اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عند بلوغه الخامسة من العمر انتقل إلى المدينة المنورة برفقة والديه وأتم حفظ القرآن الكريم في الخامسة عشر من عمره، كان والده لا يسمح له ولاخوته بالخروج للشارع واللعب مع الأطفال حتى مات, فكان علي جابر لا يعرف إلا طريق المسجد النبوي ومن ثم الدراسة وأخيراً العودة إلى البيت، توفي والده في عام 1384 هـ وعمر علي جابر آنذاك لا يتجاوز إحدى عشرة عاماً وكان لوالده الدور الكبير في تربيته وتنشئته كما يقول، ثم تولى تربيته ورعايته بعد وفاة والده والدته بالمشاركة مع خاله.
ولعل أبرز ما تميز به علي جابر هو بره الشديد بوالدته وحبه لها حتى أنه ضحى بأمور كثيرة في مقابل البقاء بجوار والدته في المدينة المنورة، وقد يعود سبب ذلك لوفاة والده وهو ما زال في مقاعد الدراسة، فقامت والدته بتربيته والاهتمام به بمساعدة خاله، وهذا ما جعله يتعلق بوالدته تعلقاً شديداً، كان لعبد الله والد علي جابر مطعم في حي باب شريف في جدة وعلي وشقيقه التوأم سالم معه وعندما وصل علي وسالم إلى سن الخامسة رغب والدهما للانتقال إلى المدينة المنورة، فانتقلوا جميعاً إلى هناك واستقروا بها، كان والد علي جابر يرغب في أن يكون أحد أبنائه صاحب علم شرعي فأراد أن يتقرب من مجالس العلم فكانت المدينة النبوية هي المستقر له ولعائلته، لكن الإرادة الإلهية لم ترد أن يرى أحد أبنائه بهذه الصفة، فتوفي وعمر علي وسالم أحد عشر عاماً أي بعد المكوث في المدينة ست سنوات فقط، فتولت الأم تربية أبنائها بمساعدة أخيها، كانت تقرن أقوالها بأفعالها فمثلاً عندما كانت تأمرهم بالصلاة كانت هي أول من تقوم الليل، لذا كان تعلق أبنائها بها شديداً وخاصة علي الذي لازمها حتى وفاتها.
وفاة والد الشيخ علي جابر وهو في هذه السن المبكرة لم تجعله يتجه في الاتجاه المعاكس، فحفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، وأتقن الحفظ فلم يكن يخطئ فيه إلا نادراً، وفي فترات متباعدة يراجع يوميا جزئين من القرآن غيباً، وزاد ذلك بحرصه على طلب العلم منذ صغره حتى أنه تخرج في الجامعة ومن قبلها وبعدها في مرحلتي الماجستير والدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى. وفي مرحلة النشأة التي عاش فيها علي جابر طفلاً ثم شاباً التي لم يتأثر فيها بالمغريات التي واجهت أقرانه.
ترسخ في نفس وعقل علي جابر أمنية والده في أن يكون أحد أبنائه عالماً شرعياً، فحرص بمساعدة والدته على تحقيق أمنية والده، فترك اللعب مع الأقران واتجه إلى إكمال دراسته الشرعية في دار الحديث وحفظ القرآن الكريم في جامع الأميرة منيرة ثم معهد القرآن الكريم، ليكمل بعد ذلك الدراسة الثانوية في المعهد الثانوي ويتجه بعدها إلى كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية ويتخرج منها عام 95 /1396 هـ بدرجة امتياز، ليغادر اثر ذلك إلى الرياض لإكمال دراسة الماجستير من المعهد العالي للقضاء الذي حصل عليه بتقدير امتياز في أطروحته (فقه عبد الله بن عمر ما وأثره في مدرسة المدينة) ثم الدكتوراه بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى في اطروحته (فقه القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق موازناً بفقه أشهر المجتهدين).
بدأ علي جابر حفظ القرآن الكريم في مسجد الأميرة منيرة بنت عبد الرحمن الذي يقع في منطقة باب المجيدي بالمدينة المنورة، حفظ القرآن على يد شيخين في المسجد وحفظ على يديهما أحدة عشرة جزءاً من القرآن ثم رشح بعد ذلك للالتحاق بالمعهد الذي افتتحته الجامعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمدينة المنورة وكان يدير المعهد الشيخ خليل عبد الرحمن، وأكمل علي جابر على يديه حفظ بقية الأجزاء من القرآن، وكان له دور بارز في تمكين علي جابر من الحفظ واتقان التجويد على أسسه السليمة.
ورغم مثابرة علي جابر وجده وإخلاصه في طلب العلم وبعده عن الراحة والتقاعس، إلا أنه يعتبر نفسه لم يفعل شيئا ولم يكن له دور فيه سوى المتابعة، ويتحدث عن ذلك بقوله "لا استطيع أن أدّعي لنفسي أنني كنت بنفسي مجردا أقوم بهذا الدور ولكن أقول إن توفيق الله عز وجل هو الذي شجعني وحباني ومنحني هذه المسيرة التعليمية التي اختتمت بالحصول على الدكتوراه وان كانت لم تنته من حيث العلم، وإنما انتهت من حيث الناحية الرسمية في الدراسات العليا، ولمشايخنا الذين تتلمذنا عليهم في كلية الشريعة دور كبير في أن يتوجه الإنسان بعد التخرج صوب الدراسات العليا، لان النفس إذا ألفت الراحة وتقاعست بعد الحصول على الإجازة العالية يصعب عليها بعد ذلك مواصلة الدراسات العليا ما لم يكن الطريق موصولا بعضه ببعض، وهذه نصيحة مشايخنا وقد قمنا بها حسب الاستطاعة وقدر الإمكان".
لمس علي جابر أثر حفظه للقرآن الكريم في حياته، وكان مدركاً أن الإنسان إذا ركز على تعقل القرآن ومعانيه وتفهمه فإن ذلك يزيده حفظاً وقوة على ما هو عليه، يقول عن ذلك الأثر في نفسه: (القرآن ليس المقصود منه التغني وتزيين الصوت به وإنما يجب أن يكون واقعاً عملياً سلوكياً يقوم الإنسان بتطبيقه في واقع حياته كلها). ويزداد هذا التأثر بالقرآن الكريم عندما تحدث بقوله: القرآن الكريم أنزله الله هداية للعالمين، وأحد مصادر هذه الشريعة الإسلامية، وهو أيضاً شفاء ورحمة للمؤمنين، والذي يقرأ القرآن بتعقل وتدبر وتفهم لمعانيه فلا شك أن ذلك يوصله إلى طريق السعادة والنجاة في الدارين، وقد ورد عن الرسول قوله: (القرآن حجة لك أو عليك), فهذا الكتاب الكريم إما أن يكون حجة للإنسان من حيث التطبيق العملي لما فيه من أوامر ونواه وإما أن يكون حجة عليه عندما يخالف ما ذكر فيه، ولهذا لا يمكن أن نكتفي بحفظه بل لابد من تدبره فقد أنزله الله عز وجل للتدبر كما قال سبحانه: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}.
ورغم ذلك التواضع من علي جابر الذي لمسه منه جميع المقربين منه وتأكيده على أن ليس للتغني وتزيين الصوت به إلا أن حلاوة صوته بالقرآن جعلت العديد من الشباب يتأثرون به ويعودون ويتوبون إلى الله بعد سماعهم له سواء من خلال إمامته في المسجد الحرام أو من الأشرطة السمعية لكن الشيخ لا يدعي ذلك لنفسه بقوله: (لا أدعي لنفسي التأثير ولكني أقول إن الصوت الحسن وقراءة القرآن محبرّة له أثر عظيم في نفس الإنسان المسلم، وهذا يتضح من فعل الرسول مع ابن مسعود عندما قال له: (اقرأ عليّ) قال: كيف اقرأ وعليك أنزل، قال: (إني أحب أن اسمعه من غيري) فقرأ عليه صدراً من سورة النساء حتى وصل إلى قول الله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}, بكى رسول الله وقال في ابن مسعود: من أراد أن يقرأ القرآن غضاً طرياً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، فلا شك أن الصوت الحسن والقراءة المحبّرة لها أثر عظيم على السامعين).
كان علي جابر يدرس في حلقة واحدة مع الشيخ محمد أيوب لدى الشيخ خليل الرحمن قاري في معهد القرآن الكريم، مع أن محمد أيوب كان يكبر علي جابر بعدة سنوات ويسبقه في الحفظ، جمع علي جابر بين حفظ القرآن الكريم والأدب والخجل والهدوء وهو ما تحدث به شيخه بخاري الذي أوضح أنه قليل اللعب مع أقرانه، قال عبد الله علي جابر ابن علي جابر إن والده كان يراجع القرآن من بعد صلاة العصر إلى قبل الالإطار كل يوم وكان يفطر ببعض التمرات والشوربة الساخنة ولا يكثر من وجبة الإفطار لأنها قد ترهق الإمام في صلاته وبعدها يتهيأ لصلاة التراويح.