English  

كتب احياء الدين

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

حياته الدينية (معلومة)


دراسته وشيوخه

لا يعرف الكثير عن الحياة المبكرة لأحمد بن يوسف بقرية برأس الماء، وربما يكون قد تعلم مبادئ القراءة و الكتابة و حفظ بعضا من القرآن في كتاتيب قريته أو بقلعة بني راشد، و يذكر البعض أنه أخذ عن علماء تلمسان و وهران. رحل إلى مدينة بجاية حيث التقى بالشيخ أحمد زروق البرنسي ، أحد مشاهير الصوفية، ولد بفاس و توفي بمصراتة ، أقام مدة ببجاية أين أسس زاوية سيدي زروق سنة 884 هـ/1479 م. تتلمذ أحمد بن يوسف على يد الشيخ زروق، وهو الذي أدخله الخلوة و ألبسه الخرقة الصوفية. و أخد عنه علوم القرآن و السيرة النبوية و التصوف.

عودته إلى وطنه ودعوته الدينية

وصف أحمد بن يوسف مغادرته لبجاية على طريقة كرامات شيوخ الصوفية فقال : «ثم رجعت لبجاية فرأيت حلقة عظيمة و الناس مجتمعون، فقصدتهم، فإذا بشيخ لابس عباءة عاري الرأس و هو في وسط الحلقة يذكر الله يقال له سيدي قاسم البسكري نفعني الله ببركاته آمين، فقال لي : ادخل الخلوة و لا تردّ ما يعطاك و اذهب لأهلك في رأس الماء، و لم يعلم أحد من تلك الحلقة لمن يقول ذلك، لأني كنت لا يعرفني أحد ثم ذهبت كما أمرني سيدي أبو القاسم فدخلت الخلوة إلى الليل، أتاني رجل بحفنة دراهم و ناولنيها من بين الحائط و الباب و ذهب.»
عاد أحمد بن يوسف إلى قريته رأس الماء الواقعة قرب وادي فرقوق بين قلعة بني راشد و معسكر، و بنى نوالة أي كوخا من الأخشاب وظل كذلك لا يعرفه أحد. ثم بدأ يتردد على سوق مدينة معسكر يصلي بالناس ويلقي المواعظ وينشر الطريقة الزروقية وظهر أمره وأعجب الناس به وكثر أتباعه. عارضه في بداية أمره بعض الفقهاء ووصفوا دعوته بالبدعية، مثل عمرو بن أحمد المشرفي التراري، الذي غير رأيه به بعد ذلك وزوجه ابنته. كما قام آخرون، مثل الشيخ عبد الرحمن القلامي وعثمان بن عمر، بمناظرته وامتحانه، فأعجزهم واعترفوا له بالعلم. و بعد ان اشتهر وكثر أتباعه بدأ بالدعوة إلى طريقته الخاصة التي تستمد تعاليمها من الزروقية. قام أحمد بن يوسف بعد وفاة أبيه بالرحيل من قرية راس الماء إلى مدينة القلعة و كانت إحدى الحواضر المهمة بالمنطقة، حيث أسس زاويته التي قال عنها «زاويتنا كسفينة نوح من دخلها أمن من الخوف». و رغم تزايد أعداد مريديه وأتباعه إلا أنه لقي معارضة كبيرة من نخبة الفقهاء والعلماء لمدينة القلعة.
يعتبر أبو عبد الله الصباغ القلعي أول من ترجم لأحمد بن يوسف في كتابه " بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار ومعدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الرّاشدي النسب والدّار"، و رغم أن المؤلف لا يكاد يفصل في كتابه بين التاريخ والوقائع و الحكايات والأساطير، إلا أنه يمثل المصدر الرئيسي للتراجم والدراسات التي تناولت حياة أحمد بن يوسف وسيرته الدينية وطريقته الصوفية، و التي كانت كثيرة من بعده، يقول أبو القاسم سعد الله : «و لعل أحمد بن يوسف الملياني هو أكبر شخصية صوفية خصها المؤلفون بالتقاييد و التآليف و الأشعار. فأنت لا تكاد تجد عملا في التصوف لا يشير إلى ترجمة الملياني و حياته الروحية.». و يعد كتاب بستان الأزهار مصدر معظم أخبار أحمد بن يوسف وأقواله، مثل قوله بأن الله أعطاه علم الظاهر و الباطن و أنه نائب عن رسول الله ، قد أحيى به الله طريق التحقيق. و أعطاه كرامات عديدة، مثل الشفاعة في من التقى به وأكل و شرب معه يوم القيامة، و أن من رآه لا تأكله النار إلى عشرة، و أنه خرج سالما من النار التي أمر السلطان بإلقاءه فيها بتلمسان، و إغاثته لمن يستغيث به من مريديه، مثل رجل أراد قطع وادي مينا وهو في حالة فيضان فاستنجد بالشيخ فأتت به الملائكة وووضعته قنطرة يمر عليها الرجل إلى الضفة الأخرى، واستيقظ مبلل الثياب وأخبر زوجته سْتّي بأنه أحس بحوافر الدابة في ظهره. و يبدو أن سياق كرامات أحمد بن يوسف في أغلبها يتناسق مع كرامات مشاهير و أقطاب الصوفية من قبله مثل إبراهيم الخواص و أبو مدين شعيب و أبي العباس السبتي و أبي الحسن الشاذلي و عبد الرحمن الثعالبي و أحمد زروق. و قد سمى أتباعه من مريديه و تلاميذه "بالفقراء"، و كانوا يظهرون له مظاهر الاحترام والتبجيل و الوفاء وكانت له سلطة عظيمة عليهم، إلى درجة القبول بالتضحية بأنفسهم في ما يعرف بقصة المذابيح لإرضاءه، و كانوا يرافقونه بعد تأزم علاقاته مع السلطة الزيانية، وتنقله بزاويته في نواحي بني راشد وسهول الشلف
كان لأحمد بن يوسف أنصار من فقهاء إقليم بني راشد، و قد ذكر ابن الصباغ القلعي أن الإمام السنوسي (1426-1490) قال لمن كان يغتاب أحمد بن يوسف :«تتقول في سلسلة الذهب سيدي أحمد بن يوسف .» مع أن هذا القول مستبعد لأن السنوسي توفي سنة 1490 قبل اشتهار أمر أحمد بن يوسف و كان له أنصار من الوجهاء والاعيان كذلك. و كان له أعداء أيضا مثل بعض متصوفي وفقهاء المنطقة كالشيخ علي الندرومي والشيخ قدار و بعض أصحاب السلطة والتجار، و أعيان بعض القبائل وشيوخها مثل سميان المناصري، الذي كان من زعماء بني مناصر، و كان أيضا فقيها وحذره من الاتصال بقبيلة بني فرح وهو الذي دعا عليه بالإقبار في "زُوبية" (قمامة) اليهود.

تلاميذه

كان لأحمد بن يوسف العديد من الأتباع والمريدين و التلاميذ من أهمهم :
في المغرب الأوسط:

  • ابن معزة الصباغ القلعي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي بن عبد الرحمن الصباغ القلعي، كان من أكبر أصحابه وممن يلازمونه ملازمة تامة حتى قيل «من رأى الشيخ دون بن معزة فكأنه لم ير الشيخ»، و كان حريصا على مرافقة شيخه وخدمته، وكان شيخه أفضل مكانة عنده من الأب والأخ، وكان يدافع عنه ضد خصومه بالشعر. استشهد في يناير 1518 مع إسحاق بربروس و الحامية التركية في معركة القلعة ضد الإسبان.
  • علي بن العباس التمزغراني: أحد طلبته من مزغران، و هو أول من ألف كتابا في مناقبه سمّاه مناقب تاج الأوتاد ومصباح البلاد سيدي أحمد بن يوسف الراشدي.
  • عبد الحق بن علي المطهري: أحد أتباعه، نظم قصيدة لامية في رثاءه من 126 بيتا فرغ منها في 17 رجب 935 / 27 مارس 1529 أرّخ فيها لسيرته ومذهبه، وله أيضا تقييد في سند الراشدية إلى الشاذلية.
  • عبد الرحمن بن جلال التلمساني: أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن جلال الوعزاني التلمساني، من صلحاء تلمسان ومتصوفيها و يعد من أكابر أصحاب أحمد بن يوسف.
  • محمد بن جلال التلمساني: أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن جلال التلمساني، مفتي تلمسان ومن أكبر علماءها، نزل فاس سنة 958 هـ/1551 م ونال منصب الإفتاء و رئاسة العلماء بها إلى وفاته، كان يزور أحمد بن يوسف مع أبيه في أول شبابه وأخذ عنه.
  • محمد بن عبد الجبار الفجيجي التلمساني: محمد بن عبد الجبار بن ميمون بن هارون الفجيجي المسعودي التلمساني، من أبرز المتصوفين بعصره، وكان شاعرا ماهرا له منظومات في مدح الرسول جمعت في مجلد كبير، كانت له زاوية كبيرة ومسجد بوطنه بمنطقة تسالا بنواحي تلمسان، تستقبل الزوار من كافة الأنحاء، توفي في 950هـ/ 1543م.
  • عبد الله بن إبراهيم الخياط: كان أبوه إبراهيم الخياط الرفاعي اليمني من تلامذة الشيخ زروق، انتقل معه بأهله من القاهرة إلى مصراتة، ثم أمره بدخول المغرب الأوسط فرحل إبراهيم الخياط بقرب تاريخ مولد ابنه عبد الله سنة 888 هـ/1483 م، إلى وهران و توفي بها واشتهر ضريحه بها. ارتحل عبد الله الخياط وهو فتى لم يبلغ العشرين إلى زرهون بالمغرب الأقصى وانتقل أخوه محمد العربي الخياط إلى مازونة. عاد إلى بني راشد وتتلمذ على أحمد بن يوسف بعد أن نصحه بذلك شيخه الحسن آجانا الزناتي تلميذ محمد بن سليمان الجزولي. و يعدّ الخياط من أوائل أتباع الراشدية بالمغرب الأقصى، توفي سنة 939 هـ/1532 م.
  • موسى بن منصور البلداوي: تلميذه وممثل طريقته بمدينة مازونة، كان دائم الاتصال به عن طريق الرسائل والوصايا الصوفية.
  • محمد بن أحمد الشريف الزهّار: كان يتعبد بمغارة قرب قلعة بني راشد وكانت تنسب إليه الكرامات والخوارق و الإخبار بالغيب مثل احتلال الإسبان للقلعة وتلمسان و بجاية، وكان جريئا مع شيخه بأقواله مثل قوله :«يا أحمد بن يوسف اشتغلت بالنساء». انتقل إلى مدينة الجزائر و عين نقيبا للأشراف بها من طرف الأتراك وتوفي بها سنة 948 هـ/ 1541 م ودفن بالقصبة بمسجد سمي باسمه.
  • أبو العباس أحمد البطحي: كان شاعرا من أتباعه، مدحه بقصيدة تزيد عن المائة بيت.
  • محمد العنتري العربي: كان شاعرا من تلاميذه مدحة بقصيدة مخمّسة.
  • سليمان بن أبي سماحة: و هو جد عبد القادر بن محمد السماحي دفين الأبيض سيدي الشيخ بولاية البيض، المدعو سيدي الشيخ مؤسس الطريقة الشيخية.
  • عمر بن سليمان العلوفي: من كبار أصحاب أحمد بن يوسف من الجيل الأول، وهو الذي رحل إلى بني يزناسن بنواحي وجدة وأسّس الطائفة اليوسفية وادّعى المهدوية وسمى نفسه المهدي أحمد بن عبد الله المنزول.
  • محمد العربي بن شعاعة: متصوف شهير بنواحي غليزان من المتحالفين مع الأتراك مثل شيخه، تلقى معارضة من بعض فقهاء عصره ممن اتهموه بالإلحاد.
  • محمد العربي بن القاضي: من تلاميذ أحمد بن يوسف المقربين، وقد قال عنه :«اعراب يستر ربي». كان يمدح شيخه ويدافع عنه بالشعر. و من شعره:
  • محمد الصباغ القلعي: و هو ابن بن معزة القلعي، كبير أصحاب أحمد بن يوسف، ولد سنة 923 هـ/ 1517 م، وكان طفلا لا يتجاوز عمره ثماني سنوات عند وفاة شيخه، لكنه يعد من أهم رجالات الطريقة الراشدية وهو مؤلف بستان الأزهار الذي أرخ فيه للطريقة ووشيخها. تولى منصب قاضي قلعة بني راشد، وهي وظيفة هامة لا يشغلها إلا الفقهاء. و له مؤلفات أخرى منها شرح في أسماء الله الحسنى و شرح في الأذكار و تأليف آخر يسمى شفاء الغليل و الفؤاد في شرح النظم الشهير بالمراد في شرح القصيدة المرادية في التصوف و هي من نظم الشيخ إبراهيم التازي نزيل وهران و خليفة الشيخ محمد بن عمر الهواري بها.

في المغرب الأقصى:

من أوائل من نشر الطريقة الراشدية في المغرب الأقصى تلميذا أحمد بن يوسف عمر بن سليمان (أحمد بن عبد الله المنزول) شيخ اليوسفية و عبد الله الخياط بزاويته بزرهون. و من تلاميذه أيضا:

  • محمد الحاج الشطيبي: أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد بن حسن بن حيون الصقلي الأندلسي البرجي الشهير بالحاج الشطيبي، يعد من أوائل أتباع الراشدية بالمغرب الأقصى. رحل إلى المشرق و زار دمشق. أخذ عن أحمد بن يوسف ثم عاد إلى وطنه و استقر بقرية تازغدرة بنواحي جبال الريف. كان معتزلا لحكام المغرب الوطاسيين و متنزها عن الوظائف الرسمية. له مؤلفات عديدة في مختلف الفنون. لاقى الحاج الشطيبي معارضة شديدة من محيطه من الفقهاء و الصوفية، الذين انتقدوا مذهبه الصوفي و بعض أقواله و من أسباب هذه المعارضة أيضا انتسابه إلى الراشدية، توفي سنة 963 هـ / 1556 م.
  • عبد الله الهبطي: يعد الهبطي من أكبر المدافعين عن أحمد بن يوسف و المنتصرين لأفكاره بالمغرب الأقصى لتقارب مذهبهما الصوفي. و عكس الحاج الشطيبي كانت له مكانة علمية و اجتماعية مميزة مكنته من الحوار و المناظرات و الدفاع عن مذهبه الصوفي بحضور العلماء و الحكام. توفي سنة 963 هـ / 1556 م.
  • أحمد بن موسى الجزولي: المعروف بأحمد أوموسى الجزولي السملالي، أكبر المتصوفين بجزولة و بلاد السوس بوقته، توفي سنة 971 هـ / 1563 م.
  • علي بن عبد الله الفيلالي: أبو الحسن علي بن عبد الله السجلماسي دفين تافيلالت، كان من خواصّ تلاميذ أحمد بن يوسف و ممن بلغوا مكانة مميزة عنده حتى قال عنه بلغته الزناتية :«أقشيش ان أيوازن يوا غير الله أطّاس» و معناه "رجل قليل أعطاه الله مقاما عظيما" و هو شيخ أبي القاسم الغازي.
  • محمد بن عبد الرحمن السهلي: من ناحية مولى السهول قرب وادي قير و بوذنيب جنوب شرق المغرب، توفي سنة 936 هـ / 1530 م. مؤسس الطريقة السهلية و شيخ أحمد بن موسى الكرزازي و عبد القادر السماحي.

مؤلفاته

نسبت إلى احمد بن يوسف بعض المؤلفات و الرسائل منها:

  • رسالة في الرقص و التصفيق و الذكر في الأسواق
  • رسالة التحقيق و منهج الهدى إلى الطريق
  • حكم في التصوف
  • المنهج الحنيف في معنى الاسم اللطيف.

زاويته و طريقته الراشدية

من أهم الدراسات في تاريخ أحمد بن يوسف الراشدي و سيرته الدينية و الصوفية كتاب عبد الله نجمي المسمى "التصوف والبدعة بالمغرب طائفة العكاكزة، ق 16-17م" ، و الذي خصص القسم الأول منه لإعادة دراسة سيرته من ثلاث نواحٍ في ثلاثة أبواب، الأول في ظهروه كولي صالح، و الثّاني في عرفانيته و عقائده الصوفية و الثّالث في بدعيته و مخالفته لمحيطه العلمي و الصوفي المغاربي. و يفصّل المؤلف في كتابه حياة الشيخ و آراءه و دعائم طريقته.

تمثلت بداية أحمد بن يوسف و طريقته في رحلته إلى بجاية و التحاقه بدروس الشيخ أحمد زروق بمعهد الشيخ العيدلي بقرية تمقرة، إلى جانب عدد من أعلام القرن العاشر الهجري مثل محمد بن علي الخروبي. وافق الشيخ زروق على انتساب أحمد بن يوسف إليه و بدأ بمراحل التلقين الصوفي لتلميذه، فأخذ منه العهد، و هو الاتفاق و التعاقد بين المريد و شيخه، ثم لقنه الذكر على مراحله التدريجية ثم أمره بالخلوة. و بهذا تم انتساب أحمد بن يوسف إلى الشيخ زروق و طريقته و لعل ذلك لم يستغرق مدة طويلة لافتراض تفوقه في العلم و التصوف قبل لقائه بشيخه و اهتداءه إليه. و داوم أحمد بن يوسف على حضور دروس المجلس العلمي لشيخه و كان من زمرة تلامذته النجباء الذين يبقون مع شيخهم بعد الفراغ من المجلس، فكان يقرأ عليه و يناقشه في كثير من القضايا الصوفية، و هذه المذاكرة و المناقشات سمحت لزروق بالاطلاع على المواهب الفكرية و الآراء العلمية و الصوفية لتلميذه و التي اكتسبها قبل أخذه عنه،«فأصبح أحمد بن يوسف من المقربين للشيخ أحمد زروق، و الذي تعهده بالرعاية و خصه بالعناية،و فضله على بقية تلامذته و مريديه». و بذلك اتصل سنده الصوفي بأسانيد الشيخ أحمد زروق المتصلة بعدة طرق صوفية في المغرب و المشرق، على رأسها أبو الحسن الشاذلي و طريقته الشاذلية، و محمد بن سليمان الجزولي و طريقته الجزولية المتفرعة عن الشاذلية، و عبد القادر الجيلاني و طريقته القادرية، بالإضافة إلى ثلاث طرق أخرى مستقلة هي العروسية و الجشتية و السهروردية. عاد بعدها احمد بن يوسف إلى وطنه بني راشد، و استطاع أن يظهر و يؤسس زاوية متكاملة قامت بعدة أدوار، مثل واجباتها الدينية التي أهمها التعليم و استقبال الطلبة و الأساتذة و عقد المجالس العلمية برئاسة شيخها، كما قامت بواجباتها الاجتماعية أيضا، مثل توفير الغذاء و المسكن للطلبة و المدرسين و الزائرين، و إطعام الفئات المحرومة من الفقراء و الإغاثة في أوقات المجاعات، و توفير المأوى و الإشفاء على يد الشيخ للمرضى سواء في الاوقات العادية أو في حالة انتشار الأوبئة و الجوائح. كما اضطلعت بأدوار سياسية هامة أبرزها مواجهة حكام الدولة الزيانية و مواجهة أعراب سُويد جنوب الوطن الراشدي، كما قامت بدور الشرطة في مواجهات السرقة و قطاع الطرق.

و الطريقة الراشدية رغم قيامها على أسس الشاذلية الزروقية و كونها من فروعها، إلا أن سبب اشتهارها و توسعها من وطن بني راشد بالمغرب الأوسط إلى باقي المناطق المغاربية و ظهورها و امتيازها عن باقي عديد الطرق الصوفية المعروفة آنذاك هو آراء أحمد بن يوسف المتميّزة و أفكاره العميقة و الجديدة على المجتمع الديني المغاربي من الفقهاء و المتصوفة في مناقشة قضايا المعرفة و العرفانية الصوفية المتعلقة بالله و الوجود و الإنسان «في جراءة منقطعة النظير في بقية التيارات الصوفية المعاصرة له». و هو مع ذلك لم يدّع ابتداع هذه الأفكار و الآراء و الإسهام بجديد فيها و إنما أكد اتباعه لسنن التصوف الإسلامي من قبله و أن جوهر مذهبه إحياء و تجديد مذهب أبي يزيد البسطامي و رواد الحب الإلهي. و كان أحمد بن يوسف يدرس مذهبه الفكري و آراءه الخاصّة لنخبة تلاميذه و صفوتهم ممن لديهم القدرة لإدراك هذه المفاهيم النظرية المجردة التي مجالها الشعور و الوجدان و غايتها القصوى أن تظل سرا بين الخلق و الخالق. و كان حرصه شديدا على قصر مذهبه على الخاصّة من أتباعه دون العامّة ممن ليس لديهم القدرة على استيعاب مفاهيمه الدقيقة و مقاصده. رغم ذلك فقد تسرّب هذا المذهب من المجالس العلمية الخاصّة للشيخ إلى العامّة الأقل ثقافة و علما و منها إلى الجماعات العلمية و الفقهية التقليدية، «فتعرض هذا المذهب لمحنة سوء الفهم و فساد التاويل و عانى من الانحراف و تجني المنكرين و المعترضين». و قد كان المذهب الصوفي الذي دعا إليه أحمد بن يوسف غير مرغوب فيه من قبل غالبية مشايخ الصوفية في ذلك العهد، لأنهم كانوا يرون فيه سببا للفتن و الانحرافات و كانوا يحذرون الناس من ذلك المذهب و مشايخه و المؤلفات المنسوبة إليه. و آراء أحمد بن يوسف العميقة و الجريئة في مناقشة القضية الرئيسية في التصوف و هي العلاقة بين الله و الإنسان و الوجود، أدت بأنصاره و أعداءه و من اتخذ موقفا بينها، جميعهم، بالسكوت تماما عن تراثه الصوفي كعارف و غنوصي و لولا جمع الصباغ القلعي لفكر شيخه و مذهبه في كتابه لضاع و اندثر.

أدت هذه الأفكار الجديدة على المجتمع الديني المغاربي بأحمد بن يوسف و طريقته الراشدية إلى مواجهات كثيرة مع فقهاء و متصوفي عصره، تمثلت في محيطه بالمغرب الأوسط في مناظرات شفهية و كتابية، و تمادت أحيانا ألى مواجهات جسدية مسلحة، و في المغرب الأقصى في مراسلات و مساءلات، فقهية و عقائدية في علم التوحيد و أصول الدين و التصوف. و أنكر بعض معاصريه تشكيل حلقات الذكر بالغناء (سماع) و الآلات الموسيقية و منهم من عارض طريقته و عقيدته و اتهمه بالإلحاد. ممن عارضه أيضا في المغرب الأوسط أحمد بن الحاج الورنيدي من أعلام تلمسان، و زميله القديم محمد بن علي الخروبي تلميذ الشيخ زروق بزاوية العيدلي، و تزعم تيار معارضته بالمغرب الأقصى شيخان معروفان من معاصريه من تلامذة ابن غازي المكناسي هما عبد الوارث الياصلوتي، مؤلف رسالة المسلك القريب الموصل إلى حضرة الحبيب في انتقاده و طريقته و عبد الله بن عمر المضغري، الذي سبق أن زاره بزاويته ببني راشد، ثم رحل قبل أن يلتقي به و تحول عنه إلى الشيخ أبي فارس عبد العزيز القسنطيني. و شن الفقهاء و المتصوفون حملة مواجهة شديدة لأحمد بن يوسف و أفكاره و أتباعه بالمغرب الأقصى، مما أدى بحكامه الوطاسيين إلى التدخل ضدهم.
أدت هذه الحملة الهجومية على أحمد بن يوسف إلى رد فعل دفاعي من طرفه شخصيا تمثل في المناظرات و المراسلات، مثل رسالته إلى أهل توات التي ينهاهم فيها عن اضطهاد أتباعه، و رسالته إلى السلطان الوطاسي بفاس، و من طرف تلاميذه و الجيل الأول من أتباعه. ففي المغرب الأوسط، كان تلميذه محمد بن أحمد الصباغ القلعي المدعو بن معزة يدافع عن شيخه بالأشعار. و ألف تلميذه علي بن العباس التمزغراني كتاب مناقب تاج الأوتاد و مصباح البلاد سيدي أحمد بن يوسف الراشدي في سيرته و مناقبه. و في المغرب الأقصى انتصر له عبد الله الهبطي انتصارا تاما و دافع عن مذهبه و آراءه لتقاربها مع آراءه و مذهبه الصوفي. كما دافع عنه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الخياط الرفاعي و كان ممن تتلمذوا عليه. و من أهم من ساهم بنشر مذهب أحمد بن يوسف و طريقة الراشدية بالمغرب الاقصى تلميذه محمد بن علي الأندلسي المدعو الحاج الشطيبي المقيم بقرية تازغدرة بشمال المغرب و الذي تعرض لمواجهات كثيرة من معاصريه من الفقهاء و المتصوفة و أمضى حياته منعزلا بقريته. و استمرت الحملة الهجومية و التضييق على أحمد بن يوسف و مذهبه طوال حياته و تواصلت بعد مماته، فتَجنّد الجيل الثاني من أتباعه للدفاع عنه و تبرئة ساحته بالتآليف و دعوة المخالفين إلى الحوار و التباحث في مذهب شيخهم و الاجتهاد في تأويل هذا المذهب وفق المنظور السني. من أبرزهم في المغرب الأوسط قاضي قلعة بني راشد أبو عبد الله محمد بن محمد الصباغ القلعي ابن تلميذه بن معزة الذي ألف كتابا كبيرا يشتمل على سيرته و أقواله و أفكاره و مذهبه الصوفي و يذكر أتباعه المخلصين و من انحرف منهم عن مذهبه، سمّاه بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار و معدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الرّاشدي النسب و الدّار. و عميدهم في المغرب الأقصى مفتي فاس و كبير علماءها أبو عبد الله محمد بن جلال التلمساني و كان قد رآه و أخذ عنه في أول شبابه و كان أبوه أبو زيد عبد الرحمن بن جلال التلمساني من كبار أتباعه. و قد اعتمد كل من الصباغ و ابن جلال طريقة واحدة للدفاع عن أحمد بن يوسف، تمثّلت في العمل على اتجاهين، فمن جهة عملا على الدفاع عن مذهب شيخهما و الاعتذار عن ما صدر منه من أقوال و شطحات و الاجتهاد في تأويل أقواله و أفكاره بما يتناسب مع السنة و دعوة المخالفين إلى الحوار و محاولة تقريب الراشدية قدر المستطاع من محيطها الديني و الصوفي المغاربي. و من جهة أخرى، عَمِلا على مواجهة تيّار الخصوم الداخليين في الطريقة ممن انحرفوا عن مبادءها و اتجهوا إلى الغلو في الشيخ و إظهار البدع و المخالفات، و دَعَوَا إلى ضرورة مواجهتهم و التشديد عليهم و إن أفضى ذلك إلى استعمال القوة لعقابهم. و ما كاد ينتهي القرن 10 هجري / 16 ميلادي حتى انصهرت الراشدية بباقي محيطها الصوفي المغاربي و تغيرت صورة أحمد بن يوسف لدى الفقهاء و النخب العلمية من ثائر فكري و مبتدع مذهب متأثر بالتصوف الفلسفي إلى ولي صالح من وجوه و أقطاب التصوف السني المغاربي، و صُنفت "اليوسفية" أو "الشرّاقة" كطريقة ضالة مستقلة و بعيدة كل البعد عن الطريقة الراشديّة الأم.
و قد دافعت عن أحمد بن يوسف، بعد وفاته، الأجيال اللاحقة من المؤرخين و الفقهاء و نسبوا الانحرافات التي وقعت في طريقته إلى أتباع اليوسفية. قال ابن عسكر الشفشاوني (1529-1578) :«جليل القدر كبير الشأن، من أكابر مشايخ الصوفية، فتح عليه في علوم أسماء الله تعالى و تصريفها،و كان عارفا بالله تعالى.»، و قال أيضا في تبرء الشيخ من غُلُوّ بعض أتباعه فيه :«من قال عنا ما لم نقل يبتليه الله بالقلّة و العلّة و الموت على غير ملّة.». و قال عنه ابن القاضي المكناسي (1553-1616) :«الولي الصالح المقطوع بولايته.»، و يقول أيضا مدافعا عنه من انحرافات أتباعه :«و إليه -رحمة الله عليه- تنسب الطائفة اليوسفية بالمغرب الملعونة، و حاشاه أن يقول بمقولتهم.». و أثنى عليه أيضا ابن أبي محلي السجلماسي (1560-1613). و سماه محمد بن أبي بكر الدلائي (1560-1636) «شيخ المشايخ سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني». و قال محمد بن سليمان الصائم التلمساني (1605- بعد 1656) :«الشيخ الرباني سيدي أحمد بن يوسف الملياني، و هو أيضا من تلامذة سيدي أحمد زروق، و له عناية مع الله عظيمة و عوائده معه كريمة، ظهرت على يده الخوارق و شهدت له الحقائق.». و قال محمد المهدي الفاسي (1624-1698) «الشيخ الإمام الهمام العارف الكبير الكامل الحجاج الفذ المنفرد أبو العباس احمد بن يوسف الراشدي الملياني». و سماه الحسن اليوسي (1631-1691) «شيخ الطوائف المغربية». و قال الحسين الورتيلاني (1713-1779) في رحلته :«سيدي أحمد بن يوسف الذي كانت ولايته ظاهرة شرقا و غربا و كراماته و خوارق عادته -نفعنا الله به آمين و رضي عنه- لا تحصى .». و ترجم له أيضا كثير من المعاصرين، قال محمد بن جعفر الكتاني (1857-1927): «كان -رحمه الله- من أعيان مشايخ المغرب و عظماء العارفين، أحد أوتاد المغرب، و أركان هذا الشأن، جمع الله له بين علم الحقيقة و الشريعة، و انتهت إليه رياسة السلكين و تربية المريدين بالبلاد الراشدية و المغرب بأسره.»
و قد اهتم بسيرته بعض المعاصرين أيضا، فقد نسب إليه المؤرخ علي فهمي خشيم نوعا من الازدواجية في نشر مذهبه بممارسة دعوته لطريقته على اتجاهين الأول موجه للخاصة و أهل العلم من أتباعه و يرتكز بالأساس على منهج زروق و طريقته و الثاني موجه للعامة من الأتباع و المريدين يتخذه كوسيلة سهلة للاتصال بالجمهور بإظهار الجذب و الانفعالات و القول بالشطحات التي يتلقاها هؤلاء بالترحيب و الإكبار. و ناقش المؤرخ عبد الوهاب بن منصور الخلاف الديني و العقائدي حول شخصية أحمد بن يوسف الملياني، و انتقد بعض أقوالة المعروفة بالشطحات عند الصوفية، فقال بشأن آراءه في صفات الله العليا :«و الحق أن لأحمد بن يوسف المترجم جراءة في عرض أفكاره و معتقداته فيما يخص الذات الإلاهية و النفس و الوجود.»، و قال منتقدا أقواله بوحدة الوجود و ادعاء المهدوية :«كما كانت تصدر منه أقوال لا يقره عليها مسلم حنفي كقوله في توضيح علاقته مع الله "أنا جالس في حجر الحق سبحانه يفعل بي ما شاء" و قوله "المولى جل جلاله مدّني بمدّه، و وصفني بأوصافه، أنا هو و هو أنا" و قوله "و الله لولا خفت أن أعبد من دون الله لأظهرت لكم الحق عيانا".»، كما انتقد قوله لأتباعه بأنه رسول و أمره لمن استأذنه في الحج بأن يطوف به ثلاث مرات فتكتب له حجة. و استخلص أن الطريقة الراشدية التي أسسها أحمد بن يوسف انحرفت عن الزروقية المتفرعة عن الطريقة الشاذلية التي لا تتعارض مع مبادئ أهل السنة و أنها قد تسرّبت إليها الكثير من الأفكار الشيعية و الوثنية، و أضاف قائلا : «و إذا صحّ ما نسب إلى مؤسسها من أقوال، و ما كان يأخذ به أتباعه من أفعال، وجب أن يقال جهارا إنه من المبتدعة الذين فرقوا الدين و صيّروا أهله طوائفا و شيعا.». من ناحية أخرى، ذكر المؤرخ أن العديد من العلماء و الفقهاء و المؤرخين برّأوا أحمد بن يوسف مما ابتدعه أتباعه و نسبوه إليه فقال : «... سيرا مع الحق و أداءا للأمانة التاريخية، و هي أن العديد من علماء المغرب و فقهاءه و مؤرخيه ينكرون أن يكون أحمد بن يوسف ابتدع شيئا من البدع و الكبائر التي تتسم بها طريقته أو وافق عليها، و يضعون أوزارها على عاتق الغلاة من أتباعه.». و علّق على إحدى رسائله المثبتة في كتاب بستان الأزهار في الجذب المتعلق بنظرية المعرفة الصوفية قائلا : «فلم أرها تختلف عن الرسائل التي كتبها قبله شيوخ المتصوفة و كتبوها بعده، و ليس فيها ما يقدح في دينه أو سلوكه.».

الطرق المتفرعة عن الراشدية

جدول السند الراشدي للمشايخ والطرق و الزوايا المتفرعة عنه:

الطائفة اليوسفية

نسب معظم المترجمين لأحمد بن يوسف الانحرافات التي وقعت في طريقته لطائفة معينة عرفت باليوسفية أسسها أحمد بن عبد الله المنزول، و المنزول هو أحد كبار أصحاب أحمد بن يوسف و يسمى عمر بن سليمان العلوفي، استقر ببني يزناسن بناحية وجدة و هو الذي ادّعى المهدوية بعد ذلك، و كان رحيله لتلك المناطق وتأسيسه للطريقة بإذن شيخه و الذي ظلت تربطه به علاقات حسنة. و قد اشتهرت هذه الطائفة بغلوها في محبة أحمد بن يوسف و رفع منزلته إلى مرتبة الرسول. و قد تعرض اليوسفيون إلى محاكمات و نكبات كثيرة في المغرب الأقصى على يد سلاطين الدول المتعاقبة عليه منذ بداية القرن السادس عشر، و أفتى في قضيتهم الفقهاء و القضاة. و رغم ذلك ظلت اليوسفية منتشرة بعدة مناطق من المغرب و الجزائر إذ يقول يحيى الشاوي الملياني (1620-1684) في وصف مختلف فرق الطائفة اليوسفية :«أما المدية فثلثا أعرابها على هذه العقيدة ألوهية الشيخ أحمد بن يوسف و أنه لم يلد و لم يولد» و قال «و أكثر هؤلاء بأطراف المغرب الأقصى بفاس و هم العكاكزة و غيرهم و بأطراف مليانة منهم كثير». و قد اشتهروا منذ بداياتهم باليوسفية، لكنهم عرفوا خلال المراحل المختلفة لحركتهم بعدة أسماء منها الأحمدية و الملاينة و البضاضوة و الشراقة و العكاكزة. و قد استمر وجود هذا المذهب إلى القرن 20 و اهتم الأنتروبولجي الفرنسي أوغيست موليرا (Auguste Mouliéras) بظاهرة اليوسفية عند قبيلة الزكارة الزناتية بناحية وجدة، و رغم ملاحظته لتبجيلهم لأحفاد الشيخ أحمد بن يوسف، إلا أنه قام بوضع عدة فرضيات لأصل مذهبم الديني مثل إمكانية كونها معتقدات قديمة تنتمي إلى ديانة وضعية سابقة للإسلام و معادية له، . كما قام فرناند بونوا (Fernand Benoit) بربطها بمعتقدات قديمة تسبق الوجود القرطاجي و الروماني بشمال إفريقيا.

المصدر: wikipedia.org