English  

كتب احمد بن بلة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أحمد بن بلة (مؤلف)


أحمد بن بلّة (25 ديسمبر 1916 -11 أبريل 2012)، أول رؤساء الجزائر بعد الاستقلال، من 15 أكتوبر 1963 إلى 19 يونيو 1965. ناضل من أجل استقلال البلاد عن الاحتلال الفرنسي، وشارك في تأسيس جبهة التحرير الوطني في عام 1954 واندلاع الثورة التحريرية. فاعتبر «رمزاً وقائدا لثورة أول نوفمبر وزعيمها الروحي». وبعد الاستقلال أصبح أول رئيس للجزائر المستقلة حتى انقلب عليه وزير الدفاع هواري بومدين.

نشأ بن بلة وترعرع في وسط فقير حال كل الجزائريين في أوائل القرن العشرين. انتبه مبكراً إلى الفوارق بين حال الجزائريين أصحاب الأرض والمستعمرين الغُرب الذين استولوا على الأرض ونهبوا خيراتها واسترقوا العباد. شارك في الحرب العالمية الثانية وأبدى من الشجاعة ما شهد له بها حتى خصومه، ولكن بعد عودته وجد نفسه العائل الوحيد لأهله بعد وفاته أبيه وإخوته. لم يمنعه ذلك من السعي في تحسين أمور كل الجزائريين فانضم مبكراً للحركات النضالية السياسية ثم الجهادية بعد أن تأكد أن الاستقلال ينتزع بالقوة. ساهم في استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي ثم في تحرير بلده من الجهل والفقر والتبعية. رغم سنوات حكمه القليلة وفترة سجنه الطويلة في زنزانات المحتل ثم الرفيق، إلا أن عزمه لم يكل. فعرف بدفاعه عن القضايا العادلة في العالم كله وتصديه لأنواع الاستعمارات الظاهرة والمخفية.

كان بن بلة رجلاً ثوريا، مناضلا وسياسياً ومدافعا عن حقوق الإنسان. يصنف كعروبي وداعم للقضايا العربية وضمن دعاة وحدة المغرب العربي. يصفه أحد المؤرخين بأنه شخصية كبيرة ومبتسمة وبشوشة وغير ملتزمة كثيراً بالبروتوكولات. الجالس معه يحس بالراحة لبساطته وإشعاره لغيره بأنه يوافقهم الرأي أو متفهم لمواقفهم وكأنه في مكانهم. لكن عند التعارض معه من دون طريقة سلمية لفض المشكلة، فإنه قد يتحول لشخص شرس وفض.

ومثلما جلبت له أدواره إعجاب البعض من الناس، فقد نال أيضاً من سخط الآخرين. فالبعض عارض اتجاهه العروبي والإسلامي والاشتراكي والبعض حمله كل وزر فترة حكمه رغم أنه لم يكن صاحب القرار الوحيد.

النشأة
ولد في مدينة مغنية جنوب مدينة وهران بالغرب الجزائري سنة 1916 (أو 1918 ولكن بلة رشح التاريخ الأول) لعائلة مغربية بسيطة قدمت من أولاد ناصر بأقليم الرحامنة ضواحي مراكش في المغرب واستقرت بمغنية. بدأ تعليمه في الزاوية القرآنية التي كان والده مقدما فيها، إلى جانب دراسته في المدرسة الابتدائية الفرنسية لكنه اكتفى لاحقا بالمدرسة فقط. نال شهادة الابتدائية ثم واصل تعليمه الإعدادي بمدينة تلمسان. رسخ في ذهنه موقف أستاذه المعادي للإسلام وعجزه عن رد عليه ما جعله يلتفت للرياضة ويترك الدراسة وخاصة بعد فشله في الحصول على شهادة الأهلية.

توفي والده سنة 1939. وبعودته من الجيش، كان هو المعيل الوحيد لعائلته بعد وفاته إخوته بالمرض أو في الحرب.

كغيره من الجزائريين، التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية في الجيش الفرنسي بين عامي 1937 و1940، وكانت المدة يمكن أن تكون أقصر لولا اندلاع الحرب العالمية الثانية. أصبح رقيبا في كتيبة مشاة الألب رقم 141 المتمركزة في مرسيليا. نال وسام صليب الحرب لتمكنه من إسقاط طائرة من طراز stuka في ميناء المدينة. وفي سنة 1940 سرح من الجيش وعاد إلى الجزائر بعد خضوع فرنسا للاحتلال الألماني.

استدعي مرة ثانية سنة 1942 لمشاركة الفرنسيين والحلفاء في حربهم ضد إيطاليا وألمانيا. هذه المرة أرسل ضمن مجموعة من المغاربة (وكان الجزائري الوحيد بينهم) إلى الصفوف الأولى من جبهة القتال في إيطاليا فيما يشبه فرقة الموت. ومن البداية، أخبره قائده الفرنسي بأن لبن بلة ملفا كبيرا وأنه لا يرغب في المشاكل.

وضمن الكتيبة الخامسة للقناصين، حمل بن بلة رتبة رقيب أول ثم مساعد. تميز بالشجاعة، وفي معركة مونتي كاسينو أبلى بلاء حسنا في القتال، حيث تمكن من نجدة قائده (بالفرنسية: Offel de Villaucourt )‏ مرتين. ونظرا لما ظهر منه، قلده الجنرال ديغول شخصيا «الميدالية العسكرية» بعد تحرير روما سنة 1944. وهو أعلى وسام في فرنسا وكان العربي الوحيد الذي حصل عليه. ويكون بذلك قد نال أربعة أوسمة في مشاركاته العسكرية، أهمها وسام صليب الحرب (بالفرنسية: Croix de Guerre )‏ والميدالية العسكرية. وقد اعتبر بن بلة تسريحه من الجيش الفرنسي في سنة 1944 بمثابة مكافئة له.

بعد المشاكل التي واجهها مع أستاذه، توجه بن بلة إلى ممارسة الرياضة، فكان بطلا في فئة 400 متر عدو. كما عرف بشغفه بكرة القدم، حيث أثناء تواجده بمدينة مرسيليا، لعب لنادي أولمبيك مارسيليا الفرنسي في منصب لاعب وسط لموسم 1939-1940 وظهر في مباراة ضد FC Antibes لحساب كأس فرنسا جرت في 29 أبريل 1940 بمدينة كان وتمكن من تسجيل هدف في المباراة. عرض عليه مسؤولون الاحتراف في النادي، إلا أنه رفض العرض المغري وفضل العودة إلى الوطن على البقاء في فرنسا. لعب بن بلة أيضا لنادي الاتحاد الرياضي لبلدية مغنية. IRB Maghnia.

النضال لاستقلال الجزائر
عودته إلى الجزائر، بعد أن شارك الفرنسيين في عملية التحرير، واكبت مجازر 8 مايو 1945 في سطيف وخراطة وغيرهما من المدن. وقد تأثر بن بلة بعمق بهذه الأحداث التي سقط خلالها حوالي 45 ألف جزائري لما طلبوا فرنسا بالوفاء بعهدها. فتأكد عند بن بلة أن «هذا الاستعمار عنيف.. ولن يزول بغير استعمال العنف». عرف بن بلة بنشاطه السياسي في صفوف الحركة الوطنية مبكرا، فاشترك في حزب الشعب الجزائري ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية بزعامة مصالي الحاج. انتخب في أكتوبر سنة 1947 مستشارًا لبلدية مغنية. ورغم تضييق الفرنسيين عليه، حاول جاهدا في خدمة إخوانه الجزائريين وأدهش المستعمر بتنظيمه.

في 15-16 فبراير 1947، انعقد ببوزريعة مؤتمر ضم أعضاء من حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية. وتم تأسيس تنظيم شبه عسكري سمي «المنظمة الخاصة» وكلف بن بلة بجهة وهران. وكان ذلك بعد انعقاد المؤتمر الأول لحركة انتصار الحريات الديموقراطية. كلفت المنظمة بجمع السلاح وتدريب الرجال تحضيرا للنضال العسكري. أسندت قيادة المنظمة لمحمد بلوزداد ويساعده أيت أحمد ومهساس إلى جانب بن بلة.

انتقل بن بلة إلى الجزائر العاصمة، ليدخل النشاط السري بعد أن ترك مدينة مغنية تحت ضغط الفرنسيين. بن بلة الذي كان أحد مؤسسي المنظمة الخاصة، صار في ديسمبر 1949 رئيسا لها خلفا لآيت أحمد. وفي ظل فشل كل الحلول السياسية في استرجاع الجزائريين لبلادهم وثرواتهم، كان هدف المنظمة الأول التحضير لثورة مسلحة. وأصبح بن بلة بذلك مسؤولا عسكريا تحت إمرته 5 آلاف مقاتل.

صار بن بلة لاحقا أحد القادة التسعة للجنة الثورية للوحدة والعمل (CRUA) التي ولدت من رحم المنظمة الخاصة وفجرت ثورة التحرير سنة 1954.

كانت المنظمة السرية بحاجة لأموال لتنفيذ أهدافها. ولما واجهت امتناعا من الساسة، أخذت زمام المبادرة بيدها لتمويل نشاطاتها. وكان جلول نميش (المدعو بختي) الذي كان عاملا في بريد وهران قد اقترح على بن بلة عمليتي سطو أحدها على قطار نقل الأموال بين وهران وبشار والثانية على مركز بريد وهران. فاستقر اتفاق أعضاء المنظمة على الاقتراح الثاني لصعوبة الأول.

كان مقررا للهجوم أن يقع في أول يوم اثنين من شهر مارس، غير أن الأمور لم تسر كما كان مقررا لها فأجل الهجوم لأول يوم اثنين من شهر أبريل. وقع الهجوم في 5 أبريل 1949 بطريقة وكأن منفذه هو الأوروبي «بييرو المجنون» «Pierrot le fou » (الذي ذاع صيته آنذاك كلص محترف)، لولا بعض الأخطاء البسيطة التي اكتشفتها الشرطة لاحقا ووجهت التحقيق نحو الجزائريين.

تكلل الهجوم بالناجح بفضل معلومات بختي الدقيقة وقيادة بن بلة لمجموعة الكوماندوس التي شنت الهجوم بمشاركة سويداني بوجمعة. كان من المتوقع الاستيلاء على 30 مليون فرنك فرنسي. في حين أن الحصيلة تمثلت في 3.170 مليون فرنك فرنسي. كلف محمد خيضر بنقل الأموال إلى الجزائر نظرا لحصانته كنائب. ومن ثم استعملت لشراء أسلحة من ليبيا، هربت لاحقا إلى الأوراس.

جاءت عملية بريد وهران بقيادة بن بلة كمحاولة لإقناع السياسيين بأن اللعبة السياسية قد فشلت.

اكتشف الفرنسيون المنظمة السرية اثر فشل محاولة عقاب أحد المنضمين في 18 مارس 1950 واعتقل الكثير من أعضائها من بينهم بن بلة في مايو 1950 بالجزائر العاصمة.

حوّل بن بلة ورفاقه محاكمتهم إلى محاكمة الاستعمار. حكم على بن بلة بسبع سنوات. لكنه استطاع في 16 مارس 1952 الهروب رفقة أحمد مهساس من سجن البليدة. ليلتحق بأيت أحمد وخيضر بمكتب القاهرة وشكلوا لاحقا تمثيلية جبهة التحرير في الخارج.

بعد فراره من السجن، تنتقل بن بلة بين عدة أماكن في البليدة مدة أشهر. حتى تمكن ديدوش مراد من تهريبه إلى فرنسا عبر البحر بجواز سفر مزور، حيث بقي من ثلاث إلى أربع أشهر تحت رعاية شبكة منظمة لجزائريين. اجتمع بن بلة، في باريس سنة 1952، بعلي مهساس وبوضياف، وكلف بوضياف بلم شمل أعضاء النظام السري في الجزائر بعد أن قرر الحزب حل المنظمة السرية. الاجتماع استمر لمدة 3 أيام، وأدى ذلك لاحقا للقاء الشهير للـ 22. ثم انتقل إلى سويسرا بصفة عامل (حيث بقي حوالي الشهر والنصف)، ثم إلى القاهرة التي وصلها في أغسطس 1953.

في القاهرة، التحق بخيضر وأيت أحمد لتمثيل حركة انتصار الحريات الديمقراطية. كما التقى عبد الكريم الخطابي رئيس مكتب المغرب العربي وجمال عبد الناصر وقد كان الجزائري الوحيد الذي تمكن من ملاقاته. سمح ذلك لبن بلة (المكلف بنقل الأسلحة والذخيرة للبلاد لتحضير لانطلاق الثورة) بالإعداد لإيصال السلاح بعد تجاوب عبد الناصر في مسألة السلاح. استمر توريد السلاح من مصر لمدة سنتين ونصف السنة. أول عملية نقل السلاح تمت في فبراير 1954 باستعمال يخت فخر البحار من مصر إلى ليبيا، وكان بن بلة في استقبال الشحنة مع العقيد الليبي عبد الحميد درنة. معرفته بليبيا وسكانها سمحت له بتسهيل العمليات. غير أنه واجه مشاكل مع بورقيبة لرفضه عبور السلاح واعتراضه ووصل الأمر إلى الاشتباك المسلح.

إضافة لنقل السلاح، تخصص بن بلة في التدريب العسكري. فأنشأ معسكرا تدريبيا في عين شمس، وعمل بن بلة على تجنيد الجزائريين خاصة بين طلبة الأزهر، فكان من بينهم محمد بوخروبة (الذي تطلب إقناعه فترة شهرين والذي صار لاحقا يكنى هواري بومدين).

أصبح بن بلة يمثل خطرا على السلطات الاستعمارية الفرنسية. فسعت لاغتياله، وهكذا تعرض لمحاولتي قتل إحداها في القاهرة وأخرى في طرابلس الليبية سنة 1955 بتدبير من اليد الحمراء رغم أنه كان يسافر بأسماء مستعارة. وكان قد سبق لمنظمة اليد الحمراء أن اغتالت المعارض التونسي فرحات حشاد.

وباندلاع الثورة الجزائرية وتأسيس جبهة التحرير، أصبح بن بلة ممثل للجبهة في الخارج.

في الفاتح من نوفمبر 1954، انطلق شرارة الثورة الجزائرية بقيادة حزب جديد هو حزب جبهة التحرير الوطني. وكانت بمثابة إعلان عن لجوء الجزائريين إلى السلاح لتحرير وطنهم من الاحتلال الاستيطاني الفرنسي بعد فشل كل السبل السياسية. في الجزائر تم توزيع منشورات لبيان أول نوفمبر، ومن القاهرة كان بن بلة أول من تلا هذا البيان عبر أثير إذاعة القاهرة. بكل المقاييس لم تتوفر شروط نجاح الثورة عند اندلاعها، فمن جهة رفض كل السياسيين والأحزاب اندلاع الثورة، ومن جهة ثانية كان هناك نقص فادح في السلاح وضعف نوعية ما توفر منه والذي كان أغلبه من مخلفات الحرب العالمية الثانية. ومن جهة أخرى، كان بوضياف هو منسق الثورة غير أنه أصيب بمرض السل، ما اضطر بن بلة لاتخاذ زمام المبادرة. في البداية، كان مقررا اندلاع الثورة في 30 أكتوبر. ولكن الأمر ترك في الأخير للثوار على أرض الميدان. في البداية، شهدت منطقة الأوراس عددا كبيرا من العمليات مقارنة مع المناطق الأخرى، وهذا لتواجد السلاح بها وصعوبة التضاريس التي كانت مساعدة للثوار. وبعد حوالي السنة، كانت العمليات العسكرية قد عمت كل أنحاء الجزائر.

استمرت عمليات تهريب السلاح للثوار في الجزائر. ومن أشهر عمليات التهريب تلك التي استعملت يخت الملكة دينا وكان قائده بحار يوغسلافي. في 20 يناير 1955، جرى اجتماع في منزل فتحي الديب لإنهاء ترتيبات إرسال شحنة من الأسلحة إلى الثوار على متن اليخت دينا بحضور بن بلة وبوضياف. وفي منتصف مارس 1955، سافر بن بلة إلى إسبانيا للتحضير لاستقبال الشحنة، وانطلق اليخت من ميناء بور سعيد المصري في 27 مارس باتجاه مدينة الناظور المغربية وعلى متنه 7 جزائريين كان بومدين أحدهم.

بتعاظم شأن الثورة، انضم العديد من السياسيين الجزائريين إلى جبهة التحرير الوطني (جناحها السياسي). ومن بينهم من عارض قيامها في البداية. ومن جهة أخرى حاولت السلطات الفرنسية التواصل مع قيادات الثورة وطلبت منهم التفاوض بشرط تشكيل حزب آخر.

في 20 أغسطس 1956 عقد مؤتمر الصومام في ظروف معقدة. فمن جهة كان عدد كبير من القادة العسكريين والسياسيين الأوائل للثورة غائبين إما لاستشهادهم أو اعتقالهم أو تغييبهم كما وقع مع بن بلة. حيث لم يعط قادة الداخل وقتا كافيا لنظرائهم في الخارج لحضور مؤتمر الصومام وهكذا ظهرت أولى بوادر الخلاف. كانت مقررات المؤتمر سبب آخر في اعتبار المؤتمر خنجر في صدر الثورة. حيث اعتبرها بن بلة وأول ردة و«خيانة للتوجهات العروبية والإسلامية للثورة الجزائرية» وبداية الاغتيالات نتيجة هذا الانحراف. فرفض المؤتمر ومقرراته.

في 25 سبتمبر 1956، فرنسا تحتجز الباخرة لوتس في عرض البحر الأبيض المتوسط وعلى متنها أسلحة موجهة للثوار الجزائريين. ما أدى لتدهور العلاقات المصرية الفرنسية.

خلال هذه الفترة، كان بن بلة يسافر بجواز سفر دبلوماسي باكستاني، منحته إياه السلطات الباكستانية من باب دعم القضية الجزائرية. هكذا استطاع بن بلة تجاوز الحضر الذي فرضته السلطات الفرنسية وحلفائها.</ref> وقد استعمل بن بلة جواز السفر الباكستاني أيضا خلال فترة منفاه في ثمانينيات القرن العشرين.

شهدت سنة 1956 أيضا، بداية اتصالات ومفاوضات بين جبهة التحرير والحكومة الفرنسية جرت في مصر ويوغسلافيا وروما. وبعد حوالي 8 أشهر، تم التوصل إلى صيغة اتفاق مع ممثلي الجبهة خيضر واليزيد. فقرر القادة اطلاع جيران الجزائر المغرب وتونس بالنتائج. وفي شهر أكتوبر، أعلم بن بلة مضيفه جمال عبد الناصر بذهابه إلى مدريد للاجتماع مع القادة الآخرين فرد عليه عبد الناصر «مش الرباط» (ورددها 3 مرات وكأنه يحذر بن بلة). وعند وصول بن بلة إلى مدريد وجد أن زملاؤه قد انتقلوا إلى الرباط بدعوة من الملك محمد الخامس على أن ينتقلوا من هناك بمعيته إلى اجتماع تونس.

وفي طريقهم إلى تونس على متن طائرة مغربية Air Atlas، أقدم طيران الجيش الفرنسي في 20 أكتوبر 1956 على اختطاف الطائرة في أول عملية قرصنة جوية في التاريخ. واعتقل بن بلة رفقة محمد بوضياف وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر (القيادات التاريخية للثورة الجزائرية) والصحفي مصطفى لأشرف. وبذلك أفشل الجيش الفرنسي المفاوضات مع الحكومة فرنسا بوساطة تونسية-مغربية. حقق رئيس الأركان الفرنسي مع القادة وحاول إجراء مفاوضات جديدة بين الجيش الفرنسي وبينهم إلى أنهم رفضوا.

سجن المختطفون في البداية في مركز الشرطة في الجزائر لمدة أسبوع قبل أن يتم نقلهم إلى سجن «لاسانتي La Santé» في جزيرة أكس (Aix) وكانت فترة السنتين ونصف بهذا السجن صعبة جدا. ثم إلى قلعة تيركان Truquant في مارس 1959 بقرار من ديغول ثم أولنوا Aulnoy إلى غاية 18 مارس 1962. اعتبر ديغول المختطفين «سجناء عسكريين» وطوال فترة السجن، كان مسموحا فقط للمحامين بزيارتهم. استثمر بن بلة فترة سجنه الجديدة في تنمية معرفته وثقافته السياسية.

من ردود الفعل على العملية، وقوع أحداث غضب ضد الفرنسيين عقب العملية في المغرب وتونس والجزائر كردة فعل على الاختطاف. وصدر بيان عقب اجتماع 25 دولة من أفريقيا وأسيا في الأمم المتحدة عبروا فيه عن استيائهم لاعتقال الزعماء الجزائريين وطالبوا بعرض مشكلة الجزائر على الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الثانية خلال نفس السنة 1956.

وفي 28 أكتوبر 1956، وقع العدوان الثلاثي على مصر بمشاركة فرنسا التي أرادت أن تعاقب مصر على وقوفها بجانب الجزائريين.

يوم الجمعة 19 سبتمبر 1958، أعلن عن تأسيس أول حكومة جزائرية مؤقتة في المنفى. يرأس المجلس الوزاري فرحات عباس وعين بن بلة ومحمد بوضياف نائبين للرئيس الحكومة. وكان العراق أول الدول اعترافا بها. بن بلة ظل نائبا لرئيس المجلس الوزاري في حكومتي فرحات عباس 1958 و1959 وحكومة بن خدة 1961 رغم ظروف سجنه.

في 10 نوفمبر 1959، عرض الجنرال ديغول التفاوض على جبهة التحرير. وجاء رد الجبهة في 20 نوفمبر 1959 بقبول العرض وفوضت بن بلة وبيطاط وأيت أحمد وخيضر وبوضياف بإجراء المفاوضات. غير أن ديغول رفض مشاركة بن بلة في المفاوضات.

دور القيادات المسجونة بدأ يضعف، خاصة بعد أن صارت القرارات تؤخذ دون استشارتها. مثلما هو الحال في 16 ديسمبر 1959، حين اجتمع المجلس الوطني في طرابلس وكلف هواري بومدين بقيادة الجيش خلفاً لكريم بلقاسم بدون أن يستشيروا القادة المساجين.

أطلق ديغول في 14 يونيو 1960، دعوة جديدة لقادة الثورة الجزائرية بالتفاوض. وبدأت بمفاوضات في ميلون في نفس الشهر واستمرت وصولا لاتفاقية إيفيان. في ذلك الوقت تأزمت الأوضاع وظهرت نزاعات بين الحكومة المؤقتة وقيادة أركان الجيش، هذه الأخيرة قامت بإرسال بوتفليقة سنة 1961 لزيارة القيادات المسجونة لإطلاعها بالأمر فوجدت تعاطفا من بن بلة معها. في حين لم يقبل بوضياف التحالف لمساندته لكريم بلقاسم. زيارة بوتفليقة بإيعاز من رئيس الأركان بومدين هاته، يعتبرها البعض محاولة لاستمالة القادة المسجونين لصف بومدين في حين أن بن بلة اعتبرها مجردة زيارة لاطلاع القادة بالأحداث الجارية.

بعد أن أثمرت المفاوضات بين الطرفين الجزائري والفرنسي بالوصول إلى اتفاقيات إيفيان وبدء سريان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962. جاء دور إطلاق سراح القادة المسجونين وعلى رأسهم بن بلة. وبعد جولة قام بها القادة بين سويسرا والمغرب ومصر ثم تونس حيث كان هواري بومدين في استقبالهم في مطار العاصمة في 14 أبريل 1962. لوحظ غياب محمد بوضياف، ما دفع البعض باستنتاج وجود خلافات بين القادة المفرج عنهم.

المصدر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة برخصة المشاع الإبداعي