اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو العباس أحمد المنصور بالله بن محمد الشيخ المهدي (بالأمازيغية: ⵃⵎⴰⴷ ⴰⵎⵏⵚⵓⵕ) (ميلاد: 956هـ/1549م فاس، وفاة: 18 ربيع الأول 1012هـ/25 غشت 1603م نواحي فاس)، ""أمير المؤمنين"" و""خليفة المسلمين"" سابع سلاطين المغرب من الأشراف السعديين ووَاسِطَةُ عقدهم، وأحد سلاطين المغرب العظام، بويع في ساحة معركة وادي المخازن الظافرة يوم الاثنين متم جمادى الأولى سنة 986هـ/ 4 غشت 1578م بعد وفاة أخيه السلطان عبد الملك الأول، وتلقب بالمنصور بالله؛ تيمنًا بانتصار المسلمين فيها، ولُقِبَ بالذهبي (the Golden) لكثرة الذهب في عهده. تعرض المنصور في بداية توليته لمؤامرة كاد يفقد فيها سلطانه؛ دبرها العثمانيون باتفاق مع بعض كبار قادة الجيش المغربي من الأندلسيين بهدف تنحيته، وتولية ابن أخيه إسماعيل بن عبد الملك، مستغلين في ذالك شعبية المولى عبد الملك في نفوس العامة.
عد حكم أحمد المنصور بالله الذي دام حوالي ست وعشرين عام أزهى عهود المغرب والحكم السعدي رخاءا وعلما وعمرانا وجاها وقوة، اتسعت خلاله رقعة الدولة فأصبحت تمتد إلى ما وراء نهر النيجر جنوبا، وبلاد النوبة المتاخمة لصعيد مصر شرقا، كما سعى السلطان الشريف لاستعادة الأندلس وغزو الهند وفتح العالم الجديد وجهز لذالك العتاد والمؤن والجيوش.
عُرفَ المنصور بحبه للعلم ورعايته للعلماء فلقب بـ عالم الخلفاء وخليفةُ العلماء، وبكونه شاعرًا من أحسن الشعراء، حتى لقبه البعض بإنه أشعرُ ملوك المغرب قاطبة، وله في علم السياسة مؤلف بين فيه كيف تُنظم الأمة المُلك وكيف تحافظ على كيانها ومجدها. عرفه الغرب بالمتصوف صاحب المعرفة العميقة بعلوم الدين الإسلامي المحب للكتب، والخط، والرياضيات، العاشق للمناقشات العلمية وراعياً للعلوم والفنون. هذا ويعتبر السلطان الشريف حسب بعض المؤرخين من الشخصيات الهامة التي كان لها الشأن العظيم والتأثير الكبير على الساحة السياسية الأوروبية والأفريقية أواخر عصر النهضة.
أحمد المنصور بن محمد الشيخ بن القائم بأمر الله بن علي بن مخلوف بن زيدان بن أحمد بن محمد بن أبي القاسم بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عرفة بن الحسن بن أبي بكر بن علي بن حسن بن أحمد بن إسماعيل بن قاسم بن محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن حسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
كانت ولادة المنصور بِاللَّه بفاس سنة 956 هجرية الموافقة ل 1549 ميلادية وأمه مسعودة بنت الشيخ أحمد بن عبد الله الوزكيتي الورزازي، حضي في صغره بحظوة خاصة عند والده محمد الشيخ وجده القائم بأمر الله، ونشأ في العفاف والصيانة وتعاط للعلم وملازمة لأهله في مراكش ثم تارودانت فأخذ العلم عن كبار فقهاء ومشايخ عصره، كأبي العباس بن علي المنجور وشقروان بن هبة الله وأبي زكرياء يحيى السراج وموسى الروداني وغيرهم، فكان أن برع في الأدب والشعر والفقه والمنطق والرياضيات. واضعا كسب العلم والثقافة والأدب والفقه نهجا لحياته، تنقل المنصور إلى المشرق، بعد أن تولى أخوه عبد الله الغالب الحكم، فدرس الشيء الكثير واكتسب خبرة ورؤية في شؤون أوروبا ودول البحر المتوسط.
أورد وصفه المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى :
كان مخيال الخلافة لائحا على أحمد المنصور من لدن عقدت التمائم والصالحين. ومن ذالك ما جاء عن الفقيه أبو العباس أحمد بن عبد الله الدغوغي وتنبؤه بخلافة أحمد المنصور الحكم بعد رؤية صالحة رأى فيها نفسه فِي جمع يسرد فيه صحيح البخاري بموضع من قصر السلطان وهو يحمل كتاب ويقول في ذالك:
ونحو ذالك ما ذكر عن بكدار ابن الشيخ أبي زكرياء يحيى بن علال المالكي البوخصيبي أنه رأى النبي في منام فشكا إليه الفساد الذي عاتته قبيلة أولاد مطاع فقَال له النبي «يَأْتِيهم أَحْمد» فَكَانَ أن تولى أبو العباس المنصور فأخذهم وفل جمعهم. وأخرى وردت عن سفير الدولة أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عَليّ الْجُزُولِيّ الدرعي عند حجه لبيت الله بعد اجتماعه مع بعض أهل العلم من المكاشفة المصريين الذين سألوه عن أسماء أبناء سلطانه محمد الشيخ فبادر بعدهم ولم يذكر المنصور إذ كان قد ولد أثناء سفرته هاته فقالو: «أليس فيهم أحمد أي فهو خليفة الإسلام العظيم الشأن القوى السلطان المفتوح له وعلى يده». كما أحمد المنصور نفسه كان يقص رؤية رأى فيها النبِي وأنواره تشرق فسأله.
بويع أحمد المنصور سلطانا خلفا لأخيه عبد الملك الذي توفي عقب معركة وادي المخازن من قبل الجمع الذي شارك فيها يقول أحمد بن خالد الناصري.
وما ان استتب للمنصور الأمر حتى كتب لسائر الدول الإِسلامية المجاورين للمغرب يحدثهم بما أنعم عليه الله من نصر وسلطان، فوردت عليه التهاني من سائر الأقطار وهدايا من ملوك فرنسا وبرتغال واسبان ومن العالم الإسلامي سيف محلى من السلطان مراد بن سليم العثماني.
ثورة قادها ابن أخيه داود بن عبد المؤمن بن محمد الشيخ عقب البيعة، فبعت له المنصور القائد أبا عبد الله محمد بن إبراهِيم بن بجة، الذي فل أمره وفك جمعه. نزح بعدها داود إلى الصحراء واستقر بها إلى أن توفي سنة ثمان وثمانِين وتسعمائة هجرية.
هي ثورة قادها رجل اسمه الحاج قرقوش بجبال غمارة وبلاد الهبط انتهت باعدامه.
وكان ذالك بعدما عاثوا في البلاد فسادًا، وضايقوا الرعية، فكثرت الشكاية منهم ومن ذالك نهبهم لقبيلة أولاد مطاع، ففرض عليهم أحمد المنصور في أول الأمر ضريبة فلم يزدادوا إِلا عتوا وشدة فأرسل إليهم القائد موسى بن أبي حميد العمري، وانتزع منهم الخيل، ثم قاتلهم حتى استأصل جمهورهم وضعفت شوكتهم. وكان قبل ذالك السلطان محمد الشيخ قد خلع عرب الخلط من سلك الجندية ونقلهم من آزغار إلى مراكش وذالك لما أظهروا من مساعدة لأبو حسون الوطاسي لما قدم بجيش الترك، وظل أمرهم كذالك حتى تولى أحمد المنصور الحكم فعفى عنهم ونقلهم من مراكش إلى حيث كانو بآزغار وألحق نصفهم بالجندية بعدما رأى قتالهم في واقعة وادي المخازن.
بعد توليه الحكم بدأ بتنظیم الجيش، وأخذ في ترتیب الجیوش وضبطها جامعا في ذالك ما ميز جيش الترك وجيش مغربي، فكان الجيش في عهده خمسة جيوش، جيش سوس، جيش العلوج، جيش شراڭة، جيش الأندلس، جيش الاصباحية وعمل على تركیز على التفوق في الكفاءة والتجهیزات ولیس العدد فقط، ولتحقيق ذالك عمد إلى انشاء مصانع للأسلحة تركزت معظمها في جهة مراكش عملت على تزويده بالبنادق والمدافع (منها المكحلة ومدفع ميمونة ومدفع النفط)، وجرى في عهده تجارة مقايضة الأسلحة من انجلترا مقابل ملح البارود.
كما عمل على بناء أسطول بحري، فأسس لذالك دورا لصناعة السفن بالموانئ المغربیة وستقدم بعض ما يلزم في صناعتها من أشرعة وخشب من انجلترا واشترى بعضها جاهزا، وعين على رأس الأسطول الرايس إبراهيم الشط.
وفي وصف المؤسسة العسكرية بالمغرب يقول أحمد المنصور:
وهي أراضي تضم كلا من توات، جودة، تامنطيت، تابلبالت، وارڭلان، تسابيت، تيكورارين، وأخرى... وقد كان ذالك سنة 990 هجرية بعد إرسال المنصور محلة (لفظ مغربي مرادف لجيش) بقيادة القَائد أبا عبد الله محمد بن بركة والقائد أبا العباس أحمد ابن الحداد العمري. بتدأت مسيرة الجيش انطلاقا من مراكش، ووصلو بعد سبعين يوما حيث قامو في بادئ الأمر بالدعوة لطاعة والإنذار، وبعد امتناع شيوخ القبائل عن اذعان بدأت الحرب.
حاول الزيدانيون السيطرة مرارا على شنقيط وأبرز المحاولات كانت في عهد سلطان محمد الشيخ، لكن السيطرة عليها لم تتأتى الا في عهد أحمد المنصور الذهبي الذي جرد حملة بقيادة محمد بن سالم تمكن بعدها من السيطرة في ظرف وجيز على اقليم شنقيط (أراضي موريتانيا الحالية) وكان ذالك سنة 1584.
بعد مبايعة برنو له فرغ المنصور لسنغاي فكاتب طالبا البيعة وخراج من حاكمها إِسحَاق سكية، فامتنع واحتج بكونه أمير تلك الناحية وَأَن طاعة المنصور لا تجب عليه. تبع ذالك استشارة أعيان دوله وأهل الرأي والمشورة الذين أفتو بالبعث إِلى السودان.
بدأ التجهيز للحملة سنة 997 هجرية وستمر طيلة الثلاثة السنوات الموالية، كتب بعدها المنصور إِلى قاضي تنبكتو الفقيه أبي حَفْص عمر ابْن الشيخ محمود ابن عمراء قيت الصنهاجي يأمره بحض الناس على الطاعة ولزوم الجماعة، وبدأت مسيرة الحملة من تانسيفت بقيادة الباشا جؤذر مرورا بثنية الكلاوي ثم درعة، وصحراء الكبرى في رحلة استغرقت مئة يوم وصولا إلى مدينة تنبكتو ثغر السودان، حيث التقو بعد عدة أيام بجيش إِسحَاق سكية المكون من مائة وأربعة آلاف مقَاتل في معركة استمرت من طلوع الفجر إلى العصر كانت الغلبة فيها لجيش المنصور، أتبع المعركة عقد الباشا جؤذر الصلح مع إِسحَاق سكية ورجوعه لمدينة تنبكتو حيث ثم اتفاق على الخراج سنوي وضريبة يؤديها حالا.
لم يستسغ المنصور الصلح فعزل الباشا جؤذر وعين أخوه محمود باشا مكانه وأمره بمطاردة إِسحَاق سكية فكانت المواجهة الثانية قرب مدينة كاغو، ثم المواجهة الثالثة مع أخ إِسحَاق تمهدت بعدها البلاد لمحمود باشا واستولى عليها كليا وكتب بخبر الفتح إلى المنصور.
ورد على المنصور سنة 990 هجرية رسالة يحملها رسول حاكم مملكة برنو يطلب فيها المدد بالعسكر والجند والبنادق والمدافع للمحاربة والجهاد بالسودان، فأجابهم بأن الجهاد لا يتم لهم الا بعد حصولهم على اذن من إمام الجماعة الصفة التي خص بها الله أمير المؤمنين وطالبهم بالبيعة، فقبلو بيعة أحمد المنصور وطلب رسول أبي العلاء نسخة مكتوبة من عقد البيعة لتكون حجة لهم وعليهم، فحررها كاتب الدولة أبو فارس عبد العزيز الفشتالي، ونصها مايلي:
اتسعت رقعة الدولة المغربية في عهده لتضم أجزاءا شاسعة من الصحراء الكبرى و بلاد السودان فأصبحت حدود الدولة تمتد من بلاد فزان والدولة العثمانية في الشرق إلى نهر النيجر في الجنوب والمحيط الأطلسي في الغرب و البحر الأبيض المتوسط في الشمال، يقول أحمد بن خالد الناصري في ذالك :
ومن ذالك ما جاء عن الرحالة المغربي، محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد القيسي الشهير بابن مليح بالسراج في كتابه "أنس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى منتهى الآمال والمآرب سيد الأعاجم والأعارب" عن رحلته إلى الحج عبر الصحراء الكبرى في عهد الوليد بن زيدان ثلاتين سنة بعد وفاة المنصور فذكر أن أول أراضي تقع خارج حدود المغرب في الشرق هي بلاد فزان.
ولتسهيل حكم البلاد عمد حكام هذا البيت الي تقسيمه إلى عدة أقاليم يرأسها ممثل السلطة المخزنية الشريفة يسمى عامل، وينقسم كل اقليم إلى مجموعة من القيادات يرأسها قائد أو باشا تنقسم بدورها لمجموعة من مداشر يرأسها شيوخ قبائل.
وهذه أهم أقاليم التي أنشئت زمن في عهد أحمد المنصور.
مقالات متعلقة : حساب القلم الفاسي
انبرى المنصور إلى احياء المنظومات الادارية المخزنية المتهالكة فكان أن أحيا نظام ترميز وتشفير المراسلات وخصص له قسمان الأول للترميز والثاني لفكه وجعلهما جزءا من ديوان الانشاء الذي يضم إلى جانب القسمين السابقين مصلحة المراسلات، مصلحة الختم، مصلحة اللغات والترجمة، وكان يعمل بهذه الأخيرة العشرات من الناقلين والمترجمين من أصول مختلفة أندلسيين، علوج أوروبيين، أتراك، يهود، وحتى الأوروبيين المسيحيين. كما اتخد على غرار الموحدين والمرينيين والوطاسيين مجلس شورى أطلق عليه اسم المجلس السلطاني ثم تسمية الديوان، وكان يرأس كل جلساته التي تنعقد أيام السبت والاثنين والأربعاء من كل أسبوع. في المجال القضائي خصص المنصور أيام الاثنين والجمعة لاستقبال شكاوى رعاياه وخاصة تلك المرفوعة ضد رجال السلطة، مع تكليف كبار الأعيان بتتبع المظالم يوميا وبالبحث في الملفات التي لم يجد الوقت الكافي للنظر فيها. وجرى تعيين قاضي جماعة[1] على رأس المدن المهمة وجرى تعيين القضاة كما كان الأمر عهد من سبقه من سلاطين بموجب ظهائر. لعب أصحاب مهنة العدول[2] الذين كانو يتمركزون في الغالب قرب دار القاضي دورا حيويا في عمل القضاء المغربي منذ بداية العصر الوسيط من خلال إشهاد وتوثيق العقود كعقود الزواج والطلاق والميراث والهبات والمعاملات التجارية والدعاوى، وكانو يتلقون أجورهم من طالبي الخدمة.
شهدت الدولة في عهد المنصور الذهبي نشاطا وتطورا اقتصاديا واسعا شمل كل النواحي الزراعي والصناعي والتجاري.
أسدل المنصور الأمور لأخصائيين الذين على علم بتضاریس وتربة البلاد، واعتنى بزراعة السكر وخصص أراضي شاسعة لزراعته بحيث لم تعد قاصرة على منطقة سوس وإنما أصبحت تنتشر في كل من بلاد حاحا وشيشاوة القريبة من مراكش، كما سهر على توزیع الأراضي الزراعیة على القبائل، واهتم بالري وسقي الأراضي الزراعیة عن طریق استغلال الأودیة، فنشطت زراعة الحبوب والأشجار المثمرة، ورعي الماشية وتربية الخيول، وعم الغرس والخير في الأوطان حتى اكتفت الأسواق الداخلية وأصبح المغرب يصدر.
اهتم السلطان بصناعة السكر وأنشئ لها مصانع ضخمة في كل من تيدسي وتارودانت وشيشاوة ونمت هذه الصناعة الضخمة في عهده فكانت تزود الأسواق الداخلية بما تحتاج إليه من السكر وأصبح يصدر الفائض، كما اهتم بالصناعة التعدينية فضاعف إنتاج معادن الفضة والنحاس في الأطلس الكبير والصغير، والحديد في نواحي تافيلالت ودبدو ومليلية، والقصدير بضواحي سلا، وفاض في عهده الذهب حتى صارت المعاملات وأداء الرواتب به. كما أنشئ مصانع للأسلحة تركز جلها في جهة مراكش عملت على انتاج البنادق ومدافع الزمن الحديثة، وأخرى لصناعة السفن في الموانئ المغربیة، وازدهرت في عهده حرف صناعة الملابس، المنسوجات، السجاد، الصوف، الخشب، الزجاج، الورق، حلي النحاس والجلود وغیرها، فاشتهرت بلاد دكالة بمصنوعاتها الصوفية الجيدة، من ملبوسات كالجلاليب والسلاهم والحياك والمفروشات كالحنابل والزرابي، وتكاثر عدد الصناع في المدن وانتظموا في حرف يرأسها أمناء يسهرون على جودة الإنتاج ويفصلون في الخلافات التي تقوم بينهم، حتى الأطباء والصيادلة كان لهم أمناء يسهرون على عملية مراقبة الجودة وعلى عملية منح الرخص لصنع الأدوية بعد الثتبت من الخبرة المهنية فأصبحت الصناعة في عهده تدر أرباحا عظیمة.
نمت التجارة الداخلية بين المدن والقرى بفضل الأمن وتنظیم طرق المواصلات وضبطها وأنشئت في عهده طرق أخرى جديدة تربط بينها وبين أسواق بلاد السودان التي كان أكثر ما يلقى رواج فيها السكر والأواني المعدنية ومعادن النحاس والقصدير والحديد. وفي التجارة الخارجية جرا تصدير السكر وملح البارود والذهب والجلود والشمع والحبوب والفواكه اليابسة والصوف والتمر واللوز والعسل والصمغ والنيلة وریش النعام وقضبان الحديد والنحاس والقصدير لأوروبا واستيراد الأسلحة وبعض ما يلزم في صناعتها وكانت تعتبر انجلترا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب في ذالك.
ضرب المنصور دينارا ذهبيا باسمه، واستبدل ما سبقه بالذهب فصارت المعاملات والأجور والمعاشات والهبات والهدايا تأتى ذهبا. شكل مدخول تجارة السكر 33% من مدخول خزينة الدولة، بينما شكلت الضرائب 50% من مجموع المداخيل، وتعددت الضرائب في زمنه منها الشرعية المعتادة كالزكاة والأعشار والجزية والخراج وأخرى قديمة مستحدثة وهي ضريبة النايبة التي تطورت في زمنه من ضريبة عينية إلى ضريبة نقدية.
استثمر سلطان أحمد المنصور ثغرات النظام العالمي لتحييد القوى الكبرى، فلمواجهة الطموحات الدولة العثمانية مارس السلطان سياسة مصالحة تجاه اسبانيا، ولمواجهة هاذه الأخيرة عقد علاقات ثابتة ودائمة مع انجلترا وفرنسا وهولندا أعداء هابسبورغ التقليديين، ولخلط أوراق القوى الأوروبية حاول انتهاج سياسة تهدئه تجاه العثمانيين وذالك بستأناف علاقات شبه طبيعية معهم.
شهد المنصور وهو أمير اغتيال أبيه محمد الشيخ المهدي من قبل العثمانيين، ومحاولاتهم المتكررة التدخل في الشؤون المغربية، ودهاء أبيه ومستشاريه واستغلالهم السياقات الدولية المواتية للحفاظ على الاستقلالية، كما شهد مساعدتهم لأخيه عبد الملك في حصول على عرش البلاد فكان على دراية بسياسة العثمانية تجاه المغرب. كانت الاتصالات أولى بين العثمانيين والمنصور عقب معركة واد المخازن غير جيدة. ففي الرسالة الأولى التي بعت بها مراد الثالث وصف فيها المنصور بالحاكم ال"عديم القيمة"، تبع ذالك ارساله وفد إلى مراكش في شتنبر 1579 لمطالبة بالتنازل عن بعض الموانئ المغربية وخصوصًا ميناء العرائش مرفوقا بهدايا لا تليق إلا بـال"خادم". كما سعى لاسقاط حكم المنصور في بداياته وتولية مكانه ابن أخيه إسماعيل بن عبد الملك من زوجته التركية التي تزوجت باشا الجزائر وذالك بتحضير انقلاب سنة 1578، ودعم تمرد الأمير مولاي داود في السنة الموالية.
نهجت الدولة العثمانية بعد ذالك سياسة تقارب مع أحمد المنصور ففي رسالة مؤرخة في شهر يوليو من سنة 1580، دعى مراد الثالث أحمد المنصور لإقامة تحالف هدفه إسترجاع الأندلس، واقترح عليه لذالك ثلاثمائة سفينة والآلاف من مقاتلي النخبة، كما اقترح عليه أن يزوِجه إحدى بناته. لا توجد أية معلومة عن رد أحمد المنصور على هذه المقترحات. بلغت التوترات ذروتها سنة 1581، حين أمر السلطان العثماني مراد الثالث الباشا علج علي باشا بقيادةِ أسطول من ستين سفينة وثمانية آلاف رجل لفرض الهدوء بالجزائر واضرار بمصالح المنصور. وصل علج علي باشا إلى مدينة الجزائر شهر يونيو من نفس السنة، فيما تحصن السلطان أحمد المنصور بفاس وأحاط نفسه بالجيش وأعد العدة وحصن الثغور والموانئ وسلم قيادة ميناء العرائش لأقرب معاونيه إبراهيم السفياني. ساهمت الديبولوماسية المغربية في انهاء النزاع من خلال النجاح في الوصول إلى الاتفاق على هدنة بين القوتين الإسلاميتين رغم الضغوط التي مارسها علج علي باشا على الوفود المغربية التي كانت في طريقها لاسطنبول. وساهمت في نجاح الهدنة واستمرارها عوامل منها وباء فتاك وحالة عدم الاستقرار السياسي شهدتها ايالة الجزائر، وثورة عارمة في الجزيرة العربية بلاد الحرمين الشريفين أوكل مهمة اخمادها علج علي باشا الذي غادر ومن أتو معه القطر المغاربي، لكن الدور الكبير في اعادة العلاقات الطيبة بين البلدين لعبه جيكالة باشا. أتبع ذالك أمر السلطان مراد الثالث ممثليه في طرابلس والجزائر أن يخصو سفراء المنصور باحترام وتقدير، وابتداءا من 1583 أصبح يشار لأحمد المنصور في المراسلات الإدارة العثمانية بالإمام والسلطان والخليفة. عادت التجادبات مرة أخرى بين القطرين في نفس السنة بعد غزو أحمد المنصور قصور الصحراء جنوب إيالة الجزائر وسيطرته على تجارة القوافل، لم يكن في استطاعة مراد الثالث الرد على تحركات المنصور، فالدولة العثمانية غارقة في الحروب والمواجهات في كل من بلاد فارس والبلقان والحجاز والمحيط الهندي، فأسند المهمة لممثله والي الجزائر، سير هاذا الأخير حملة عسكرية ضد تواجد المغربي جنوب الإيالة فتوجه نحو فيكيك لقطع الصلات بين مناطق محل النزاع وبين المغرب لكن باءة بالفشل، أتبع ذالك اقامة المنصور لتحصنيات جديدة بقصور الواحات الرئيسية وتخصيصها بحامية دائمة، وضمان ولاء أعيانها الدينية والقبلية عبر اعفاء من الضرائب والتكرم عليهم، كما ربط علاقات بالسلطات العثمانية في الجزائر واسطنبول فتمكن من رشوة عدد كبير من الوجهاء الذين أصبحو سفراء القضية المغربية. انتهت الخلافات بعد أن حول السلطان مراد الثالث ايالة الجزائر بعد موت علج علي باشا من بايلرباي إلى باشوية يرأسها باشا يعين لمدة ثلاثة سنوات وهي مدة وجيزة منعت الولاة من بلورة سياسة نوعية مؤِثرة على المدى البعيد، وهكذا ما عاد السلطان الشريف يخاف الباب العالي الذي غادر شيئا فشيئا المسرح السياسي بالحوض الغربي للمتوسط. استعادت العلاقات مسارها الطبيعي آخر الخمس السنوات من حكم مراد الثالث، وتحسنت بشكل كبير وملحوظ عهد سلطان محمد الثالث يظهر ذالك من خلال تبادل عدد كبير من السفراء ومن العلاقات الرسمية الأخوية التي جمعت القوتين، يرجع البعض هذا التحسن لظروف السياسية التي كانت تمر بها الدولة العثمانية من حرب الثلاثة عشر عامًا، الحرب العثمانية الصفوية، تمردات الانكشارية والسباهية، ثورة ولايات الأفلاق، الأردل والبُغدان، وهي ظروف ساعدت المنصور، ففي الرسالة الأولى التي بعث بها إلى السلطات العثمانية على إثر صعود محمد الثالث إلى الحكم أسبغ على نفسه كل الألقاب الخليفية ذات العلاقة بالسيادة في حين لم يستعمل سوى لقب السلطان للحديث عن العاهل العثماني بل إن الدولة العثمانية أصبحت عنده مجرد إيالة أي مملكة أو مقاطعة لا تستطيع ادعاء أي وضعية متميزة.
في اواخر عهد المنصور هاجم الوالي العثماني على تلمسان واحة فكيك وحاول فرض الضرائب على المناطق المحيطة بها فكتب السلطان بذلك إلى باشا الجزائر لتذكيره أن الواحة تابعة للسلطنة الشريفة طبقا للاتفاقيات مع السلاطين مراد الثالث ومحمد الثالث وينبهه أن أي تحركات في المستقبل يمكن أن تؤدي إلى نتائج وخيمة.
أرسل السلطان الشريف زُمْرَة من رجال دعايته للمشرق متخفين في زي حجاج، علماء، تجار، نذكر منهم أحمد الوجاني، أحمد الماسي، سعيد الماغوسي، أحمد بن عبد الجليل، علي التمڭروتي، أحمد بن القاضي، تلخصت مهمتم في ترويج لأمير المؤمنين من خلال نشر أخلاقه وفضائله واشاعة نسبه العربي الشريف وأحقيته بحمل لقب الخليفة وإقصاء السلطان العثماني الظالم والجاهل بحسب ما روج له، إلى جانب ذالك سعى المنصور من خلال هذه البعثاث لربط علاقات متينة مع الأقطاب الدينية والمعارضين السياسيين وزعماء القبائل. كما تبادل السلطان الشريف مئات الرسائل مع أبرز علماء المشرق تناولت موضوعات مختلفة، وأغدق عليهم بالعطايا وأقام لهم احتفالات استقبال فخمة في المغرب. لقيت سياسة أحمد المنصور النجاح من خلال اعترف أغلب العلماء بما فيهم موظفي الدولة العثمانية بأن السلطان الشريف الحاكم الشرعي بل خليفة الغرب الإسلامي، كما حصل على دعم عدد كبير من مشايخ مصر والحجاز ومن الزعماء زعيم منطقة حدودية بين مصر وليبيا وعد أن يضع تحت تصرف السلطان الشريف أكثر من سبعة آلاف من فرسان البدو إذا ما عزم على غزو تلك المنطقة من الدولة العثمانية كما أن يونس بن عمر صاحب إمارة بني عمر بصعيد مصر ساند السلطان الشريف ونشر فضائله بين السكان المحليين.
تمتنت العلاقات المغربية الانجليزية في عهد المنصور ففي المجال الاقتصادي شكلت انجلترا له موردا للأسلحة وسوقا مفتوحا لبيع منتجاته، توجت هاذه العلاقة بعد ثلاثة سنوات من المفاوضات (1581-1584) بانشاء الشركة المغربية بهدف تنظيم التجارة بين البلدين. وفي المجال السياسي دعم سلطان انجلترا في صراِعها ضد اسبانيا وساند المتطلع للعرش البرتغالي الدون أنطونيو، إلا أن سلطان ما لبث أن أخلف وعده لهم بالتزام الحياد سنة 1589 في معركة الأرمادا الإنجليزية تاركا الإنجليز يعانون من خسائر فادحة متحججا أن سفير الملكة لم يوضح بالشكل المطلوب تاريخ الحملة، تجمدت على اثر ذالك العلاقات السياسية بين البلدين لسبع السنوات القادمة انشغل فيها المنصور بفتح سونغاي، فيما تواصلت العلاقات التجارية والاقتصادية.
استأنف التواصل في دجنبر سنة 1596 اثر طلب المنصور من انجليز افراج عن أحد خدامه الذي قبض عليه أثناء حملة النهب الانجليزية الهولندية في ميناء قادس، أتبعها بعد أسابيع قليلة عرضه على ملكة الإنجليز تشكيل حلف ضد فيليب الثاني هدفه غزو شبه الجزيرة الإيبيرية وطلب من الملكة الاستحواذ على جزر الأزور لقطع طريق العالم الجديد على الإسبان، لقي طلبه قبولا كبيرا في لندن لكن الكوارث الطبيعية التي حلت بالمغرب سنة 1597 و1598 من طاعون وجفاف حالة دون تنفيذ الاتفاق. أعاد المنصور طرح مقترحاته السابقة سنة 1599 مستغلا ظروف عدم الاستقرار التي تمر بها الجزيرة الايبيرية بعد موت فيليب الثاني فأرسال بشكل سري سفارة رسمية إلى لندن سنة 1600 بقيادة عبد الواحد عنون، الذي طرح مقترحات سلطانه المتمثلة في الاستعداد لتمويل الحملة وتجهيزها واقتراح عملية مشتركة تهدف لغزو أراضي الهند وأمريكا وايبيريا، وأن الجزء من جيشه الذي غزا به سودان والمقدر بالستة والثمانين ألف "خيمة" قادر وجاهز لذالك، وأن شعوب الهند المسلمة في غالبيتها ستسعد بالانضمام إلى الجيوشه الغازية. لقي اقتراحه القبول من إليزابيث الأولى وأشارت أن مناطق الهند و أمريكا الغنية جدا بالموارد وأن غزوها أفضل من غزو ايبيريا، مردفتا أن غزوة كهاذه يتطلب تجهيزها مبلغ ضخم قدرته في مائة ألف جنيه واقترحت على المنصور تمويلها كاملة واسترجاعها على شكل غنائم. قبل المنصور بذالك، وأرجى الاتفاق على تفاصيل التنظيمية وطريقة اقتسام غنائم، واشترط أن كل الأراضي المفتوحة في ايبيريا تعود إليه حصرا لأن العلماء سيرفضون في حالة مختلفة حث الناس للخروج إلى الحرب. أتبع الاتفاق صمت سياسي فكل من أحمد المنصور والملكة إليزابيث الأولى واجها أزمات ومشاكل داخلية. فالمغرب عرف كوارث طبيعية تمثلت في الجفاف والطاعون للمرة الثانية سنوات 1601 و1602 و1603 وأخرى سياسية تمثلت في تمرد ولي العهد مولاي المأمون ابتداءا من 1602، أما انجلترا فقد عرفت ثورة عارمة في ايرلندا استمرت لحدود سنة 1603، تبعها وفاة إليزابيث الأولى شهر مارس من نفس السنة ثم أحمد المنصور في غشت من نفس سنة أيضا.
حاول الملك فيليب الثاني ابتداءا من أواخر سنة 1581 إقناع المنصور بتنازل له على ميناء العرائش ولقي منه وعدا بذالك، فسلطان كان يسعى لربح الوقت ليعيد بناء تحصينات المدينة ويحدث أخرى جديدة وكان له ذالك بعد ستة أشهر. غير أن الأخذ بخاطر فيليب الثاني استمر ثلاثة سنوات أخرى إلى سنة 1585، حين اكتشف هاذا الأخير مؤامرة المنصور الذي يحاول عقد حلف مع انجليز وهولنديين أعداء الكاثوليكية وهابسبورغ والملك فيليب التقليديين، فهدد هذا الأخير بأخذ العرائش عنوة ودعم الأمير مولاي الناصر. فأجابه المنصور بالنقض البائن للوعد الذي كان بينهم حول العرائش فهو لن يخاطر باستقرار ملكه بتسليمه الميناء للنصارى، وأنه إذا اضطر لتخلي عن الميناء فانه سيسلمه للعثمانيين المسلمين، مؤكدا في نفس الوقت أن العرائش أصبحت من تحصين بما كان لا يقدر عليها أحد وأن اسبانيا لم يعد لها ما تخشاه من الخطر العثماني، مشيرا لطلب ملكة انجلترا منه دخول حرب معهم ضده أو على أقل جعل الموانئ المغربية قواعد تنطلق منها هجمات الإنجليزية، وأنه حفاظا على علاقة الصداقة لم يشأ إجابة إليزابيت بعد. ليعود فيليب الثاني سنة 1586 ليخطب ود أحمد المنصور ولعرض تبادل العرائش بمزاكان ليعرض عليه المنصور بدوره اقتراح خطة للهجوم على إيالة الجزائر.
في خضم ذالك نجح سلطان في عقد اتفاق مغربي انجليزي برتغالي، دعم بموجبه جهود انجلترا في صراعها ضد اسبانيا، من خلال مساندت البرتغالي الدون أنطونيو في مطالباته بعرش البرتغال من خلال قرض مشروط بتوجيه هاذا الأخير لابنه الدون كريستوف رهينة إلى حين تسديده. استعمل المنصور الدون كريستوف ابن دون أنطونيو كورقة ضغط مقابلة لورقة الأمير مولاي الناصر التي يملكها فيليب الثاني. هدد هاذا الأخير السلطان بأنه يجمع أكبر أسطول بحري لكن المنصور علم بفضل شبكة جواسيسه المكونة من اليهود والأندلسيين أن الأسطول يتجه إلى انجلترا وأنه لا يشكل خطرا عليه، أتبع ذالك تعرض الأسطول الاسباني الأخير للهزيمة على يد الانجليز سنة 1588 وارسال إليزابيث رسالة للمنصور تخبره بذالك. دشن ذالك حقبة جديدة من العلاقات المغربية الإسبانية، فالحرب على الجبهة المغربية في نظر فيليب الثاني قد تتسبب في ثورة الأندلسين ودخول العثمانيين الحرب، ما جعله يذعن لعقد اتفاق. فجرى الاتفاق على أن تعيد اسبانيا أحد الثغور المحتلة للمنصور (تم اتفاق على سبته ثم استقر الأمر على أصيلة) والتخلي نهائيا عن حلم تملك العرائش وإبعاد مولاي الناصر عن المدن البحرية ووضعه تحت الإقامة الجبرية. أعقب ذالك الاتفاق التزام المنصور الحياد سنة 1589 في معركة الأرمادا الإنجليزية الشيء الذي ساهم في هزيمة الانجليز وقطيعة سياسية بينهم والمنصور على حساب تعزيز العلاقة مع فيليب الثاني. استطاع بعد ذالك أحمد المنصور التخلص من الضغط الايبيري وتفرغ لمشاريعه التوسعية الأفريقية.
نشطت حركة العمران في عهد أحمد المنصور في شتى أنحاء المغرب وظف خلالها عائدات التجارة والتبر المجلوب من السودان في تشييد وتوسيع وتجديد المنشآت العمرانية الدينية والعلمية والعسكرية في مختلف أنحاء البلاد واهتم بالجانب الجمالي فيها حتى لقب بباني النهضة السعدية، أقيم في عهده مسجد باب دكالة وجرى توسيع ضريح السعديين وكان أعظم ما شيد قصر البديع الذي لم يبن قبله مثله في هذه البلاد والذي عد من عجائب الدنيا ذالك الزمن.
إلى جانب ذالك أنشئ أحمد المنصور عدة قصبات وحصون وجدد الكثير منها. فأنشئ حصن النصر وحصن الفتح في العرائش، وجدد ورمم قصبة الوداية وزاد فيها حصنين بارزين وعزز قصبة تازة ببناء حصن بارز يأوي المدافع و شيد تسعة حصون بفاس منها برج النار وبرج الجنوب وأعادة ترميم قصبة العاصمة مراكش وشيد على بعد 15كلم جنوبها قصبة أسماها قصبة القاهرة ثم بنى أخرى سميت بقصبة تاجداشت.
لم يزدهر التعليم والعلم في عهد أحمد المنصور من عدم ولم يبدأ من فراغ، وانما كان نهوضا بعد ركود وصحوة بعد غشاوة فالمنشآت التعليمية المرينية والموحدية والمرابطية لازالت قائمة العين وأثر، بالإضافة لأخرى أنشئها السلاطين الأشراف ممن سبقه اهتم بها المولى أحمد المنصور حتى ازدهر العلم في زمنه ازدهارا عظيما وبلغ في زمنه ذروة سنام العهد الزيداني، تجلى ذالك في تزايد معاهد العلم والدراسة، وفي كثرة العلماء وطلبة العلم، وتعدد مجالات اختصاصهم، وظل الطابع العلمي من أهم مميزات عهده، إذ كان يرعى العلماء والمتعلمين، ويعقد المجالس العلمية العامة والخاصة في أوقات معلومة لا تتخلف، يحضرها علماء دولته من الشمال والجنوب، فيغدق عليهم من الصلات والعطايا ما حفلت به كتب التاريخ والتراجم.
تبدأ مرحلة تعليمية لطفل مع بلوغه سن التمييز بين الخامسة والسادسة حيث يتلقى المتعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرأن على يد الفقهاء بالمسيد وهي كتاتيب كانت منتشرة في جميع أنحاء بلاد المغرب الأقصى بحيث لا تَخلو منها أي قرية وإن صغرت، ثم مرحلة المدرسة وهي تتواجد في كل قبيلة واحدة أو أكثر فإن كانت القبيلة كثيرة الأفخاذ، فإن كل فخذ يبني مدرسته على حدة، وهذه المدارس كانت تسمى مدارس علمية تمييزا لها عن الكتاتيب القرآنية، ثم مرحلة التعليم المشترك في الجامع الجامعة حيث يتلقى طالب ما يرضى وشاء من العلوم النقلية علم التفسير، علم الحديث، الفقه، التصوف، التاريخ (تحت عدة مسميات وتصنيفات علم المغازي، علم الشمائل، علم التراجم، علم أخبار الزمن)، علم الأدب، علم القراءات ويضم كل من علم التجويد، علم الرسم القرآني، علم الضبط، كما جرا تدريس العلوم العقلية الفلسفة والرياضيات والمنطق والفلك والطب بعضها في كيانات منفصل عن الجوامع. تنتهي هذه المرحلة بحصول الطالب على شهادة اجازة وهي صنفين عامة وخاصة ولكل صنف فروع تخول مثلا لطالب العلوم النقلية أن يصبح فقيها سواء في المسيد أو الجامع مع حضوة كبيرة لتولي القضاء والافتاء ومراكز أخرى في سلك وظائف المخزن.
تعددت المراكز العلمية زمن أحمد المنصور وزادت أفاق التدريس والتحصيل فيها أهمها نجد فاس وهي تضم كل من مدرسة الصفارين، مدرسة دار المخزن (مدرسة فاس الجديد)، مدرسة الصهريج، مدرسة السباعين، مدرسة العطارين، مدرسة المصباحية، مدرسة البوعنانية، وجامعة القرويين، وجامعة الأندلس. تليها مراكش ممثلة بكل من مدرسة ابن يوسف، مدرسة جامع الشرفاء، مدرسة جامع الأشراف، مدرسة القصبة، مدرسة جامع أبو العباس السبتي، كما عرفت كبريات مساجدها نشاطا علميا واسعا وغدت زمن المنصور سوقا للمعارف النافذة ومنبعا للعلم في الديار المغربية. ثم تارودانت التي ضمت إلى جانب المدارس والمساجد الصغرى ثلاثة جوامع كبرى للتدريس جامع القصبة، الجامع الكبير، وجامع سيدي وسيدي. وجرى التدريس وفق نظام الكراسي العلمية.
كما مارست الزوايا مهام تعليمية وتحولت زمن أحمد المنصور إلى مراكز علمية نشطة وكان لها الفضل في نشر العلم وازدهاره أشهرها الزاوية الجزولية، الزاوية الدلائية، زاوية تيدسي، الزاوية التمصلوحتية، زاوية سيدي علي، الزاوية الناصرية.
وظهر في زمن أحمد المنصور إتيان هوبير دي أورليان الذي يعتبره البعض أول مستشرق، تعلم اللغة العربية في مراكش واشتغل طبيبا لدى المنصور ثم أستاذ اللغة العربية في كوليج دو فرانس.
كان السلطان أحمد المنصور إلى جانب مشاركته الواسعة في العلوم اللغوية والشرعية، أديبا شاعرا ناثرا، ورياضيا موهوبا مواظبا على دراسة أمهات كتب الحساب والجبر والهندسة لأقليدس وابن البناء المراكشي وأضرابهما، وخطاطا ماهرا متقنا للخط المغربي والمشرقي، كما كانت حاشيته تكاد تكون كلها من العلماء والأدباء حتى قادة الجيش وولاة الأقاليم. ومما ألف السلطان أحمد المنصور: