطاق النص والتأليف، يقول ابن جني: «الكلمة الواحدة لا تشجو ولا تحزن ولا تتملك قلب السامع، إنما ذلك فيما طال من الكلام، وأمتع سامعيه، بعذوبة مستمعه ورقة حواشيه»، ويقول أيضًا: «مع أنه لا بد فيه من تركيب الجملة، فإن نقصت عن ذلك لم يكن هناك استحسان ولا استعذاب». وظلَّ يعمل بهذا المبدأ في المعالجة البلاغيَّة المعنويَّة فقط، وهذا لم يمنعه من الالتفات إلى اللفظة المفردة من الناحية الصوتيَّة والصرفيَّة، فابن جني يحكم على الألفاظ المفردة بالحُسن والقبح من جرسها اللفظي، بل ويُفصِّل ويُكثر من البحث في هذا المجال، أمَّا دلالتها المعنوية فإنَّ بلاغة استعمال الكلمة من هذه الناحية يعتمد على السياق المستعمل فيه، وليست هناك كلمة أفضل من غيرها في دلالتها، ولكنَّه يُفاضل بين الكلمات من تكوينها الصوتي. في نقده الشعر لا يرى من القديم مثالاً يُحتَذى به في المضمون، لأنَّ المعاني مُتجدِّدة وفقاً لابن جني على عكس الألفاظ، فهو يجيز الاستشهاد بقصائد المحدِّثين من ناحية المعنى. واستطاع ابن جني كسر الاعتبارات الدينية في النقد، ووضع قاعدة في النقد الأدبي تقضي بفصل دين وأخلاق الشاعر عن قياس جودة أشعاره من ردائتها، فكون الشاعر ماجناً لا يمنع أنَّ ينظم قصائد تفوق في جودتها قصائد الشاعر الورع التقي، فيقول عند شرحه لبيت من تأليف المتنبي: «ومع ذلك فليست الآراء والاعتقادات في الدين مِمَّا يَقدَح في جودة الشعر وردائته، لأنَّ كُلاً منفرد من صاحبه، ولم أقصد في هذا الكتاب إلى شرح مذهبه، بتصحيح أو غيره».

شرحه ديوان المتنبي

كان ابن جني مُعجباً بالمتنبِّي، ووصف فصاحته وطلاقته أنَّها "نور من عند الله عز وجل استودعه قلبه"، ودافع عنه ضُدَّ نُقاده، ووصفهم بـ"الجُهَّال". ويُرجِع تهجُّم المعاصرين على المتنبي إلى الحسد. وما يمِيِّز شرح ابن جني عن بقيَّة الشروح هو أنَّه تمكَّن من اللقاء بالمتنبي والجلوس معه واستفساره عن أبياته، ما يجعل تفسيره أدقُّ من هذه الناحية عن بقيَّة الشروح. وابن جني هو أول من فطن إلى أنَّ المتنبي كان يهجو كافور الإخشيدي في قصائد ظاهرها المديح وباطنها الهجاء، في ازدواجيَّة علم ابن جني أنَّها مقصودة، وأنَّها من باب الدهاء والحذاقة، في حين ذمَّه نُقَّاد آخرون لردائة مديحه.

الانتقادات على شرحه

المصدر: wikipedia.org
 
(1)
الأداب

الأداب

 

 
(12)
الآداب

الآداب