اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الواقع أنَّ من أسباب عداء الأوزبك والأفغان لِأكبر هو تقرُّبه من الصفويين في إيران، المُعادين لِأهل السُنَّة والجماعة، وما أُشيع في البلاد الطورانيَّة من أنَّ أكبر ادَّعى الأُلُوهيَّة وأنَّهُ ابتدع دينًا جديدًا أطلق عليه «الدين الإلٰهي». نتيجة ذلك توقَّف الأوزبك عن إرسال السفارات إلى الهند، رُغم قيام أكبر بِإرسال رسائل عديدة ولم يحصل على أي جواب، ثُمَّ أرسل عبد الله خان أوزبك سفارةً إلى أكبر وهو بالپُنجاب، يرأسها «مير قُريشي» وهو من أكابر قومه، وبِصُحبته هدايا كثيرة ورسالة وديَّة إلى السُلطان المغولي مُعربًا في رسالته عن سبب تأخُّره في مُواصلة إرسال السفارات وفي مُقدِّمتها سماعه أخبار الدين الإلٰهي الجديد واستياءه نتيجة ذلك، وردَّ عليه أكبر بِرسالةٍ جوابيَّةٍ أنَّ التأخُّر غير مُبرَّر وأنَّهُ لا يجب الإصغاء إلى المُغرضين وأصحاب النوايا السيِّئة الذين يُريدون تشويه سُمعة الآخرين، وأنَّ السلامة تقتضي أن يُرسل مبعوثيه لِلتعرُّف على دقائق الأُمُور. كما ذكر أكبر في رسالته أنَّ الأُسرة الصفويَّة تنتسب إلى آل بيت الرسول مُحمَّد، ولا يُمكنهُ أن يجعل اختلاف مذهبهم سببًا لِلهُجُوم عليهم وينسى العلاقات القديمة القائمة بين دولته والدولة الصفويَّة، التي استقبلت والده همايون عندما كان في أمس الحاجة إلى حُلفاء وأصدقاء، ونبَّه عبد الله خان أن لا يذكر الشاه الصفوي (عبَّاس بن مُحمَّد خُدابنده آنذاك) بِسُوءٍ مرَّة أُخرى. لكنَّهُ عاد وأكَّد في رسالته على الروابط التي تجمع بين مغول الهند والأوزبك، وأنَّهم يرجعون لِأُصُولٍ مُشتركةٍ، وختم رسالته بِالبيت الشعري التالي (بِالفارسيَّة):
وتعريبه: طالما نُصادق بعضنا البعض، نكونُ برًّا وبحرًا آمنين من الفتنة والشر. والحقيقة أنَّ أكبر كان خِلال هذه المرحلة من حياته يُبطنُ عقيدته في نفسه، بعد أن لم يعد واثقًا من نفسه عن مكان الحقيقة بِفعل ما شاهده في مملكته من كثرة الطوائف والملل والنحل، وبِفعل نشأته على حُب الاستطلاع وعادته في جمع جُملة من المشايخ والعُلماء ومُناقشتهم في مسائل الدين، وكثيرًا ما كان هؤلاء العُلماء والفُقهاء يصمون بعضهم البعض بِالكُفر في حُضُور السُلطان، حينما يشتد النقاش بينهم، وكان منهم فئة من عُلماء السوء الذين كانوا يتهافتون على مُغريات الحياة ويجمدون على ما وجدوا عليه شُيُوخهم وآبائهم. أضف إلى ذلك، كان لِمُصاهرة أكبر لِلهندوس وتقرُّبه منهم، وولادته من أُمٍّ شيعيَّةٍ وتأثُّره أثناء حداثته بِتوجيهات مُربيه ووزيره بيرم خان الشيعيّ وتقريبه العُلماء الشيعة، أمثال السيِّد فتح الله بن هبة الله الشيرازي والشيخ مُبارك بن خضر الناكوري وولديه أبي الفضل وأبي الفيض، بِالإضافة إلى عدم تلقِّيه تعليمًا دينيًّا راسخًا في صغره يعصمه من الزلل؛ كُل ذلك دفعهُ إلى التحوُّل والخُرُوج عن الإسلام وعرَّضهُ لِلاتهام بِالإلحاد والزندقة. هكذا بدأ أكبر يُفكِّرُ في إيجاد دينٍ جديدٍ يجمع فيه أبناء دولته ويقضي على ما يُفرِّقهم، واعتقد في قرارة نفسه أنَّهُ شُعاع الله وفيضٌ منه، باعتبار أنَّ الملكيَّة نورٌ مصدره الله، ويُحتمل أنَّهُ تأثَّر بِالتيَّارات الدينيَّة القائمة في الهند آنذاك، والقائلة بِأنَّ على رأس الألف الثانية الهجريَّة سيظهر المهدي المُنتظر أو ينزل المسيح عيسى ابن مريم لِيُعيد العدل إلى الأرض بعد أن مُلئت ظُلمًا وجُورًا، فاعتبر أنَّهُ أكثر الناس حقًا في أن يكون ظل الله على الأرض كونه أعرفهم وأعلمهم بِالمذاهب وأقدرهم على توجيه أُمُور الرعيَّة لِما فيه الخير.
كان أكبر قد أمر بِإنشاء «دارة العبادة» أو الـ«عبادت خانه» سنة 983هـ المُوافقة لِسنة 1575م، وهي مُنتدى لِلمُناقشات والمُجادلات الدينيَّة طويلة النفس، ودعا الفُقهاء والعُلماء، من أهل السُنَّة والشيعة، لِلحُضُور إلى هذه الدارة مساء كُلَّ خميس ومُناقشة المذاهب الإسلاميَّة المُختلفة في حضرته، بِهدف التقريب بينها واستنباط مذهبٍ واحد، ولكنَّ هذه المُناقشات لم تُؤدِّ إلى النتيجة المرجُوَّة، بل على العكس، وسَّعت الشقَّة بين المذهبين السُنِّي والشيعي حتَّى أخذ العُلماء والفقهاء يصمون بعضهم البعض بِالكُفر كما أُسلف. عند ذلك سأل أكبر الحاضرين عن من يكون صاحب الحق في إصدار الفتاوى والأوامر الدينيَّة الواجب اتباعها إذا اشتدَّ الخلاف بين الفُقهاء، فتقدَّم الشيخ مُبارك بن خضر الناكوري وقال أنَّ السُلطان يكون صاحب هذا الحق. وتنفيذًا لِهذا الاقتراح كُتب محضرٌ تضمَّن إعلان أكبر «إمامًا عادلًا»، ووقَّعهُ العُلماء والفُقهاء في شهر رجب سنة 987هـ المُوافق فيه شهر أيلول (سپتمبر) 1579م، وقد وضعت هذه الوثيقة السُلطة الدينيَّة كُلُّها في يد أكبر، فأضحى بِذلك السُلطان الروحي على رعاياه إلى جانب سُلطاته الزمنيَّة، وبِالتالي فإنَّهُ سلب العُلماء هذا الحق، ولم يعد لهم أن يتدخَّلُوا في شُؤون الحُكم. وخطا أكبر خُطوةً أُخرى في سبيل توحيد الأديان، فدعا الهندوس والنصارى والبوذيين والبراهمة والجاينيين والمجوس إلى الاشتراك في المُناقشات الدينيَّة، لكنَّ جهوده كُلِّها ذهبت أدراج الريح، وتقاذف الزُعماء الروحيُّون المُختلفون المُجتمعون في دارة العبادة بِأبشع التُهم والشتائم، وعلى الرُغم من سُخريته من هؤلاء جميعًا، فقد راح أصحاب كُل دينٍ يدعيه بِدوره لِنفسه في غير تورُّع ولا استحياء. وأخيرًا هدت أكبر قريحته، بِمُعاونة وزيره أبي الفضل وأخيه أبي الفيض، إلى ابتكار دينٍ جديدٍ يتألَّف من كُلِّ ما هو حسن في سائر الأديان والمذاهب، على وجهٍ يقضي فيما ظنَّهُ لِلوُصُول إلى السَّلام والأمن، وشدَّد في اعتقاده هذا ما شاع في الهند مع نهاية القرن العاشر الهجري من أنَّ البعثة النبويَّة المُحمَّديَّة كانت خاصَّة الألفيَّة الأولى، ممَّا يلزم قيام دينٍ جديدٍ مع بداية الألفيَّة الثانية. وفي شهر جُمادى الأولى 987هـ المُوافق فيه شهر حُزيران (يونيو) 1579م ترأَّس أكبر الصلاة محل الإمام في المسجد الجامع بِفاتح پور، وبعد أن فرغ من الصلاة قال: «الله أكبر» مُعلنًا بِذلك أنَّهُ مُشارك لِلطبيعة الإلٰهيَّة، ثُمَّ أعلن عصمته أمام الناس وطلب من جميع العُلماء والأُمَّة جمعاء أن يأتمُّوا بِهديه ورأيه، ومن لم يمتثل خسر أمواله ومُقتنياته، واستوجب الهلاك الأبدي، فالسُلطان هو نائب الله على الأرض ويُنبُوع النِّعم. سمَّى أكبر هذا الدين الجديد «الدين الإلٰهي» (بِالفارسيَّة: دین الهی؛ وبِالأرديَّة: دین الٰہی)، ودمج فيه بعض المبادئ الإسلاميَّة بِمُعتقداتٍ هندوسيَّة وبراهميَّة ومسيحيَّة ومجوسيَّة وجاينيَّة، فأعلن أنَّ الله واحدٌ أحد، وأوصى بِتقديس الشمس والنار كما الهندوس والمجوس، وأنكر الوحي والجن والملائكة والحشر والنشر وسائر المُغيَّبات، كما أنكر المُعجزات، وجوَّز التناسُخ وحرَّم ذبح البقر، وحلَّل أكل لحم الخنزير، وحرَّم عادة السُتي أي حرق الأرملة نفسها مع جُثَّة زوجها، وبدَّل شهادة «لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله» بِشهادة «لا إله إلَّا الله أكبر خليفة الله». وفي سنة 1582م فرض أكبر هذا الدين على الناس، فمنع رفع الآذان والصلاة في المساجد، وحثَّ أتباعه على هجر التقليد، ويعني به الإسلام، وأمر بِأن لا يُقرأ من العُلُوم بِالعربيَّة سوى الفلك والرياضيَّات والطب والفلسفة، ومنع الناس من إطلاق بعض الأسماء الإسلاميَّة على أولادهم مثل أحمد ومُحمَّد.