اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مساهمات ابن جني التأصيلية في النحو جعلته المؤسِّس الحقيقي لعلم أصول النحو، وأسهب ابن جني في الحديث عن أصول النحو في كتابه "الخصائص"، خاصَّةً ما يتعلَّق بالقياس والتعليل، وابن جني هو أوَّل من يفكِّر في وضع هذا العلم على غرار أصول الفقه، ووَضَعَهُ بالاستناد على أصول الفقه الحنفي على وجه التحديد، بالإضافة إلى أصول علم الكلام والمنطق ومصطلح الحديث، وجاءت المباحث الأصوليَّة مُبعثرة في كتاب "الخصائص"، وهو ما يعكس قِلَّة التنظيم المعرفي المُصاحبة لنشأة علم الأصول، وقد حاول بعض النحويين قبله الخوض في هذا العلم، وأشهرهم أبو بكر بن السراج في "أصول النَّحو" والأخفش الأوسط في "المقاييس"، ورغم أنَّ ابن السراج سمَّى كتابه أصول النحو إلا أنَّه كان بعيداً عن الأصول بمفهومها الصحيح المقابل لأصول الفقه، وكان في أكثره يُعنى بالقواعد العامَّة الكليَّة، ولم يشمل من أصول النحو سوى القليل، وهذا القليل ينتقده ابن جني ويرفضه سواه من النحويين، وقد استفاد ابن جني من "المقاييس" للأخفش فائدة كبيرة، وأكمل أبوابه الناقصة وأضاف إليه الكثير. ويؤكِّد ابن جني نفسه أنَّه هو الذي وضع هذا العلم عندما يقول: «وذلك أنَّا لم نرَ أحداً من علماء البلدين تعرَّض لعمل أصول النحو على مذهب أصول الكلام والفقه»، ويقول عن مساهمات ابن السراج: «فأمَّا كتاب أصول أبي بكر فلم يَلُمُّ فيه بما نحن عليه إلا بحرف أو حرفين في أوَّله، وقد تُعلُّقَ عليه وسنقول في معناه»، وابن جني مع تأكيده أنَّه هو الواضع لعلم الأصول فهو لا ينكر مساهمات الأقدمين، فيقول: «واعلم أنَّ هذه المواضع التي ضممتُها، وعَقَدتُ العلَّة على مجموعها، قد أرادها أصحابنا وعَنَوها، وإن لم يكونوا جاءوا بها مُقدَّمة محروسة فإنَّهم لها أرادوا وإيَّاها نوَوا». وقد كانت مساهمات ابن جني في أصول النحو على دِقَّة عالية، على الرغم من كونها البادئة في هذا المجال، بل وهناك من يُفضِّل "خصائص" ابن جني على "لمع الأدلَّة" لأبي البركات الأنباري الذي جاء بعده بقرنين من الزمن، من ناحية المنهجيَّة في التعامل مع المسائل الأصوليَّة، ولكن يبقى كتاب "لمع الأدلَّة" أدقُّ من "الخصائص" من ناحية التقسيم والتفريع وعرض المسائل بصورة مُنظَّمة مُهذَّبة.
السَّماع هو الأصل الأوَّل من أصول النَّحو العربي، وهو الكلام المنقول عمَّن يُوثَق في فصاحته، وقد فصَّل فيه ابن جني، ومذهبه في السماع أنَّه يعتدُّ بالكلام المنقول عن الفرد المُحافِظ على عربيَّة صحيحة وسليقة لغوية خالية من التأثيرات الخارجيَّة، ولا قيمة عنده للمعيار الزماني أو المكاني، فهو يأخذ المرويات من عصر الجاهليَّة وكذلك يخالط الأعراب في زمنه، كما أنَّه يقبل الاحتجاج من أهل البادية وأهل الحضر على حدٍّ سواء طالما تحقَّقت فيهم شروط الفصاحة والمحافظة على الموروث اللغوي. وكان ابن جني يقبل جميع المرويات عن فصحاء العرب، ولا يضع أهميَّة حول المذهب النحوي للراوي أو الناقل، فكان يقبل المرويات من أهل البصرة ومن أهل الكوفة كليهما، وأخذ عن رواة الأدب بسندٍ مباشر من طريق أساتذته، ويُخصِّص ابن جني باباً في "الخصائص" لإثبات ثِقة النَقَلَة والرواة المشهورين وصدقهم. وكان ابن جني يخالط معاصريه من الأعراب، ويستفسرهم عن مسائل لغويَّة بالاعتماد على سليقتهم، وهو بهذا يُخالف النُّحاة الذين جعلوا منتصف القرن الرابع الهجري نهاية عصر الاحتجاج بأهل البادية، عندما كان ابن جني لا يزال طفلاً، وكان يكثر من سؤال أبي عبد الله الشجري الذي يثق بفصاحته، ويذكره في تسع مواضع من مؤلفاته يسأله عن قضايا في النحو واللغة والصوتيات، وأخذ أيضًا عن فصحاء عقيل الذين سكنوا مدينة الكوفة. إلا أنَّ حسام النعيمي يلاحظ أنَّ ابن جني لا يذكر الأعراب المعاصرين له بقصد الاحتجاج، وإنَّما يفعل ذلك بقصد الاستئناس بأقوالهم والتأكيد على مصداقيَّة وجه ما، ولكنَّه لا يورد أقوالهم لبناء أو هدم قاعدة لغويَّة، وما يدعم هذه الرؤية من أقوال ابن جني: «وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا لأنَّا لا نكاد نرى بدوياً فصيحاً، ونحن إن آنسنا منه فصاحة في كلامه لم نكد نعدم ما يفسد ذلك ويقدح فيه»، ويُستثنى من ذلك مسألة صوتية واحدة استشهد فيها ابن جني بالشجري وأخرج نفسه من مذهب البصرة إلى قول آخر. ويرى البعض أنَّ ابن جني أجاز الأخذ من الأعراب خارج الحدود الزمانيَّة والمكانيَّة التي وضعها النحاة بشرط امتحانهم والتأكُّد من فصاحتهم، وإلَّا رُدَّت أقوالهم، فيقول: «ينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كُلِّ أحد إلا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته». وابن جني لا يقبل الأخذ عن الشعراء المُولَّدين، إلا أنَّه يورد أشعارهم استئناساً بالمعاني لا الألفاظ، ومن هؤلاء المتنبِّي وابن الرومي.
ويخالف ابن جني مذهب البصريين في رفضهم لبعض لهجات العرب، واقتصارهم في السماع من قبائل مُعيَّنة، وهو يرى أنَّ جميع لهجات العرب حجَّة في ذاتها، لا يبطل أحدها الآخر، ويصحُّ التحدُّث بها وقبول المرويات منها والقياس وبناء القواعد عليها، فهو يرفض تخطئة من يتحدَّث بلهجة من لهجات اللغة العربية التراثية، إلا أنَّه يسمح بالمفاضلة بين اللهجات، فيصف بعضها بالضعف أو القوَّة ويُعبِّر عن ذلك بـ"الأولى" للهجة القويَّة و"خلاف الأولى" للهجة الضعيفة. ومن ذلك أنَّه يجيز إعمال "ما" في لغة التميميين، ويمتنع عن إعمالها في لغة الحجازيين، بدون تخطئة أحدهما.
جميع النُّحاة على اختلاف مذاهبهم يتفقون على حجيَّة القرآن، بل ويضعونه المصدر السماعي الأوَّل لاستنباط القواعد اللغوية، ويوافقهم ابن جني في هذا، غير أنَّهم يختلفون حول القراءات القرآنية، خاصَّةً الشاذَّة منها، وابن جني لا يمنع الاحتجاج بالقراءات سواءً الشاذَّة أو المتواترة، إلا أنَّه يُفرِّق بين نوعين من الشاذ؛ فالقراءات الشاذَّة ناقصة السند الموضوعة قطعاً لا يحتَجُّ بها، أمَّا الشاذ الذي اتَّصل سنده بالنبي فيجيز الاحتجاج به مُطلقاً. وابن جني يُكثِر من الاستشهاد بالقرآن في مؤلَّفاته، وتجاوز عدد الشواهد القرآنية في مؤلفاته غير المفقودة أكثر من ثلاثمائة وثلاثين آية، وفي "الخصائص" وحده استشهد بآيات قرآنيَّة في أكثر من مائتين وخمسين موضعاً. ويظهر جلياً من كلام ابن جني أنَّه يعتدُّ بالقرآن مصدراً فصيحاً لاستنباط القواعد اللغوية، فيقول: «حتى أن في القرآن - وهو أفصح الكلام - منه أكثر من مائة موضع». غير أنَّه لا يمتنع عن تخطئة بعض القراءات التي لا يجد لها وجهاً في اللغة، ولا يُفرِّق في ذلك بين المتواتر والشاذ.
يختلف النُّحاة حول الاستشهاد بالحديث النبوي، وهم لا يختلفون حول فصاحة النبي، إلا أنَّهم يأخذون في الاعتبار أنَّ الحديث يُروَى بالمعنى، فهذا يُعرِّض لفظه إلى التغيُّر والتحريف مع مرور الزمن، ولهم في الاستشهاد بالحديث مذاهب مُتعدِّدة، ولم يقف ابن جني موقفاً صريحاً من الاستشهاد بالحديث النبوي، وهو يورد الأحاديث في مؤلفاته، وفي "الخصائص" ذكر أكثر من عشرين حديثاً، لكنَّ أغلبيَّتها تتعلَّق بمباحث بلاغيَّة، ونادراً ما يستشهد بالأحاديث لاستنباط قواعد لغويَّة، ومن ذلك ذهابه إلى أنَّ الألف والنون في آخر بعض الأسماء زائدتان استناداً على حديثٍ للنبيِّ عندما جاءه قومٌ من العرب فقال لهم: «من أنتم»، فقالوا: «نحن بنو غيَّان»، فقال: «بل أنتم بنو رشدان». ويرى سعيد الأفغاني أنَّ ابن جني كان من المجيزين للاستشهاد بالحديث.
يُقسِّم ابن جني المسموع أو المنقول من ناحية القياس عليه إلى قسمين؛ مُطَّرد وشاذ، والاطراد والشذوذ قد يكون في الاستعمال أو القياس، وفي الاستعمال يعتمد على كمِّ الأخبار الواردة بصحته وفصاحته، وفي القياس يعتمد على موافقته لمقاييس اللغة ومعاييرها، ومن ثمَّ تأتي المرويات على أربعة ضروب؛ فقد يكون السماع مُطَّرداً في الاستعمال والقياس معاً، ولا خلاف حول صحة هذا الضرب وصحَّة القياس عليه، مثل: «ضربتُ زيداً»، وقد يكون مُطَّرداً في القياس شاذاً في الاستعمال، مثل: «مكان مُبقل»، فمقاييس اللغة والقواعد التي تتبعها تسمح بصناعة اسم الفاعل على ذلك الضرب، لكنَّ استعماله في اللغة شاذ والأكثر في اللغة أن يُقال: «باقِل»، وقد يكون السماع شاذاً في القياس مطَّرداً في الاستعمال، مثل: «استصوب»، فمقاييس اللغة توجب إعلال الفعل ليصير مثل: «استقام»، لكنَّ المرويات عنه بهذه الصورة كثيرة، وقد يكون السماع شاذاً في القياس والاستعمال معاً، مثل إجازة المبرد تتميم صيغة اسم المفعول للأفعال التي يكون عينها واواً، فيُقال: «مَقُووم»، وهذا القول شاذ من جميع الأوجه لا يُبرِّره القياس أو الاستعمال، ولا خلاف حول خطئه. وهكذا يُقسِّم ابن جني السَّماع في كتابه "الخصائص" في باب "القول على الاطراد والشذوذ"، ثُمَّ يختلف الباحثون حول تحديد موقف ابن جني من القياس على الضربين الثاني والثالث، ومن المتفق عليه أنَّ ابن جني يُقدِّم السماع على القياس في حالة تضاربهما، فيرفض تخطئة اللفظ الذي كثر استعماله مُخالفاً لقواعد اللغة، ويختلف الباحثون حول ما إذا كان يجيز القياس على ذلك اللفظ وتطبيق قاعدته على ألفاظ أخرى، ويذهب فاضل السامرائي إلى أنَّ ابن جني يرفض القياس على ذلك اللفظ، حتى وإن كان يراه فصيحاً فلا يجيز بناء قاعدة استناداً عليه فقط تُبرِّر مخالفة القواعد الشائعة للغة، بينما يرى محمود حسني محمود أنَّ ابن جني أجاز القياس على المسموع المخالف للقياس الشائع، ومن ذلك إجازته إلحاق نون التوكيد باسم الفاعل، بل ويرى أنَّه لم يشترط الكثرة للقياس وأجاز القياس على المثال الواحد، مستدلاً برأي الأخفش الأوسط في أنَّ المرويات المطردة في الاستعمال المخالفة للقياس الشائع قد يكون لها قياساً في لهجة مندثرة.