اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الإنسان لا يولد في عزلة، بل يولد في حضرة "آخر" يسبقه و يلازمه . منذ اللحظة الأولى، يطلّ علينا الآخر كمرآة غامضة، نبحث فيها عن ملامح ذواتنا، و نكتشف من خلالها هشاشتنا و رغباتنا و أوهامنا . إن الآخر ليس مجرد كائن يقف خارج حدود "الأنا"، بل هو ذلك الحدّ الفاصل و الموصل في آن واحد: به نكتمل و به نتصدّع . إن العين التي أرى بها الآخر ليست بريئة؛ فهي مثقلة بتاريخي، بخوفي، برغبتي في السيطرة أو بالحنين إلى الانصهار . و من هنا، يصبح النظر إلى الآخر تجربة فلسفية بامتياز، لأنها ليست مجرد فعل بصري، بل هي فعل وجودي، يكشف لي حقيقتي بقدر ما يكشف عن صورته . في هذا الكتاب، أحاول أن أكتب لا عن الآخر كما يتصوّره الناس، بل عن الآخر كما يسكن عيني، كما يعبر داخلي، كما يهزّ أركان ذاتي . فالآخر ليس دائماً عدواً، و لا هو دوماً صديقاً، بل هو سؤال أبدي يتجسد في وجه، في كلمة، في صمت، و حتى في غياب . إن علاقتنا بالآخر ليست حواراً سهلاً، بل هي صراعاً، افتتاناً، هروباً، و اعترافاً، و كلها تحفر في جوهر ما نسميه "الإنسان" .