اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إنجيل مرقس السري أو إنجيل مرقس الغامض ويعرف أيضًا باسم إنجيل مرقس المُطوَّل، هو إنجيل لم يتم الإشارة إليه سوى في رسالة دير مار سابا التي هي وثيقة هناك جدل حول موثوقيتها يُقال أن كاتبها هو إكليمندس الإسكندري (ح. 150-215م)، وقال فيها أنه إنجيل محاط بالسرية أطول من إنجيل مرقس القانوني المتداول. لم يبقَ لرسالة دير مار سابا سوى صور فوتوغرافية لنسخة مكتوبة بخط اليد باليونانية، على ما يبدو نُسخت في القرن الثامن عشر الميلادي على الصفحات الأخيرة لكتاب مطبوع في القرن السابع عشر الميلادي يحتوي على أعمال إغناطيوس.
في سنة 1958م، وجد مورتون سميث أستاذ التاريخ القديم في جامعة كولومبيا، رسالة لم تُعرف مُسبقًا لإكليمندس الإسكندري في دير مار سابا الواقع على بعد 20 كيلومتر جنوب شرق القدس. أعلن سميث رسميًا عن الاكتشاف سنة 1960م، ونشر دراسته للنص سنة 1973م. نُقِلَ المخطوط الأصلي لاحقًا إلى مكتبة كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس، وفي وقت ما بعد سنة 1990م، اختفى المخطوط. اعتمد البحث بعد هذا التاريخ على صور ونسخ للمخطوط الأصلي، بما في ذلك تلك التي التقطها سميث بنفسه.
كانت تلك الرسالة موجهة إلى شخص مجهول يدعى ثيودوروس، قال فيها إكليمندس عنه: «عندما مات بطرس شهيدًا، جاء مرقس [أي مرقس الرسول] إلى الإسكندرية، حاملاً ملاحظاته الخاصة وملاحظات بطرس، وكل ما هو مناسب للتقدم نحو المعرفة ونقلها إلى كتابه السابق [أي إنجيل مرقس]». وقال أيضًا إن مرقس ترك هذه النسخة الموسعة، المعروفة اليوم باسم الإنجيل السري لمرقس، "للكنيسة في الإسكندرية، حيث تُحرس بعناية حتى الآن، ولا يقرأها سوى المُطّلعين على الأسرار العظيمة". اقتبس إكليمندس مقطعين من هذا الإنجيل السري لمرقس، ورد في المقطع الأول أن يسوع أحيا شابًا غنيًا من الموت في بيت عنيا، وتتشابه هذه القصة في العديد من الجوانب مع قصة إحياء لعازر التي وردت في إنجيل يوحنا.
أثار الكشف عن الرسالة ضجة كبيرة في ذلك الوقت، ولكن سرعان ما قوبلت باتهامات بالتزوير والتضليل. على الرغم من أن معظم العلماء الذين تخصصوا في آبائيات إكليمندس اعتبروا الرسالة حقيقية، إلا أنه لا إجماع على أصالتها بين علماء الدراسات الكتابية، حيث انقسمت آراؤهم. ونظرًا لأن النص مكون من قسمين، فقد يكون كلاهما مزيفًا أو كلاهما أصليًا أو ربما أحدهما أصلي والآخر مزيف. أولئك الذين يعتقدون أن الرسالة مزيفة، يعتقدون في الغالب أنها زُيّفت حديثًا، ويلقون باللائمة غالبًا على مكتشفها مورتون سميث. وإن ثبُت أن الرسالة مزيفة حديثًا، فبالتالي فإن المقتطفات من هذا الإنجيل ستكون مزيفة أيضًا. قَبِل البعض الرسالة على أنها حقيقية، لكنهم لم يُصدّقوا رواية إكليمندس، وبدلاً من ذلك زعموا بأن هذا الإنجيل هو معارضة أدبية غنوصية ترجع للقرن الثاني الميلادي. بينما يعتقد البعض الآخر أن معلومات إكليمندس دقيقة، وأن الإنجيل السري هو نسخة ثانية من إنجيل مرقس وسّعها مرقس بنفسه. فيما لا يزال البعض الآخر يرى أن الإنجيل السري لمرقس هو الإنجيل الأصلي الذي سبق إنجيل مرقس الكُنسي، وأن إنجيل مرقس الكُنسي مختزل من إنجيل مرقس السري الذي استشهد إكليمندس به، وأن المقاطع الأخرى التي أُزيلت، إما أزالها مرقس بنفسه أو أزالها شخص آخر لاحقًا.
هناك جدل مستمر حول صحة رسالة مار سابا. انقسم المجتمع العلمي حول أصالة الرسالة، وبالتالي فإن النقاش لا يزال دائرًا حول إنجيل مرقس السري نظرًا لحالة من الشك حول وجوده.
خلال رحلته إلى الأردن وفلسطين وتركيا واليونان في صيف سنة 1958م من أجل اقتناء المخطوطات، زار مورتون سميث أيضًا دير مار سابا الخاص بالروم الأرثوذكس الواقع بين القدس والبحر الميت، بعدما سمح له البطريرك بنديكت الأول بطريرك القدس للروم الأرثوذكس بالإقامة به لثلاث أسابيع لدراسة مخطوطاته. وأثناء فهرسته للوثائق التي وجدها في مكتبة البرج الشمالي للدير، أعلن لاحقًا أنه اكتشف رسالة لم تكن معروفة مسبقًا كتبها إكليمندس الإسكندري اقتبس فيها إكليمندس مقطعين من نسخة قديمة مُطوّلة غير معروفة على ما يبدو من إنجيل مرقس، سمّاه سميث بعدئذٍ باسم “إنجيل مرقس السري”. نص الرسالة كان مخطوطًا باليد على الصفحات الأخيرة من نسخة إسحاق فوسيوس لأعمال إغناطيوس المطبوعة سنة 1646م. حملت تلك الرسالة منذئذ عدة أسماء منها رسالة مار سابا ورسالة إكليمندس والرسالة إلى ثيودوروس ورسالة إكليمندس إلى ثيودوروس.
ونظرًا لكون الكتاب "ملكًا لبطريركية الروم الأرثوذكس"، فقد التقط سميث على الفور بعض الصور بالأبيض والأسود للرسالة، وترك الكتاب حيث وجده في مكتبة البرج. أدرك سميث أنه لكي يثبت صحة الرسالة، فإنه بحاجة إلى مشاركة محتوياتها مع علماء آخرين. وفي ديسمبر 1958م، لكي يضمن عدم الكشف عن محتواها قبل الأوان، قدم نسخة من الرسالة مع ترجمة أولية إلى مكتبة الكونغرس.
بعد أن قضى سنتين في مقارنة أسلوب ومفردات وأفكار رسالة إكليمندس إلى ثيودوروس بالكتابات التي لا جدال في نسبتها إلى إكليمندس الإسكندري وبعد التشاور مع عدد من خبراء الكتابات القديمة الذين أرّخوا الكتابة اليدوية بأنها كُتبت في القرن الثامن عشر الميلادي، اكتسب سميث الثقة الكافية حول أصلية الرسالة، فأعلن عن اكتشافه في الاجتماع السنوي لجمعية الأدب الإنجيلي في ديسمبر 1960م. وفي السنوات التالية، أجرى سميث دراسة شاملة حول إنجيل مرقس وإكليمندس الإسكندري وخلفية الرسالة وعلاقتها بالمسيحية الأولى، وخلال تلك الفترة استشار العديد من الخبراء في المجالات ذات الصلة. وفي سنة 1966م، أنهى سميث دراسته الأساسية، لكنه لم ينشر دراسته التي كانت في شكل كتاب بحثي بعنوان "إكليمندس الإسكندري والإنجيل السري لمرقس" حتى سنة 1973م بسبب تأخره لسبع سنوات "في مرحلة الإعداد". نشر سميث في الكتاب مجموعة من الصور بالأبيض والأسود للنص. كما نشر في وقت سابق من العام نفسه، طبعة أخرى شعبية من الكتاب للجمهور.
لسنوات عديدة، كان هناك اعتقاد بأن سميث هو الوحيد الذي رأى المخطوطة. ومع ذلك، أعلن غي سترومسا سنة 2003م أنه رأى مع مجموعة من العلماء الآخرين المخطوطة سنة 1976م. ذهب سترومسا مع الأساتذة في الجامعة العبرية في القدس ديفيد فلوسر وشلومو باينز ورئيس الدير الأرثوذكسي اليوناني ميليتون إلى دير مار سابا للبحث عن الكتاب. وبمساعدة راهب في الدير، حدّدوا المكان الذي من المفترض أن سميث ترك فيه قبل 18 سنة الكتاب الذي به "رسالة إكليمندس مكتوبة على الصفحات الفارغة في نهاية الكتاب". قرر سترومسا وميليتون ورفقاؤهم أن المخطوطة ستكون أكثر أمانًا في القدس عنها في مار سابا. وأخذوا الكتاب معهم، على أن يعيده ميليتون إلى مكتبة البطريركية. تطلّعت المجموعة لاختبار الحبر، ولكن كان الكيان الوحيد في المنطقة الذي يمتلك تلك التقنية هو شرطة القدس. لم يرغب ميليتون في ترك المخطوطة مع الشرطة، لذا لم يتم إجراء أي اختبار. نشر سترومسا روايته بعد علمه بأنه "آخر عالم غربي [معروف] حي" شاهد الرسالة.
كشفت الأبحاث اللاحقة المزيد حول المخطوطة. حوالي سنة 1977م، قام أمين المكتبة الأب كاليستوس دورفاس بإزالة الصفحتين اللتين احتوتا على النص من الكتاب بغرض تصويرهما وإعادة فهرستهما. ولكن من الواضح أن إعادة الفهرسة لم تحدث قط. لاحقًا، أخبر دورفاس كل من تشارلز هيدريك ونيكولاوس أوليمبيو أنه احتفظ بالصفحات بشكل منفصل إلى جانب الكتاب على الأقل حتى تقاعده سنة 1990م. ولكن في وقت ما بعد ذلك، فُقدت الصفحات، ولم تنجح المحاولات المختلفة للعثور عليها منذ ذلك الحين. يعتقد أولمبيو أن أفراد في مكتبة البطريركية أخفوا الصفحات بسبب تفسيرات مورتون سميث للنص أو ربما أُتلفت الصفحات أو وضعت في غير مكانها. قدّم كاليستوس دورفاس صورًا ملونة للمخطوطة لأوليمبيو، ونشرها هيدريك وأولمبيو في The Fourth R سنة 2000م.
التقطت تلك الصور الملونة سنة 1983م على يد دورفاس في استوديو تصوير، بترتيب وعلى حساب كوينتين كيسنيل. وفي يونيو 1983، حصل كيسنيل على إذن لدراسة المخطوطة في المكتبة لعدة أيام لا تتجاوز ثلاثة أسابيع تحت إشراف دورفاس. كان كيسنيل "أول عالم يشتبه رسميًا أن وثيقة مار سابا قد تكون مزورة" وأنه "ينتقد بشدة" سميث، خاصة أنه لم يجعل الوثيقة متاحة لأقرانه، ولتقديمه مثل هذه الصور منخفضة الجودة. ومع ذلك، لم يخبر كيسنيل أقرانه أنه قام أيضًا بفحص المخطوطة ولم يعلن عن وجود هذه الصور الملونة عالية الجودة للرسالة في منزله بالفعل سنة 1983م. بل إن هيدريك وأولمبيو اللذان نشرا الصور نفسها سنة 2000م من النسخة التي احتفظ بها دورفاس لنفسه، لم يكونوا على علم بذلك. لم يكن المجتمع العلمي على علم بزيارة كيسنيل للدير حتى سنة 2007م إلا بعدما ذكر أديلا ياربرو كولينز أنه سُمح له لفترة وجيزة بالنظر إلى المخطوطة في أوائل الثمانينيات. وبعد بضع سنوات من وفاة كينسيل سنة 2012م، سُمح للعلماء بالإطلاع على ملاحظات رحلته إلى القدس. وذكر هؤلاء العلماء أن كيسنيل كان في البداية واثقًا من أنه سيكون قادرًا على إثبات أن الوثيقة مزورة. ولكن في الوقت الذي وجد فيه شيئًا كان يعتقد أنه مشبوهًا، قدّم له دورفاس (الذي كان واثقًا من أن الخط أصلي من القرن الثامن عشر الميلادي) خطًا آخر من القرن الثامن عشر الميلادي يحمل خصائص مماثلة. مما دفع كينسيل للاعتراف أنه نظرًا لأنه "ليس كل النصوص مزورة"، فلن يكون من السهل إثبات أن النص مزور كما كان يتوقع. وفي النهاية، تخلى عن محاولاته وكتب أنه يجب استشارة الخبراء.
منذ سنة 2019م، مكان المخطوطة مجهول، ولم تُوثَّق إلا من خلال مجموعتي الصور: مجموعة سميث، وهي بالأسود والأبيض والتقطت في سنة 1958م، والمجموعة الملونة وأخذت في سنة 1983م. لم يُفحص الحبر والألياف أبدًا.
أُرسلت رسالة مار سابا إلى رجل يدعى ثيودوروس وفقاً لما ورد متنها الذي يبدو أنه قد سأل ما إذا كان إنجيل مرقس احتوى على عبارات “رجل عاري مع رجل عاري” (بالعامية اليونانية: γυμνὸς γυμνῷ, gymnos gymnō) و“أشياء أخرى”. أكد إكليمندس في الرسالة أن مرقس كتب نسخة ثانية أطول أكثر غموضًا وروحانية من إنجيله، وأن هذه النسخة “محفوظة بعناية شديدة” في كنيسة الإسكندرية، ولكنها لا تحتوي على تلك العبارات. اتهم إكليمندس المعلم المبتدع كاربوقراطيس بالحصول على نسخة من إنجيل مرقس السري عن طريق الخداع، ومن ثَمّ لوثها بـ“أكاذيب مخزية”. وليدحض تعاليم طائفة الكاربوقراطيين الغنوصية، المعروفين بتحررهم الجنسي، وليثبت أن تلك العبارات ليست في نص إنجيل مرقس السري؛ اقتبس إكليمندس اقتباسين منه.
كان هناك بالتالي ثلاث نسخ من إنجيل مرقس عرفها إكليمندس، مرقس الأصلي ومرقس السري ومرقس الكاربوقراطي. وصف إكليمندس الإنجيل السري بأنه نسخة ثانية “أكثر روحانية” من إنجيل مرقس ألفها مرقس الرسول بنفسه. اشتُق الاسم من ترجمة سميث لعبارة “mystikon euangelion”. ورغم ذلك، أشار إكليمندس ببساطة لهذا الإنجيل بقوله الإنجيل الذي كتبه مرقس. ولكي يُميّز بين نسختي إنجيل مرقس الأطول والأقصر، أشار مرتين للنسخة غير القانونية بعبارة “mystikon euangelion” (ويقصد بها إما أنه إنجيل سري تم إخفاء وجوده، أو أنه إنجيل غامض “يتعلق بالأسرار” له معانٍ خفية)، وبنفس الطريقة أشار إلى أنه “إنجيل أكثر روحانية”. “بالنسبة إلى إكليمندس، كلتا النسختان هما إنجيل مرقس”. من المفترض أن الهدف من هذا الإنجيل حثّ المؤمنين المسيحيين على المعرفة (غنوسيس)، ويقال أنه كان يُستخدَم في الشعائر الدينية في الإسكندرية.
تضمنت الرسالة على مقتطفتين من الإنجيل السري. يقول إكليمندس أن المقطع الأول أدخل في الإصحاح العاشر من إنجيل مرقس بين الآيتين 34-35؛ بعد الفقرة التي تنبّأ فيها يسوع في رحلته إلى أورشليم مع التلاميذ للمرة الثالثة بموته، الآية 35 التي طلب فيها تلميذيه يعقوب ويوحنا ابني زبدي من يسوع أن يمنحهم الشرف والمجد. ويظهر في هذا المقطع الكثير من أوجه التشابه مع القصة التي وردت في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل يوحنا التي أحيا فيها يسوع لعازر من بين الأموات. نقل إكليمندس المقطع كلمة بكلمة:
أما المقطع الثاني، فكان موجزًا للغاية ومدمجًا في الآية 46 من الإصحاح العاشر من إنجيل مرقس. بحسب إكليمندس جاء هذا المقطع بعد كلمات، "وجاءوا إلى أريحا"، وقبل "وفيما هو خارج من أريحا" أضاف الإنجيل السري:
وأضاف كليمنت: "لكن الأشياء الأخرى الكثيرة التي ذكرتها عنه تبدو وكأنها مزيفة." كما لو كان إكليمندس على وشك تقديم تفسير حقيقي للمقاطع، لكن انتهت الرسالة.
يعد هذان المقطعان الوحيدان المعروفان من نص هذا الإنجيل السري. ولا يوجد نص معروف باقٍ لهذا الإنجيل، كما لم يُشر إليه أي مصدر قديم آخر. وجد بعض العلماء أنه من المريب أنه لا وجود لنص مسيحي أصلي قديم إلا في مخطوطة واحدة عُرفت حديثًا. ومع ذلك، لم يكن ذلك بالأمر الجديد.
لا يوجد إجماع بين العلماء حول صحة الرسالة، على الأقل لأنه لم يتم اختبار حبر المخطوط أبدًا. في البداية، لم تكن أصلية الرسالة محل شك، واتفق المراجعون الأوائل لكتب سميث عمومًا على أن الرسالة كانت حقيقية. ولكن سرعان ما ظهرت الشكوك وحظيت الرسالة بسمعة سيئة، وخاصة "لأنها كانت متداخلة" مع تفسيرات سميث الخاصة. ومن خلال التحقيقات اللغوية التفصيلية، زعم سميث أنه من المحتمل أن تكون رسالة حقيقية من إكليمندس. وأوضح أن الاقتباسين يعودان إلى نسخة آرامية أصلية من إنجيل مرقس، كانت بمثابة مصدر لكل من إنجيلي مرقس ويوحنا. كما زعم سميث بأن الحركة المسيحية بدأت كدين سري يبدأ بطقوس المعمودية، وأن يسوع التاريخي كان كاهنًا تلبّسته الروح، وكان أكثر ما أزعج المراجعين لكتب سميث فرضيته العابرة بأن طقوس المعمودية التي يؤديها يسوع لتلاميذه ربما وصلت لمرحلة الاتحاد المادي.
في المرحلة الأولى، كان يُعتقد أن الرسالة حقيقية، بينما كان يُنظر إلى إنجيل مرقس السري غالبًا على أنه نموذج لإنجيل منحول من القرن الثاني الميلادي منبثق من الروايات القانونية. تشكّلت أول نظرية معارضة أدبية لذلك الرأي على يد فريدريك بروس سنة 1974م، الذي رأى قصة شاب بيت عنيا خرقاء وتعتمد بالأساس على قصة إحياء لعازر المذكورة في إنجيل يوحنا. وبالتالي، رأى رواية إنجيل مرقس السري مشتقة، واستبعد أن تكون إما مصدر قصة لعازر أو أنها قصة مشابهة مستقلة. أما ريموند براون فقد توصل إلى استنتاج في سنة 1974م مفاده أن مؤلف إنجيل مرقس السري "ربما يكون قد اعتمد على" إنجيل يوحنا، "على الأقل من الذاكرة". أيد باتريك سكيهان هذا الرأي، ووصف مسألة الاعتماد على إنجيل يوحنا بأنها "لا لبس فيها". بينما اعتقد روبرت غرانت أن سميث قد أثبت بالتأكيد أن الرسالة كتبها إكليمندس، ولكنه قال بأنه هناك ملامح في إنجيل مرقس السري ترتبط بكل الأناجيل الكنسية الأربعة، وتوصل إلى استنتاج مفاده أنه كُتب بعد القرن الأول الميلادي. كما استنتج هيلموت ميركل أستاذ الأديان في جامعة أوسنابروك أن إنجيل مرقس السري اعتمد على الأناجيل الكنسية الأربعة بعدما حلّل العبارات اليونانية الرئيسية في النص، وأنه حتى ما إذا كانت الرسالة أصلية، فإنها لا تخبرنا أكثر من وجود نسخة موسعة من إنجيل مرقس في الإسكندرية سنة 170م. وزعم البلجيكي فرانس نيرينك أستاذ الأديان في جامعة مونستر سنة 1979م أن إنجيل مرقس السري افترض ضمنيًا مسبقًا وجود الأناجيل الكنسية. وفي سنة 1996م، كتب نيكولاس رايت أن معظم العلماء الذين اعتبروا النص أصليًا، يروا في إنجيل مرقس السري "تكيفًا لاحقًا لمرقس إلى حد كبير مع التوجهات الغنوصية".
ومع ذلك، يرى عدد مساوٍ تقريبًا من العلماء أن إنجيل مرقس السري "عملاً ملفّقًا لا يستحق العناء"، يحتوي على قصة شفاء تتشابه تمامًا مع قصص المعجزات الأخرى في الأناجيل الإزائية؛ وهي القصة التي استرسلت بسلاسة دون روابط تقريبية أو تناقضات واضحة كما في قصة إحياء لعازر في إنجيل يوحنا. وكما اعتقد سميث، اعتقد هؤلاء أنه في الغالب استندت القصة على رواية إنجيلية شفاهية، وإن كانوا رفضوا بشكل قاطع فكرته حول الأصل الآرامي لهذا الإنجيل.
في سنة 1975م، كان كوينتين كيسنيل (1927-2012) أول من من شكّك في أصلية رسالة مار سابا. كان المبدأ الرئيس الذي اعتمد عليه كينسيل في مزاعمه، أنه كان من الأولى فحص المخطوط قبل الإعلان عن أصليته، وافترض أنها خُدعة حديثة. وقال بأن الفهرس الأبجدي الذي نشره أوتو ستاهلين سنة 1936م لأسلوب إكليمندس الكتابي، سيجعل من الممكن تقليد أسلوب إكليمندس، أي أنه إن كانت الرسالة مزيفة، فستكون قد زُيّفت بعد سنة 1936م. وفي اليوم الأخير لإقامته في دير مار سابا، وجد سميث فهرسًا يرجع لسنة 1910م، ويحتوي على قائمة بها 191 كتاب، ليس من بينها كتاب فوسيوس. زعم كيسنيل وآخرون أن تلك المعلومة تدعم الفرضية القائلة بأن الكتاب لم يكن أبدًا جزءً من مكتبة مار سابا، ولكن شخص ما أحضره من الخارج، سميث مثلًا، وفيه الصفحتين المخطوطتين. ولكن هذا الرأي تم الطعن فيه، حيث وجد سميث مثلًا نحو 500 كتاب أثناء إقامته بالدير، لذا، فالقائمة كانت بعيدة عن الاكتمال، كما زعم سميث أن عدم اكتمال القائمة لا تُعد دليلًا يؤيد عدم تواجد الكتاب في الوقت الذي كُتب فيه الفهرس.
على الرغم من أن كينسيل لم يتهم مورتون سميث بتزوير الرسالة، وإن كان “التزوير المفترض يتوافق مع قدرات وفُرص وحافز سميث”، رأى قراء مقالة كينسيل وكما رأى سميث نفسه أن في ذلك اتهام لسميث بأنه الجاني. منذ اكتشاف المخطوطة وحتى ذاك الوقت، لم يطلع أحد على المخطوطة إلا سميث، مما دعا بعض العلماء للقول بأنه ليس هناك مخطوطة بالأساس.
ساند تشارلز مورغيا إدعاءات كيسنيل بالتزوير لالمزيد من المزاعم، مثل لفت الانتباه إلى حقيقة أن المخطوطة لا تحتوي على أخطاء كتابية خطيرة، يمكن توقُّعها نتيجة نسخ النص القديم عدة مرات، وأن نسبة النص لإكليمندس كان بمثابة "ختم الأصالة"، إن تسائل القراء لماذا لم يُسمع عن إنجيل مرقس السري مطلقًا من قبل. كما وجد مورغيا أن في حث إكليمندس لثيودوروس على أنه لا ينبغي أن يعترف للكاربوقراطيين "بوجود إنجيل مرقس السري، بل وحتى يُقسم على عدم وجوده"، أمر مضحك، فلا فائدة من "حث شخص ما على ارتكاب شهادة الزور للحفاظ على سرية شيء أنت بصدد الكشف عنه". وفي وقت لاحق، عزّز جوناثان كلاوانز أستاذ الأديان في جامعة بوسطن، الذي كان يعتقد أن الرسالة مشبوهة ولكنها قد تكون أصلية، زعم مورغيا بقوله أنه إذا كان إكليمندس قد حث ثيودوروس على الكذب على الكاربوقراطيين، لكان من الأولى عليه اتباع "نصيحته الخاصة" وكذب على ثيودوروس نفسه. ومع ذلك، يرى سكوت غريغوري براون المتخصص في أصول المسيحية، أن هذه الحجة مردودة لأنه لا فائدة من إنكار وجود إنجيل خاص بالكاربوقراطيين.
في البداية، أبدى سميث بعض الاهتمام بمزاعم مورغيا، إلا أنه رفضها لاحقًا بحُجّة أنها تستند إلى قراءة خاطئة، وقال أن مورغيا "وقع في بعض الأخطاء الحقيقية". وعلى الرغم من أن المزيفين يستخدمون تقنية "وصف المظهر والتأكيد على الأصالة" لإثبات مصداقية ما زيّفوه، إلا أنه غالبًا ما يستخدم نفس الأسلوب لتقديم مواد لم يسمع بها من قبل. كما أنه وعلى الرغم من عدم بقاء أيٌّ من رسائل إكليمندس الأخرى الآن، إلا أنه كانت هناك مجموعة من 21 رسالة على الأقل في دير مار سابا في القرن الثامن الميلادي عندما كان يوحنا الدمشقي يعمل هناك لأكثر من 30 سنة ح. 716 – ح. 749م، واقتبس منها. في أوائل القرن الثامن عشر الميلادي، شبّ حريق كبير في دير مار سابا أحرق كهفًا كان يتم فيه تخزين عدد من أقدم المخطوطات. افترض سميث أنه ربما نجى جزء من رسالة إكليمندس الحريق، ومن ثَمّ نسخها راهب على الصفحات الأخيرة لنسخة الدير من رسائل إغناطيوس من أجل الحفاظ عليها. زعم سميث أن هناك تفسير بسيط للأمر هو أن النص "نُسخ من مخطوط ظل لألف سنة أو أكثر في دير مار سابا، ولم يُسمع به من قبل أبدًا لأنه لم يخرج من الدير أبدًا".
على أي حال، استبعد مورغيا احتمال أن سميث زوّر الرسالة نظرًا لأن سميث لم تكن له دراية كافية باليونانية، ولا يوجد في كتابه ما يشير إلى الاحتيال. ويبدو أن مورغيا اعتقد بأن الرسالة زُوّرت في القرن الثامن عشر الميلادي.
اعترض مورتون سميث على التلميحات بأنه زوّر الرسالة، عن طريق وصفه لمقال كيسنيل الذي كتبه سنة 1975م بالهجوم. وعندما نشر المؤرخ السويدي بير بيسكو الترجمة الإنجليزية لكتابه حكايات غريبة عن يسوع سنة 1983م، وهو الكتاب الذي نشره في البداية بالسويدية سنة 1979م، والذي قال فيه أنه هناك أسباب تدعوا للتشكيك في صحة الرسالة، انزعج سميث وهدّد بمقاضاة دار نشر النسخة الإنجليزية بالتعويض بمليون دولار. مما دفع الدار لسحب الكتاب من الأسواق، وأصدروا نسخة جديدة سنة 1985م، أزالوا فيها المقاطع التي اعترض عليها سميث، كما أكد بيسكو أنه لم يتهم سميث بالتزوير. وعلى الرغم من تشكك بيسكو حول صحة الرسالة، فضّل بيسكو “أن يعتبر ذلك سؤالًا مفتوحًا”.
لخّص مورتون سميث الحال في مقالة نشرها سنة 1982م، قائلاً: “ينسب معظم العلماء الرسالة لإكليمندس”، وأنه ليس هناك مزاعم قوية تؤيد عدم وجودها. أما نسبة هذا الإنجيل إلى مرقس، فقد “رُفض عالميًا”، وكان الرأي السائد أن هذا الإنجيل ما هو إلا “معارضة أدبية للأناجيل القانونية” كُتبت في القرن الثاني الميلادي.
وبعد تلخيص سميث للحالة، أيد عدد من العلماء فكرة أسبقية إنجيل مرقس السري. فقد زعم رون كاميرون سنة 1982م وهيلموت كويستر سنة 1990م أن إنجيل مرقس السري سبق إنجيل مرقس القانوني، الذي ما هو إلا اختصار لإنجيل مرقس السري. أيد هانز-مارتن شنيك نظرية كويستر، ولكن مع بعض التعديلات، كذلك قدّم جون دومينيك كروسان إلى حد ما “فرضية عمل” مماثلة لفرضية كويستر، فقال: “إنني اعتبر إنجيل مرقس القانوني ما هو إلا مراجعة متأنية للغاية لإنجيل مرقس السري.” كما ضمّن مارفن ماير إنجيل مرقس السري في محاولته إعادة بناء إنجيل مرقس الأصلي.
أصبحت ادعاءات تزوير سميث لمخطوط دير مار سابا أكثر علانيةً بعد وفاته سنة 1991م. كان جاكوب نوسنر المتخصص في اليهودية القديمة، تلميذًا ومعجبًا بسميث، لكنه انقلب عليه سنة 1984م بعدما وقع الخلاف بينهما علانية بعد أن أنكر سميث كفاءة تلميذه السابق أكاديميًا علانيةً. وصف نوسنر إنجيل مرقس السري بأنه “تزييف القرن”. ومع ذلك، لم يقم نوسنر أبدًا بكتابة أي تحليل مفصل لإنجيل مرقس السري أو حتى تفسيرًا لسبب اعتقاده أنه كان تزويرًا.
اعتقد معظم العلماء الذين “درسوا الرسالة وكتبوا عن الموضوع” أن الرسالة كتبها إكليمندس. كما اعتقد معظم علماء الآبائيات أن اللغة تتطابق مع لغة إكليمندس، وكذلك الأسلوب والمادة تبدوان كما لو كان هو كاتبها. وفي مقاله “التحليل الرسولي الأول لرسالة إكليمندس إلى ثيودوروس”، أوضح جيف جاي أن الرسالة “تتوافق في الشكل والمحتوى مع الرسائل القديمة التي تناولت ظروفًا مشابهة”، وأنه “من المعقول أنها كُتبت في القرن الثاني الميلادي أو أوائل القرن الثالث الميلادي”. وزعم أن الأمر سيتطلب مزوّرًا ذو معرفة خارقة حتى يُزوّر رسالة كهذه. وبشكل عام، اتفق العلماء الذين درسوا أعمال إكليمندس على صحة الرسالة، وفي سنة 1980م، تم تضمينها في فهرس أعمال إكليمندس الأصلية المعترف بها، وإن كان ملخص الفهرس وقتها قال بأنها مُدرجة مؤقتًا.
في سنة 1995م، أجرى أندرو كريدل دراسة إحصائية لرسالة إكليمندس إلى ثيودوروس لمساعدة أوتو ستاهلين في فهرسة أعمال إكليمندس. ووفقًا لكريدل، فقد احتوت الرسالة على العديد من الألفاظ الفريدة التي استخدمها إكليمندس مرة واحدة فقط، مقارنة بالكلمات التي لم يسبق لإكليمندس أن استخدمها، وزعم كريدل أن ذلك يُظهر أن المزور “جمع العديد من الكلمات والعبارات النادرة” التي وردت في كتابات إكليمندس الأصلية أكثر مما كان إكليمندس يفعل. إلا أن الدراسة تعرضت للانتقاد لتركيزها على “كلمات إكليمندس الأقل تفضيلًا” وللمنهج الذي سلكه والذي أفقده “القدرة على تحديد المؤلف”. فمثلاً عند تطبيق نفس المنهج على كتابات وليم شكسبير، سنجد أنه أثبت نسبة ثلاثة من أصل سبعة قصائد إليه.
في سنة 2001م، لفت فيليب جنكينز الانتباه إلى رواية جيمس هنتر التي عنوانها "لغز دير مار سابا"، التي نُشرت للمرة الأولى سنة 1940م، ولاقت رواجًا وقتئذ. رأى جنكينز تشابهًا غير عاديًا بينها وبين رسالة إكليمندس لثيودوروس ووصف سميث لكيفية اكتشافه لها سنة 1958م، لكنه لم يقل صراحةً أن الرواية ألهمت سميث بتزوير النص. لاحقًا، وضع روبرت برايس وفرانسيس واتسون وكريغ إيفانز نظرية تقول بأن الرواية ألهمت مورتون سميث لتزوير الرسالة. اعترض سكوت براون وآخرون على هذه الفرضية، وكتب يقول بغضّ النظر عن أنه “عالم اكتشف مخطوطة مسيحية قديمة لم تكن معروفة من قبل في دير مار سابا، إلا أنه هناك عدد قليل من التشابهات” – وردًا على إيفانز، وجد سكوت براون وآلان بانتوك تشابهًا محيّرًا بين الاسم الأخير لمحقق سكوتلاند يارد لورد مورتون والاسم الأول لمورتون سميث، وهو الاسم الذي كان مورتون سميث يحمله قبل كتابة الرواية بوقت طويل. وجد فرانسيس واتسون التشابهات مقنعة للغاية للاعتقاد بأن “مسألة التبعية لا يمكن تجاوزها”، بينما اعتقد خافيير مارتينيث أن مسألة التزوير محل نقاش، واعتبر مسألة إلهام رواية هنتر لسميث لكي يزور النص مسألة غريبة. وتسائل لماذا استغرق الأمر أربعة عقود بعد أن احتلت قصة اكتشاف سميث الصفحة الأولى من نيويورك تايمز قبل أن يدرك أحدهم أن هذه الرواية الشهيرة كانت مصدر إلهام سميث. وجد مارتينيث أن طرق واتسون التي توصل بها إلى استنتاجه أنه “ليس هناك بديل عن الاستنتاج أن سميث اعتمد على” رواية لغز دير مار سابا، اختارها لكي تكون “أكثر واقعية كعمل علمي”. أما تيمو بانانين فقد أكد أنه لا إيفانز ولا واتسون وضّحا المعايير التي استخدموها لإثبات أن هذه التشابهات الخاصة “مذهلة، من حيث المادة أو اللغة”، وأنهم قلّلوا صرامة المعايير التي كانوا سيستخدموها للحكم على الاستقلالية في حالات أخرى”.
هناك حقيقة ظلت لسنوات، أنه لم ير أحد من العلماء باستثناء سميث المخطوطة التي افتُرض أنها مزيفة. ولكن مع نشر صور ملونة للمخطوطة سنة 2000م، تبددت تلك الفرضية، بالإضافة إلى الإعلان في سنة 2003م عن مشاهدة غي سترومسا وآخرين للمخطوطة سنة 1976م. وتعقيبًا على فكرة أن سميث منع علماء آخرين من فحص المخطوطة، أشار سكوت براون أنه لم تكن لديه السلطة لفعل ذلك. وأن المخطوطة كانت لا تزال في محلها حيث وجدها سترومسا ورفقائه بعد ثمانية عشر سنة، وأنها لم تختف إلا بعد سنوات من نقلها للقدس، وفصلها عن الكتاب. يقول تشارلز هيدريك أنه إذا كان هناك من يجب إلقاء اللوم عليه لفقدان المخطوطة، فهم “المسئولين عن كنيسة الروم الأرثوذكس في القدس”، حيث أنها فُقدت وهي في عهدتهم.
في سنة 2003م، عبر تشارلز هيدريك عن إحباطه من الجمود الأكاديمي حول مسألة صحة النص، على الرغم من أن العلماء الذين تخصصوا في رسائل إكليمندس توافقوا عمومًا على أصلية الرسالة. وفي السنة نفسها، ذكر بارت إيرمان أن الوضع لا يزال كما لخصه سميث سنة 1982م، أي أن غالبية العلماء اعتبروا الرسالة صحيحة، “وربما بأغلبية ضئيلة اتفقوا على أن الاقتباسات من إنجيل مرقس السري مقتبسة بالأساس من إنجيل مرقس القانوني”
ويمكن تحديد معسكرين أحدهما ينتمي إليه لاري هورتادو الذي يرى أنه “لا يوصي بالثقة المطلقة في وجود إنجيل مرقس السري” حيث أن الرسالة “التي ذكرته قد تكون ملفقة”، وحتى إن كانت أصلية، فإن إنجيل مرقس السري “قد يكون في الغالب قديمًا، ولكنه نسخة ثانوية من إنجيل مرقس القانوني أنتجتها جماعة ما في القرن الثاني الميلادي من أجل تعزيز مصالحها الخفية”، ويؤيد ذلك فرانسيس واتسون الذي يأمل ويتوقع أن يتم تجاهل إنجيل مرقس السري إطراديًا بين العلماء لتجنب “أن يتم إفساد أعمالهم لارتباطهم به”. أما المعسكر الآخر فينتمي إليه مارفن ماير الذي افترض أن الرسالة أصلية، وكتب عدة مقالات منذ سنة 1983م، استخدم إنجيل مرقس السري في محاولاته استعادة النص الأصلي لإنجيل مرقس، خاصة قصة الرجل الشاب (neaniskos) “كنموذج للتلميذ”، ويؤيده إيكهارد راو الذي زعم أنه طالما لم يتم فحص المخطوط ماديًا، فإنه من غير الممكن تقديم أي حجج جديدة حول أصلية المخطوط، ومن الحكمة، على الرغم من أن ذلك لا يخلو من المخاطرة، تفسير النص على أن منشأه المحيطين بإكليمندس الإسكندري.
اشتد الجدل بعد نشر ثلاث كتب جديدة. كانت أطروحة سكوت براون المنقحة للدكتوراه إنجيل مرقس الآخر حتى سنة 2005م، أول أفرودة تناولت فقط إنجيل مرقس السري منذ كتاب سميث الصادر سنة 1973م. زعم براون أن كل من الرسالة والإنجيل السري حقيقيان. وفي السنة نفسها، نشر ستيفن كارلسون كتاب خدعة الإنجيل حيث أوضح فكرته بأن مورتون سميث نفسه هو مؤلف وناسخ مخطوطة دير مار سابا. وفي سنة 2007م، نشر عالم الموسيقا بيتر جيفري كشف نقاب إنجيل مرقس السري، الذي اتهم فيه مورتون سميث بتزوير الرسالة.
في كتاب إنجيل مرقس الآخر الصادر سنة 2005م، تحدّى سكوت براون “جميع التصريحات والحجج السابقة التي قدمت ضد صحة الرسالة” وانتقد العلماء القائلين بأن الرسالة مزورة لعدم تقديمهم إثبات على صحة إدعاءاتهم، ولعدم تمييزهم بين الرسالة وتفسير سميث الخاص لها. إدعى براون أن سميث لم يكن في قدرته تزوير الرسالة لأنه لم يفهمها جيدًا “بما يكفي ليؤلفها”. كما انتقد براون نظرية المعارضة الأدبية التي بموجبها فإن إنجيل مرقس السري تم تأليفه من خليط من عبارات بالأخص من الأناجيل الإزائية، لكونها متضاربة، ومتعذّر ضبطها على منوال واحد و“معقدة بشكل غير واقعي”. وفقًا لبراون، فإن معظم التشابهات بين إنجيل مرقس السري وإنجيل متى وإنجيل لوقا “غامضة أو تافهة أو بها مشاكل في الصياغة”. الوحيد الذي يتشابه معه إلى حد بعيد هو إنجيل مرقس القانوني، ولكن إحدى سمات أسلوب مرقس هو “تكراره لعبارات محددة”، ولا يجد براون شيئًا مريبًا في حقيقة أن النسخة الأطول من إنجيل مرقس تحتوي على “عبارات مرقسية وعناصره الروائية”. كما اكتشف براون عددًا من الخصائص الأدبية لأسلوب مرقس في الإنجيل السري مثل الأصداء اللفظية والمتقابلات والأُطُر القصصية، وتوصل لاستنتاج مفاده أن مؤلف إنجيل مرقس السري “كتابته تشبه كتابة مرقس إلى حد بعيد يمكن أن يجعله مرقس نفسه”، وأنه “كاتب الإنجيل القانوني”.
في كتابه خدعة الإنجيل الصادر سنة 2005م زعم ستيفن كارلسون أن رسالة إكليمندس إلى ثيودوروس مزورة، ولا أحد غير مورتون سميث بإمكانه تزويرها، حيث كانت لديه “الوسائل والدافع والفرصة” لتحقيق ذلك. إدعى كارلسون أنه حدّد أشياءً هزلية مخفية تركها سميث في الرسالة والتي أظهرت له أن سميث خادع وصنع الرسالة. حدّد كارلسون اثنتين منها: الأول الإشارة إلى الملح الذي “يفقد خواصه”، وفقًا لكارلسون فقد غشّ سميث في النص، فالملح السائب الذي يُصنع بمساعدة عامل مضاد للتكتل ما هو إلا “اختراع حديث” اخترعه موظف في شركة مورتون للملح – وهو دليل تركه مورتون سميث يقود إليه؛ أما الثاني أن سميث حدّد خط يد لرسالة إكليمندس “من خلال تقليد خط يد من القرن الثامن عشر في كتاب آخر، ونسبه إلى شخص مستعار اسمه ‘M. Madiotes’ [Μ. Μαδιότης]، الذي اسمه هو شفرة تشير إلى سميث نفسه”. الحرف "M" يرمز إلى مورتون، والاسم "Madiotes" مشتق من الفعل اليوناني μαδω (madō) الذي يعني “يفقد شعره” والذي يرمز “للغش” – والغشاش الأصلع هو مورتون سميث الأصلع. وعندما فحص النسخ المطبوعة من الرسالة في النسخة الأكاديمية من كتاب سميث، قال بأنه لاحظ “رعشة مزور”. وبالتالي، استنتج كارلسون أن الحروف ليست مكتوبة، وإنما هي مرسومة بقلم حبر وبخطوط مهزوزة مع رفع القلم عن الورقة من آن لآخر. بعد كتاب كارلسون، أصبح العديد من العلماء مقتنعين بأن الرسالة مزيفة حديثًا، كما غيّر عددًا ممن كانوا يدافعون عن سميث مواقفهم. كما توصل كريغ إيفانز إلى اعتقاد بأن “رسالة إكليمندس والاقتباسات من إنجيل مرقس السري المضمنة فيها هي خُدعة حديثة، ومن المؤكد أن مورتون سميث مخادع”.
ومع ذلك، عارضت العديد من المقالات نظريات كارلسون علميًا، خاصة مقالات سكوت براون. كتب براون أن دليل مصنع مورتون للملح “هو سلسلة طويلة من الأخطاء” وأن “الرسالة لا تشير في أي موضع إلى فساد الملح” – فقط ذكرت أن “الأشياء الحقيقية” فسدت. وبعد أن اطلعا على الصورة الأصلية غير المقصوصة، أوضح آلان بانتوك وسكوت براون أن النص الذي ظنّ كارلسون أن كاتبه M. Madiotes في الواقع كاتبه شخص آخر في القرن الثامن عشر الميلادي، ولا يمت لرسالة إكليمندس إلى ثيودوروس بصلة؛ وأن سميث لم ينسب هذه الكتابة إلى شخص اسمه M. Madiotes (M. Μαδιότης)، وبالتالي عدّل كارلسون الاسم لاحقًا من Madiotes إلى Madeotas (Μαδεότας) الذي ربما هو Modestos (Μοδέστος)، الذي هو اسم شائع في دير مار سابا.
وفيما يخص مسألة الكتابة اليدوية، يعتقد روجر فيكلوند وتيمو بانانين أن “كل علامات التزوير التي ذكرها كارلسون في تحليله للكتابة اليدوية”، مثل “رعشة المزور”، تظهر فقط في التي استخدمها كارلسون لتحليل الكتابة اليدوية. وأن كارلسون اختار “استخدام النسخ الملونة في [كتاب سميث] إكليمندس السكندري وإنجيل مرقس السري” حيث طُبعت الصور على شاشة نقطية خطية. إذا تم “تكبير الصور إلى الحد اللازم لفحص الوثيقة بالدلائل”، فستكون مصفوفة النقاط مرئية ولن تظهر الأحرف “بشكل سلس”. وأنه بمجرد استبدال الصور المطبوعة بالصور الأصلية، فستختفي أيضًا علامات الرعشة الكتابية.
في ندوة الأبوكريفا المسيحية الأولى حول إنجيل مرقس السري، المعقودة في كندا سنة 2011م، لم يُناقش سوى قدر قليل من أدلة كارلسون. وحتى بيرلويجي بيوفانيللي – الذي كان يعتقد أن سميث فعل تزويرُا معقّدًا – كتب يقول في الحقيقة “معظم إدعاءات كارلسون” رفضها براون وبانتوك بشكل مقنع وأنه “لا شيء مُبطن” في الرسالة “يدعو للدفاع عن فرضية كارلسون حول الخداع الشديد”.
في كتاب كشف نقاب إنجيل مرقس السري الصادر سنة 2007م، زعم بيتر جيفري أن “الرسالة تعكس ممارسات ونظريات ظهرت في القرن العشرين، لا في القرن الثاني”، وأن سميث كتب رسالة إكليمندس إلى ثيودوروس بهدف خلق “الانطباع بأن يسوع مارس المثلية الجنسية”. رأى جيفري في إنجيل مرقس السري نوع من التورية العميقة التي تروي “قصة ‘التفضيل الجنسي’ التي لا يرويها سوى كاتب غربي من القرن العشرين” عاش في “ثقافة جنسية في الجامعات الإنجليزية”. عارض سكوت براون وويليام هاريس أفكار جيفري. وفقًا لهاريس، فإن حُجّتي جيفري حول الشعائر الدينية والشذوذ الجنسي غير إيجابية، وكتب يقول بأن جيفري “يخلط بين مسألة صحة النص وتفسيرات سميث الخاصة” وأنه الأولى مهاجمة سميث وتفسيراته بدلاً من مهاجمة إنجيل مرقس السري. أما مسألة المثلية الجنسية، التي كتب سميث بموجبها وثيقة تُصوّر يسوع كممارس للمثلية الجنسية، ليست صحيحة أيضًا. وفي كتابيه حول إنجيل مرقس السري، كتب سميث “بالكاد ستة أسطر حول الموضوع”. كما أن استنتاج جيفري بأن الوثيقة مزورة لأنه “ليس هناك شاب يهودي” سيتقرب من “رجل أكبر منه من أجل الجنس”، وهو ما لم يقبله هاريس أيضًا، حيث أنه “لا عبارة” في إنجيل مرقس السري تشير إلى هذا التقرّب.
في سنة 2008م، نُشرت مراسلات كثيرة بين سميث وأستاذه وصديقه غيرشوم سكوليم، حيث ناقشوا لعقود رسالة إكليمندس إلى ثيودوروس وإنجيل مرقس السري. زعم غي سترومسا أنه “يجب أن تقدّم المراسلات أدلة كافية على صدق أفكاره [أي سميث] أمام أي أحد يتسلح بالتفكير السليم ولا يحمل نوايا خبيثة”. كما اعتقد سترومسا أنها تُظهر “أمانة سميث”، وأن سميث لم يكن بإمكانه تزوير رسالة إكليمندس، على حد تعبير أنطوني غرافتون، وأن “المراسلات تظهر أنه يناقش مادة الرسالة مع سكوليم، على مدى وقت طويل، بطرق تعكس بوضوح عملية الاكتشاف والتفكير”. لكن بيرلويجي بيوفانيللي اعترض على تفسير سترومسا. وقال أن المراسلات تُظهر أن سميث صنع “تزييفًا شديد التعقيد” للترويج للأفكار التي يحملها حول يسوع. بينما لم يجد جوناثان كلاوانز أن المراسلات واضحة بشكل كافٍ، على أسس منهجية، واعتقد أن مراسلات سميث لا تعطي جواب قاطع حول مسألة أصليتها.
زعم عدد من العلماء أن العناصر البارزة في إنجيل مرقس السري كانت من الموضوعات التي أثارت اهتمام سميث أثناء دراسته قبل اكتشافه الرسالة سنة 1958م. بعبارة أخرى، زوّر سميث الرسالة لتدعم أفكاره التي كان يعتنقها. يشكك بيرلويجي بيوفانيللي في صحة الرسالة لأنه يعتقد أنها “الوثيقة الخطأ، في المكان الخطأ، والتي اكتشفها الشخص الخطأ، والذي كان، علاوة على ذلك، في حاجة إلى هذا النوع من الأدلة الجديدة بالضبط للترويج لأفكار جديدة غير تقليدية”. أما كريغ إيفانز فقد زعم أن سميث قبل اكتشافه، نشر ثلاثة دراسات سنوات 1951م و1955م و1958م ناقش فيها وربط بين “(1) “سر ملكوت الله” في الآية 11 من الإصحاح الرابع من إنجيل مرقس، (2) السرية والنشأة، (3) الجنس الممنوع، بما في ذلك المثلية الجنسية والعلاقات الجنسية (4) إكليمندس السكندري”.
عارض براون وبانتوك هذه الفرضية. أولاً، رفضوا فكرة حدوث أمر جنسي بين يسوع والرجل الشاب في إنجيل مرقس السري، وإن كان الأمر كذلك، فلا علاقات جنسية ممنوعة وفق قصة إنجيل مرقس السري. ثانيًا، تحدّوا فكرة أن سميث ربط بين هذه الأمور التي زعمها إيفانز وآخرون. وزعموا أن سميث في إطروحته للدكتوراه سنة 1951م، لم يربط سوى بين أمرين - سر ملكوت الله والتعاليم السرية. أما العلاقات الجنسية المحرمة، مثل “زنا المحارم، والجماع أثناء الحيض، والزنا، والمثلية الجنسية، والبهيمية”، فهي مجرد موضوع من مواضيع أخرى في الكتب المقدسة التي يجب مناقشتها في سرية. علاوة على ذلك، زعموا أن سميث كتب أيضًا في مقالة له سنة 1955م عن علاقة سر ملكوت الله والتعاليم السرية. وفي مثال ثالث، كتب سميث مقالة سنة 1958م، ذكر فيها “إكليمندس وأعماله المتفرقة كأمثلة على التعاليم السرية”. واعتبر براون وبانتوك أنه من المتعارف عليه بين علماء المسيحية واليهودية أن كتابات إكليمندس و"سر ملكوت الله" في إنجيل مرقس من التعاليم السرية.
احتوى عدد نوفمبر/ديسمبر 2009م من مجلة مراجعة آثار الكتاب المقدس على مجموعة مختارة من المقالات المخصصة لإنجيل مرقس السري. كتب تشارلز هيدريك مقدمة حول الموضوع، كما كتب كل من هيرشيل شانكس وهيلموت كويستر مقالات تدعم صحة الرسالة. بينما رفض ثلاث علماء خبراء في التزييف المشاركة، مما دفع شانكس للحديث عن التزييف بنفسه. كتب هيلموت كويستر أن مورتون سميث “لم يكن باحث نقدي جيد"، وأن “قدراته لا تمكنه من تزييف نص، بالمعايير النقدية، يُعد صيغة مثالية قديمة لقصة إحياء لعازر التي جاءت في الإصحاح 11 من إنجيل يوحنا”. في سنة 1963م، التقى كويستر وسميث لعدة ساعات كل يوم لمدة أسبوع لمناقشة إنجيل مرقس السري. أدرك خلالها كويستر أن سميث عانى حقًا لكي يفهم النص ويُفسّر الخط المكتوب. وكتب كويستر: “من الواضح، أن المزور لن يكون لديه المشاكل التي واجهها مورتون. أو أن مورتون سميث ممثل بارع، وأما أحمق تمامًا”.
في أواخر سنة 2009م، كلّفت مجلة مراجعة آثار الكتاب المقدس خبيرين يونانيين في الكتابة اليدوية لتقييم “ما إذا كانت الكتابة اليدوية في رسالة إكليمندس مكتوبة بخط يوناني أصلي يرجع للقرن الثامن عشر” وما إذا كان بمقدور مورتون سميث كتابتها ووُضع تحت تصرفهم ماسحات ضوئية للصور ذات تقنية عالية الدقة لمسح رسالة إكليمندس ونماذج معروفة من كتابات مورتون سميث الإنجليزية واليونانية منذ سنة 1951م إلى سنة 1984م.
لاحظت فينيشيا أناستاسوبولو خبيرة الوثائق اليونانية، وجود ثلاث كتابات مختلفة تمامًا. وقالت، بحسب رأيها، أن رسالة إكليمندس كُتبت بمهارة و“بحرية وعفوية وحس فني” على يد كاتب خبير يمكنه التعبير عن أفكاره بشكل فعّال. وكذلك، وصفت كتابات سميث بالإنجليزية أنها “تلقائية وغير مُقيّدة، وبإيقاع جيد جدًا”. بينما كانت كتابات سميث باليونانية “مثل تلك التي يكتبها طالب مدرسة” غير متآلف مع الكتابة اليونانية وغير قادر على “استخدامها بطلاقة” وبسهولة. ولخّصت أناستاسوبولو رأيها المهني حول مورتون سميث أنه لا يمكنه أن ينتج خطًّا كخط رسالة إكليمندس. كما أوضحت أيضًا، خلافًا لرأي كارلسون، أن الرسالة لا تحتوي على علامات تدل على التزوير، مثل “افتقادها لتقلبات طبيعية” تجعلها تبدو كما لو كانت مرسومة، أو أنها ذات “خط رديء”، وأنه عندما يكون نصًا كبيرًا، كحالة رسالة إكليمندس، متسقًا طوال الوقت، “يكون لدينا انطباع أوليّ حول أصليتها”.
ومع ذلك، كان رأي أغاممنون تسيليكاس عالم الكتابات القديمة اليوناني المتميز والمتخصص في تحديد زمن كتابة النصوص ولأي مدرسة في الكتابة ينتمي النص، أن الرسالة مزورة. لاحظ تسيليكاس بعض الأحرف “غريبة الشكل تمامًا، وغير المنتظمة”. وعلى النقيض من حكم أناستاسوبولو، اعتقد بأن بعض الأسطر غير مستمرة وأن يد الكاتب لم تكن تتحرك بشكل تلقائي. وقال أن الخط اليدوي للرسالة هو تقليد للخط اليوناني في القرن الثامن عشر الميلادي، وأن المزور على الأرجح إما سميث أو شخص يعمل لدى سميث. افترض تسيليكاس أن سميث، كنموذج للكتابة اليدوية، ربما استخدم أربعة رسائل من القرن الثامن عشر الميلادي من دير تيماتون الذي زاره سنة 1951م. ورغم ذلك، أوضح آلان بانتوك أن سميث لم يحصل أبدًا على صور لهذه الرسائل، وبالتالي ليس بإمكانه استخدامها كنموذج. وبما أنه، وفقًا لاستنتاج أناستاسيوبولو، الرسالة كتبها كاتب مدرب بمهارة تفوق قدرة سميث، يقول مايكل كوك “كان لابد لنظرية المؤامرة أن تتوسع لتشمل شريكًا مُدرّبًا على الكتابة اليدوية اليونانية في القرن الثامن عشر”.
وبعد أن قام بمسح أوراق مراسلات سميث المحفوظة، خَلُصَ آلان بانتوك إلى استنتاج مفاده أن سميث لم يكن بمقدو