اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إن الإنسان بمقتضى طبعه لا يهمل أي شيء يتعلق به كائناً ما كان من دار عقار أو أهل وأولاد أو دراهم أو دنانير فلا يغفل عنها في حضوره وغيابه بل يهتم بها حتى بعد مماته فإذا أراد سفراً ولو قصيراً يكفل ويكلف أحداً موثوقاً لأن يتصدى لأمره المهتم به فلو ترك الأمر من دون تعيين من يقوم بما يلزم يعتبره العقلاء إما سفيهاً أو غير مهتم بأمره وكل منهما قبيح مستهجن. فالاهتمام بالمهام حقيقة هي من نواميس الكون بل هي مركوزة في كل من له تمييز، حتى الطفل يودع ألعابه حينما يمشي إلى حاجة عند أفراد أهله حتى يستلمها سليمة فإذا كان هذا شأن الأمانات المادية والأمور العادية فكيف بالأمانات الألهية التي تضمن السعادة الأبدية.
وهذا الأمر المركوز كان جارياً من بداية الخلق وأجراه الله تعالى قبل خلق الإنسان بقوله: ﴿و إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾(البقرة/30)و بعد الخلق بقوله: ﴿یا داود إنا جعلناک خلیفة في الأرض فاحکم بین الناس بالحق﴾(ص/26) وکذلک الأنبیاء أجروا هذا الأمر المرکوز واحداً بعد واحد فنری أن آدم قد أوصی إلی شیث، ونوح أوصی إلی سام، وإبراهیم إلی إسماعیل، وموسی إلی یوشع، وداود إلی سلیمان، وعیسی إلی شمعون، ونری أن موسی یغیب عن قومه ثلاثین أو أربعین یوما فیستخلف أخاه هارون في بنی إسرائیل، وذلک قوله تعالی: ﴿و قال موسی لأخیه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتبع سبیل المفسدین﴾(الاعراف/142)
ثم أنه لا یستثني من هذا المرکوز وأن شریعته أکمل الشرائع وآخرها فلا شریعة بعدها ولا نبي بعده وهو سینتقل إلی ضیافة ربه، فلو قلنا کما قیل إن رسول اللّه ما اختار بعده وصیاً ولکننا لأنفسنا اخترنا أما أسأنا إلیه؟بأنه ترک هذه السنة السنیة الإلهیة المعمولة لدی الأنبیاء وهو أفضلهم؟ أو أهمل هذا الأمر العرفي عند العقلاء وهو رئیسهم؟ أو ما اعتبرنا أنفسنا أحرص منه علی الأمر حیث نحن شعرنا بالحاجة إلی من یحفظ بساط الرسالة ویتولی أمر الأمة -كما نقل إن أبابكر وعمر لم يموتا حتى أوصيا بذلك- وهو مات من دون حرص علی دینه وأمته، فالعیاذ باللّه من هذه الإساءة.