English  

كتب إفريقيا في جحيم دانتي

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

إفريقيا في جحيم دانتي (كتاب)


ما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن "دانتي" يعد أعظم شاعر إيطالي، اشتُهر بـ"الكوميديا الإلهية"، وهى قصيدة ملحمية تُعد واحدًا من أهم الأعمال الأدبية في العالم، ظلت علامة بارزة في الأدب الإيطالي، وصُنفت من بين أعظم الأعمال الأدبية الأوروبية فى العصور الوسطى، إذ قدمت رؤية مسيحية عميقة لمصير البشرية الأبدي، وقد اعتمدت على تجربة "دانتي" الخاصة فى المنفى من مدينته فلورنسا، وتسرد رحلته الخيالية إلى الإله، وتتكون من ثلاثة أقسام، حيث يزور "الجحيم" و"المطهر" و"الجنة". ويمكن قراءة الملحمة على شكل رمزي، حيث تأخذ شكل رحلة عبر الجحيم والمطهر والجنة، تحلل المشاكل المعاصرة لتُظهر كيفية تحقيق الخلاص.
وإذا نظرنا إلي "جحيم دانتي" فنجد أنه لا يزال معدودًا أكبر قصة ذات حوادث رائعة في الدنيا، ولكن قليلًا من الناس قد قرأه رغم ذلك، ولئن كان كثير من شعره صعب الفهم غير محبَّب إلى القارئ العصري أن يستمر في قراءته، ويشارك "دانتي" في رحلته الطويلة حيث جاس خلال الجحيم، فهو — مع ذلك — خيال رائع التورية والكناية، لا يتخلَّف إذا قيس خياله القوي إلى خيال شكسبير وملتن الذي اشتهرا به في أشعارهما. وظاهر الكوميديا الإلهية وصف للجنة والنار والمطهر، وباطنها تصور حال الأرواح بعد الموت، مورِّيةً بذلك، ومكنِّيةً عن حاجة الإنسان إلى قبس روحاني ومرشد يكون له هاديًا. ولقد رسم لنا «دانتي» جحيمه على صورة هاوية عميقة هائلة تشبه مخروطًا مقلوبًا يلتقي بالأرض في منتصفها، ثم ينقسم في جانبيه عدة أقسام — طبقات بعضها فوق بعض — تضيق سعةً بالطبع كلما هبط الإنسان من درك إلى درك، وكلما ازدادت شناعة الجرم سفل مكان الخاطئ فيها!
وعلى الرغم من صعوبة فصل الخيال عن الواقع لرسم سيرة دانتي، إلا أنه من المؤكد بأن منظوره الفلسفي ومطامحه الشعرية تَشكّلا ضمن سياق نشأته في فلورنسا أواخر القرن الثالث عشر. على سبيل المثال، كان لدانتي دورٌ شاغل في الحياة الثقافية والمدنيّة لفلورنسا: حيث خدم في الجيش، وشغل عدة مناصبَ سياسيّة بين العامين 1285 و1302، فتزوج وكوّن أسرة، ثمّ تذوّق حرارة المنفى من مدينته فلورنسا. وفي هذا السياق، ونأيًا عن يُسرْ حال عائلته، كانت لمساهمة دانتي في السياسة الفلورنسيّة دور رئيسي في نمو فكره الفلسفي وجسامة طموحاته الشعريّة.
وفي دراسة رائعة نشرها المؤرخ المصري المبدع الدكتور حسن عثمان بعنوان " أفريقيا في جحيم دانتي"، حيث أكد في هذه الدراسة أن دانتي كان رجلاً واسع الثقافة متعدد الجوانب، فتأثر بتراث القدماء وبتراث العصور الوسطي، وبآثار الأدب الإيطالي الوليد، وبثقافة الشرق والعرب وأفريقيا . وكتب دانتي "الكوميديا الإلهية" بأقسامها الثلاثة " الجحيم والمطهر والفردوس"، وأشادها علي معرفته وأصالته، واستمدها من الماضي والحاضر والمستقبل، من الذكريات والأماني، من التجارب والمحن والآلام، من العلم والفن، من النبات والحيوان والإنسان، من الآثام والخطايا والعواطف الرقيقة النبيلة، من فرائز الجسد والزهد والتبتل، من اليأس والإيمان والأمل، من الأرض والسماء، من الأنهار والبحار والصحاري والجبال والبلدان والأقطار والقارات.
و"الجحيم" كان الجزء الأول من قصيدته، تبدأ بأن يعتزم «دانتى» ارتقاء جبل أضاءت الشمس قمته، لكن اعترض طريقه 3 وحوش، ترمُز للخطايا التى تُحيِّد البشر عن الطريق الصحيح، فشعر برعب شديد، وقرر العودة، إلا أنه ظهر أمامه شبح شاعر اللاتين «فرجيليو»، عطف عليه وأزال مخاوفه، وذهبا فى اتجاه آخر ليصل إلى أعلى الجبل، وعندما زار الجحيم رأى نفوس الآثمين يلقون صنوف العذاب، وأدرك أصل الشقاء فى الدنيا، ثم زار المطهر وشهد فيه عذاب النفوس التائبة التى تأمل بلوغ الجنة بعد تطهرها، وبعد اجتيازه الجحيم والمطهر صعد إلى الجنة.
وفى "الجحيم" يقول: "فى منتصف طريق حياتنا وجدت نفسى فى غابة مظلمة، إذ ظللت سواء السبيل.. آه ما أصعب وصف هذه الغابة الموحشة الكثيفة القاسية التى تجدد ذكراها لى الخوف.. إنها شديدة المرارة حتى لا يكاد الموت يزيد عنها، ولكن لكى أتناول ما وجدت هناك من خير، سأتكلم عن أشياء أخرى رأيتها فيها"، ويضيف: «هنا الطريق إلى مدينة العذاب، هنا الطريق إلى الألم الأبدى، هنا الطريق إلى القوم الهالكين". فى ملحمته، يتشابه الجحيم والمطهر عند "دانتى"، من حيث موضوعهما، الذى يتطرق إلى عذاب النفوس الآثمة، إلا أنه فى الجحيم وصف عذاب الخُطاة غير التائبين عذابًا أبديًا، أما فى المطهر فعذاب الخاطئين عذاب مؤقت.