English  

كتب إمتاع الأسماع في ما جاء في مجالس السماع

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

إمتاع الأسماع في ما جاء في مجالس السماع (كتاب)


اتخذت الأجيال السابقة طريقة السماع والتلقي من الشيوخ في نقل العلوم الإسلامية، حتى صارت هذه الطريقة حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وتوالت الأجيال على ذلك حتى الآن. لذلك كانت مجالس سماع الحديث النبوي الشريف تعدُّ من جادة أهل الحديث وديدنهم قديمًا وحديثًا؛ حيث تلقاها الخلف عن السلف، والأصاغر عن الأكابر، كما هو معلوم بالضرورة من التاريخ العلمي لهذه الأمة، التي قد تميزت عن غيرها بخصال كثيرة جدًا، فكان منها: خصلة مجالس السماع في تثبيت أنساب الكتب تحت مسميات: الأثبات، والإجازات، والمشيخات، والفهارس، وغيرها مما يعلمه طلاب الحديث والأثر.
وعليه: فإن مجالس السماع تعدُّ في جملتها: سنة نبوية، وطريقة أثرية، ومدرجة علمية، وسلسلة نَسَبية، وخصلة إسلامية تميز بها المسلمون عمن سواهم من الأمم.
لذلك أضحى السماع والإسماع شعارًا للملة الإسلامية، وخصيصة لأتباع الرسالة المحمدية، لأن العبرة بعموم الخطاب لا بخصوص المخاطب.
وكانت عمدة المسموعات والمقروءات قديمًا، وأكثرها تعلقًا بأحكام المرويات: سماع الحديث النبوي الشريف، وكانت له أطوار متعددة، ومنازل مختلفة، وكل حال منه لها رجاله، وله مقامه ومقاله، فيعامل فيها السماع بما يصلح له في تحقيق مقصـــــوده المرام.
فإن المقصود أولاً من عقد مجالس السماع كان: نقل الديانة، وبيان أحكام الشرع، وتوضيح الملة، كما رواها الصحابة والتابعون وأتباعهم، واشترطوا له كون الراوي مقبولاً، أي: ثقة أو صدوقًا، ثابت الأخذ عن شيخه بسماع صحيح، متحقق من مروياته... وهكذا.
وهكذا توالت الأجيال في نقل العلوم الإسلامية بهذه الطريقة، طريقة التلقي والمشافهة والسماع من العلماء، فصار كل جيل ينقل عن الجيل الذي قبله، وكما كان الطالب يسمع من شيخه، أصبح الطالب شيخًا ويُسمع منه ويُنقل عنه ما قد سمعه في أيام طلبه للعلم.
حتى صارت هذه الطريقة حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، وبفضلها وصلت إلينا علوم وكتب أسلافنا، بل تراثنا جملة، وبه كان المستوى العلمي في أمتنا راقيًا لا تنافسه أمه من الأمم.
فلما آل هذا الميراث العظيم بعد تطاول القرون إلى من بعدهم، لم يقوموا بأكثره على الوجه المطلوب، فلا الرغبة ولا الاندفاع، ولا المحبة، ولا التعلق بالعلوم الإسلامية موجودة عند أبناء زماننا، بل كل هذه الأمور متوجهة نحو العلوم الدنيوية، وقلَّ من يتوجه من أبناء زماننا لطلب علوم الدين.
لقد انسلخت أجيالنا من دينها، وضاعت بعده في فراغٍ أيَّ ضياع، وسعت وراء الدنيا الفانية، فذلت وهانت، حتى أصبحت في ذيل الأمم، بعدما كانت في الصدارة دائمًا، فإلى الله المشتكى.
فعودًا إلى الإسلام، وعودًا إلى المنهج الإسلامي والطريق المستقيم، وعودًا إلى إحياء مجالس العلم والسماع والقراءة على الشيوخ المسندين، كما كان دأب أسلافنا وديدنهم؛ فإن قومًا خلَّف لهم أسلافهم الماضين تراثًا مسندًا مسلسلاً بالسماع طيلة ألف سنة، ثم لا يحملونه بشرطه، ويعقدوا له المجالس هنا وهناك، ليبلغوه إلى من بعدهم لقوم مقصرون.
ولذلك أحببت بهذا الكتاب أن أُذكر الأمة الإسلامية وشبابها من طلاب العلم المحبين
للعلم الشرعي عامة، ولعلم الحديث والرواية خاصة، وغيرهم من الأئمة والخطباء والوعاظ وكل من يعمل في حقل الدعوة بما كان عليه سلفنا الأوائل من الحرص والجد والاهتمام بعلوم الرواية، والسماع من العلماء والقراءة عليهم، وعقد المجالس على الشيوخ، والرحلة إليهم، وطلب الإجازة منهم، وبذل كل غالٍ ونفيس من أجل ذلك، عسى الله تعالى أن يرفع بهذا العمل همم المسلمين في طلب العلم، ويشحذ معنوياتهم، وأن يكون سببًا في إرجاع مجالس السماع وانتشارها بصورة مشابهة لما كانت عليه في الماضي.