اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو العباس أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة، المقدسي الصالحي(1) الدمشقي، (9 شعبان 693 هـ / 5 يوليو 1294م - 14 رجب 771 هـ / 11 فبراير 1370م)، اُشتهر بـ ابن قاضي الجبل، ويُعرف أيضا بـ ابن شيخ الجبل. هو عالم مسلم وفقيه حنبلي، انتهت إليه رئاسة المذهب، وكان مصاحبًا لابن تيمية، سمع منه وتفقه به وبغيره، كان أبوه شرف الدين أبو الفضل قاضي القضاة في دمشق، وسُمِّيَ بابن قاضي الجبل لأنه جده كان صاحب المدرسة المشهورة في جبل قاسيون.
طلب العلم في سن مبكرة، وحفظ القرآن، وتعلم النحو واللغة والأصول والمنطق والحديث وعلله والفقه، تولى التدريس في مدارس عدة في بلاد الشام وفلسطين، وتولى القضاء ببلاد الشام سنة 767 هـ، واستمر في منصبه حتى وفاته في 771 هـ، له العديد من المصنفات أغلبها في الفقه وأصوله منها: الفائق في الفقه، والفائق في المذهب، قطر الغمام في شرح أحاديث الأحكام، كما كان له باع في تفسير القرآن.
هو من أسرة آل قدامة التي تنحدر من سلالة الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، فهو أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر محمد بن أحمد بن قدامة بن مقدام بن نصر بن عبد الله بن حذيفة بن محمد بن يعقوب بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن محمد بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي. وتعد أسرة آل قدامة أكبر أسرة خرج منها علماء الحنابلة حتى أكثر من أسرتي الإمام أحمد، وآل تيمية، وقد عدَّ منهم محقق كتاب المنهج الأحمد 93 فردًا كلهم من علماء المذهب. فمن أشهر علماء الأسرة موفق الدين بن قدامة، وشمس الدين محمد بن إبراهيم قاضي قضاة مصر، وعبد الرحمن بن قدامة المقدسي، ومحمد بن عبد الهادي المقدسي، وغيرهم. وكان نشاطهم في الصالحية بدمشق، وامتد تأثيرهم إلى بعلبك، وجمَّاعيل، ونابلس، والقدس، ومصر، والإسكندرية، وحرَّان، وأربيل، وبغداد.
تذكر جميع المصادر التي ترجمت له أن ولادته كانت في السنة الثالثة والتسعين وستمائة من الهجرة. قال العليمي: «إنَّ مولده على ما كتبه بخطه في الساعة الأولى من يوم الاثنين تاسع شعبان سنة ثلاث وتسعين وستمائة».
نشأ ابن قاضي الجبل في منطقة الصالحية، وكان يتيمًا، فقد مات والده وعمره سنتان فقط، فحسب المصادر التي ترجمت له ولوالده فإن ولادته كانت في سنة 693 هـ، ووفاة والده كانت في شوال سنة 695 هـ. وعاش في رعاية أمه وأقاربه، ومع ذلك طلب العلم، فقد أُحْضِرَ إلى العلماء وهو ابن خمس سنوات، وطلب العلم بنفسه بعد 710 هـ.
طلب الإمام ابن قاضي الجبل العلم في سن مبكرة، فهو من أسرة اشتهرت بالعلم، والصلاح والتقوى، وكانوا في معظمهم علماء، فمن شيوخه: ابن القواس المتوفى سنة 698 هـ، وأبو الفضل ابن عساكر المتوفى سنة 699 هـ أي أن وفاتهما كانت عند بلوغه سن الخامسة أو السادسة من عمره، وتذكر المصادر أنهما أجازاه. وسمع من التقي سُلَيْمَان وَغَيره، وَخرج لَهُ شمس الدين بْن سعد مشيخة عَن ثَمَانِيَة عشر شَيخًا حدث بهَا.
وفي عام عشرة وسبعمائة طلب العلم بنفسه فتعلم النحو واللغة والأصول والمنطق والحديث وعلله والفقه، ولم يُسجل له رحلة في طلب العلم، إلا رحلته إلى القاهرة، كما أن ملازمته لابن تيمية قد أغنته عن التردد على كثير من العلماء؛ حيث قرأ على الشيخ تقي الدين بن تيمية عدة تصنيفات في علوم شتى، وأذن له في الإفتاء فأفتى في شيبته، وسمع من غيره وفي مشايخه كثرة، ثم طلب في آخر عمره إلى مصر ليدرس بمدرسة السلطان حسن وأقام بها مدة، وأخذوا عنه، ورَأَسَ على أقرانه. وولي مشيخة سعيد السعداء، وأقبل عليه أهل مصر وأخذوا عنه العلم، ثم عاد إلى الشام وأقام بها مدة وأخد يُدرِّس ويفتي.
في عام أربعة وستين وسبعمائة للهجرة طلبه الأمير سيف الدين يلبغا نظام الملك في كتاب كتبه إليه يستدعيه ويستحثه في القدوم عليه بمصر؛ فتوجه يوم السبت خامس عشر جمادى الآخرة 764 هـ، إلا أنه رجع بعدما قارب غزة، لمَّا بلغه أن الوباء والطاعون قد أصاب في الديار المصرية، فعاد إلى مدينة القدس، ثم رجع إلى بلده فأصاب السُّنَّة.
وفي 24 ربيع الأول 767 هـ، عقد مجلس حافل بدار السعادة؛ بسبب ما رمي به قاضي القضاة تاج الدين السبكي من اتهامات، واجتمع فيه القضاة الثلاثة، وخلق من المذاهب الأربعة، وبحضور نائب الشام سيف الدين منكلي بغا، وكان ابن قاضي الجبل وابن كثير الدمشقي حاضرين في المجلس، وكانا يحاولا الصلح بينه بين القاضي المالكي والحنبلي. فحصل خلاف، ثم اجتمعوا مرة أُخرى في 19 ربيع الآخر 767 هـ، وجرت مناقشات، فلانت القلوب بينهم.
وكان ابن قاضي الجبل على علاقة قوية مع ابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الهادي المقدسي، وكان يتباحث معهما في المسائل، ورُوى أنه لقي تاج الدين السبكي ذات مرة فقال له السبكي: «يا مولانا لما رأيناكم من بعيد حسبناكم يهودًا»، فقال ابن قاضي الجبل: «ولكنا لما رأيناكم حسبناكم مسلمين»، فندم السبكي على ما قال.
ومن مناظراته أنه ناظر مرةً أعجميًا قدم إلى دمشق فجعل يمتحن العلماء بمسائل عقلية، ويقول: مات العلماء، فلمَّا علم بذلك قال: «اجمعوا بيني وبينه بجُمع بينهما في ضيافة، فسأل ابن قاضي الجبل عن مسألة متعلقة بالأمور العقلية، فلمّا سأله عنها قال له: وأين أوصلك أنت إلى هذه المسألة، فقال الأعجمي: كيف ذلك؟، فقال: يا شيخ حتى نعرف أولًا إن كنت تعرف تتطهر أم لا؟، ثم قال له: إذا كان رجل في برية، وبال وليس عنده غير أحجارها إذا أراد أن يستجمر هل يأخذ ذكره بيمينه والأحجار بيساره أو بالعكس؛ فسكت الأعجمي فلم يدر ما يقول، فقال له: ما تقول؟ هذه مسألة هينة، ثم جعل يوبخه ويقرق عليه ويقول: هذا الذي تقولون عنه أنه يقول مات العلماء، والله هذا مسكين لا يعرف كيف يستجمر، حقًا يا شيخ إنك أنت قلت شيئًا من ذلك، لا والله هذا ما يقول شيئًا من هذا إلى أن بلغ منه غايته ثم قام فوقف، وقال يا شيخ وأما مسألتك فكذا وكذا»، ثم رد على المسألة العقلية التي سأله عنها، فذهب ذلك الأعجمي فما رُؤِيَ بعد ذلك بدمشق.
تولى قضاء الحنابلة بدمشق في يوم الثلاثاء 8 رمضان من عام سبع وستين وسبعمائة عوضًا عن جلال الدين يوسف بن محمد بن عبد الله المرداوي، وحُمِدَت سيرته، واستمر فيه حتى وفاته في شهر رجب من عام واحد وسبعين وسبعمائة ببلاد الشام، فكان بقاؤه في القضاء لمدة تقل عن أربع سنوات. وولي بعده علاء الدين علي بن محمد بن علي المقدسي، وكان ذلك بعد وفاته بخمسة أشهر، وقال ابن قاضي شهبة عن أحداث ذي القعدة: «وفيه قدم الشام القاضي علاء الدين الحجاوي من القاهرة، متوليًا القضاء عوضًا عن القاضي شرف الدين بن قاضي الجبل».
ويبدو أن هذا المنصب قد أكسبه كراهية الآخرين ومعاداتهم، يقول ابن كثير: «ولي القضاء فلم تحمد مباشرته، ولا فرح به صديقه بل شمت به عدوه، وباشر القضاء دون الأربع سنين إلى أن مات وهو قاضٍ». وقيل أن سبب ذلك أنه كان عنده مداراة وحب للمنصب، وأنه وقع بينه وبين الحنابلة من المرادوة وغيرهم شرور كثيرة، بسبب أنه منع أن يُذبح الجاموس في الصالحية لأجل المرادوة. كما أنه اختلف مع علماء المذهب في بعض المسائل مثل: التصرف في الوقت للمصلحة الذي ذهب إلى جوازه، ومنعه الحنابلة في وقته، ويبدو أن هذا الأمر قد جلب له كراهية الحنابلة الذين قد يرون أنه ذهب إلى ما لا يجيزه مذهب الإمام أحمد في هذه الأمور.
عقيدة ابن قاضي الجبل هي عقيدة أهل الحديث في اتباع منهج السلف في مسائل الاعتقاد والصفات والقدر وغيرها، فهو على عقيدة علماء آل قدامة وشيخه ابن تيمية، ومن أقواله في العقيدة:
كان ابن قاضي الجبل على مذهب أحمد بن حنبل، وهو الذي عليه جميع أسرة آل قدامة. إلا أنه لم يكن مقلدًا كغيره من أسرته ومعظم علماء الحنابلة، حيث له عدد من الآراء الفقهية التي خالف فيها علماء المذهب، مثل أنه يرى جواز التصرف في الأوقاف حسب المصلحة وله مصنف في جواز بيع الوقف للمصلحة سماه "المناقلة بالأوقاف وما في ذلك من النزاع والخلاف"، وكذلك رأيه بأن النزول عن الوظيفة تولية، قال ابن مفلح: «وله اختيارات في المذهب، فمنها: أن النزول عن الوظيفة تولية. وهذه مسألة تنازع فيها هو والقاضي برهان الدين الزرعي، وأفتى كل منهما بما اختاره».
درس ابن قاضي الجبل عند عدد من الشيوخ الذين أجازوه، منهم:
ومن أشهر تلاميذه:
مدحه عدد من العلماء المعاصرين له ومن جاء بعده، وبالغ ابن رافع وابن حبيب في مدحه. ومن أقوال العلماء فيه:
توفي في يوم الثلاثاء في شهر رجب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، واختلفوا في تحديد اليوم، فيقول ابن رافع: بأنه يوم الثلاثاء 14 رجب في نفس السنة. بينما يذكر المقريزي، وابن تغري أنه يوم الثلاثاء 13 رجب، ولم يحدد ابن حجر اليوم بل اكتفى بذكر الشهر فقط. وقد وصف العليمي ذلك فقال: «توفي قاضي القضاة شرف الدين ابن قاضي الجبل في منزله بالصالحية يوم الثلاثاء الرابع عشر رجب سنة إحدى وسبعين وسبعمائة وصلي عليه بعد الظهر بالجامع المظفري». على أنه دفن بمقبرة جده الشيخ أبي عمر وشهده جمع كثير.
لم يصل إلى العصر الحاضر من كتب ابن قاضي الجبل إلا القليل، ولم يُطبع منها إلا كتاب المناقلة والاستبدال بالأوقاف، ومن أسماء الكتب التي نُسِبت له في تراجمه:
كان لابن قاضي الجبل حظٌّ من الشعر، حتى قيل عنه: «إنه كان يحفظ نحوًا من عشرين ألف بيت»، وقد قرأ المحصل للرازي على شيخ الإسلام ابن تيمية. ومن شعره وهو بالقاهرة أنه قال:
وقال عن انتمائه ومذهبه:
ومن شعره أيضاً: