English  

كتب إحياء التراث

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

إحياء التراث (معلومة)


ما جدوى حركة الإحياء، وتقوية الصلة بين حياة الأمة الإسلامية المعاصرة وجذورها التراثية؟ لقد طفرت الحضارة الغربية خلال القرون الأخيرة متجاوزة كل منجزاتنا التراثية في حقل الطب والفلك والرياضيات وفنون الصناعات. فهل نريد البناء على منجزات الأمة الإٍسلامية الماضية؟ وعندها سنحتاج إلى قرون طويلة من التطور البطيء لتصل ـ أولا تصل ـ إلى ما وصل إليه الغربيون في هذا المضمار.

وإن كان الهدف من إحياء التراث العلماني الاعتزاز بمنجزات الماضي وبيان دور الأمة الإسلامية في الحضارة العالمية، وأثرنا على الحضارة الغربية يوم أن كانت في مهدها، فهو أمر معقول وهو يولد الاعتزاز بالذات، وقد يجرُّ اعتراف الآخرين بذلك إلى زيادة احترام أمة الإسلام، مما له أثر في العلاقات مع عالم اليوم.

أما النهضة[؟] الذاتية فيمكن أن ترتكز على روح التراث وحوافزه الروحية والفكرية أكثر من منجزاته العلمية والصناعية؛ هذه الروح التي توجدُ محاضن صالحة للتكنولوجيا المنقولة عن الغرب تجعلها مغروسة في بيئتنا، وملائمة لحضارتنا، ومتفقة مع أهدافنا، وقد تدفعنا هذه الروح إلى تجاوز الحضارة الغربية في مرحلة تاريخية لاحقة.

ومن أجل أن تكون الرؤية واضحة يلزم تحديد الأهداف بدقة واختيار الوسائل الملائمة، ولابد من دراسات واسعة لمعرفة قيم التراث وأثر إحيائه على حياتنا العقيدية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

ولا بد من ملاحظة الاختلاف بين الظروف التي أحاطت حركة الإحياء (الرينيسانس) في الغرب في عصر النهضة الأوروبية، وبين حركة الإحياء الإسلامية الحديثة.

لقد سعى العلماء في عصر النهضة الأوروبية لتوثيق علاقتهم الفكرية والنفسية بتراث الرومان[؟] واليونان متجاوزين تاريخ النصرانية والكنيسة بسبب حالة العداء بينهم وبينها؛ فكان هدفهم إحياء التراث الوثني وإبرازه لقطع الصلة بالحاضر والماضي النصراني، لذلك صاحبت حركة الإحياء حملةٌ عنيفة على الكنيسة والنصرانية وقيمها.

ويمكن أن نتلمس هذه الحملة في أدبيات القرون الأربعة المتعاقبة منذ عصر النهضة الأوروبية حتى القرن العشرين، فهذه الظاهرة واضحة في الأدب الكلاسيكي (أدب القرن السابع عشر ) الذي كان ((يستوحي الآداب اللاتينية واليونانية ويستمد منها مادته )). بل إن المدرسة النقيضة للكلاسيكية، والتي عرفت بالرومانتيكية، واستمدت من أدب العصور الوسطى ممثلة في (ديدرو ) و (فولتير) و (روسو) و (دالامبير) و (كوندورسيه) كان يغلب عليها التحلل من الدين والتقاليد، رغم أن بعضهم مثل (روسو) عبَّر عن إيمانه بالله وثورته على الكنيسة وفلسفتها التربوية.

وفي منتصف القرن التاسع عشر ظهرت المدرسة الجمالية التي أعلنت عدم الالتزام بقيم المجتمع الخلقية والدينية حتى قال ((أوسكار وايلد)): ليس ثمة كتاب يمكن أن يوصف (باللاأخلاقي): إذ ليس ثمة سوى كتب حسنة التأليف وأخرى سيئة التأليف.

مهمات أساسية

المهمة الأساسية لاحياء التراث الإسلامي هي إعادة صياغة مناهج العلوم الاجتماعية، من تاريخ واجتماع واقتصاد وسياسة وتربية وعلم نفس، وكذلك الأدب ونظرياته النقدية وفق مبادئ الإسلام . . فلا شك أن الحضارة الأوروبية قطعت شوطاً واسعاً في هذا السبيل، ولا يمكن البدء بمرحلة تأسيس من الصفر، فليس كل نتاج الحضارة الغربية في هذا السبيل خطأ وباطلاً، خاصة ما يرتكز على الكشوف الطبيعية والتجارب المختبرية، بل إن الفلسفة التي تطبعه والروح المهيمنة عليه بعيدة عن الإيمان بالله عز وجل ورسالاته، ولذلك فقد عبرت عن المهمة (بإعادة صياغة) بدل (تأسيس).

ولا شك أن وضع الخطط والبرامج التفصيلية لإقرار ما يمكن إقراره، وإبعاد ما يلزم إبعاده يحتاج إلى اللجان المتخصصة في كل علم؛ وأن الأقسام المتخصصة في الجامعات الإسلامية ينبغي أن تنهض لحمل هذه الأعباء، فقسم التربية يسعى إلى تطوير نظرية تربوية إسلامية تنبثق عن فهم الكتاب والسنة، واستلهام تراث الفكر التربوي الإسلامي مع الإفادة من المعطيات السليمة للنظريات التربوية المعاصرة بعد صبغتها بصبغة الإسلام، فالنظريات التربوية الغربية انبثقت عن فلسفات مادية، وتصورات علمانية، ومعظم فلاسفتها من الماديين والعلمانيين.

ونظرة إلى واقع المجتمعات الغربية تكفل الحكم على معطيات التربية الغربية: التحلل الخلقي والإحساس (بالضياع)، والرغبة في (العدم)، وتصاعد (الجريمة)، وتحدي (القانون)، و (العنف)، و (شريعة الغاب) في التعامل مع الآخرين.

وبعد: فهل نحتاج إلى تقويم للنظريات التربوية بعد أن ظهرت ثمارها المسمومة في عالم اليوم؟!!!.

لقد اعتبر (فرويد) الإنسان عبداً للجنس الذي يتحكم في فكره ومشاعره وسلوكه، ويكوَّن محور نشاطه الخاص والعام.

واعتبر(ماركس) الاقتصاد هو محور هذا النشاط، وكلاهما يتأثر بنظرية (داروين[؟]) عن أصل الإنسان والتي تهبط به إلى (الحيوانية)، ولذلك فتغير مشاعره وفكره وسلوكه كلها ترتبط بهذه النظرية، فهو إما أن يدور بنشاطه حول محور (الجنس[؟]) أو (الاقتصاد).

أما نظرة الإسلام ففيها تكريم الإنسان بوصفه مخلوقاً عاقلاً مكلفاً:

 وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا    ، وقد خلق ابتداءً بهذه الصورة، ولم يتطور عن (قرد) وبالتالي فله خصائصه المميزة في عالم الحيوان، من روح وعقل مما رتب عليه تبعات في هذه الدنيا، أعظمها: الإيمان بالله وتوحيده، وعبادته. إن أي سبر للآيات القرآنية والأحاديث النبوية مع الإفادة من الدراسات العلمية الحديثة سيمكن من تخليص هذه الحقائق العلمية في النفس والاجتماع والتربية، من روحها الغربية العلمانية، وجذورها الوثنية اليونانية، ويمكِّن من بناء نظرية تربوية إسلامية مستقلة، محكومة بالكتاب والسنة خاصة وأن لدينا تاريخاً علمياً حافلاً، وتدريساً جامعياً مبكراً، وتقاليد تدريسية عريقة ظهرت في الجامعات الإسلامية في عصور الإسلام الذهبية، وضمتها المؤلفات التي كتبها أسلافنا، مثل: سحنون في: (آداب المعلمين) والقابسي في: (الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين) والخطيب البغدادي في: (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) وابن جماعة في: (تذكرة السامع والمتكلم)، وغيرها كثير مما يمكننا من تصور المفاهيم التربوية الإسلامية لنعمل على تطويرها مستفيدين من تجارب الفكر التربوي المعاصر بعد عرضها على المقاييس الإسلامية.

وكذلك فإن أقسام علم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ مسؤولة عن صوغ النظريات الإسلامية في هذه المجالات، فالمصطلحات العصرية وإن كانت جديدة لكن الكثير من مضامينها موجود في الإسلام، وإبراز ذلك يحتاج إلى استقراء التراث للوصول إلى المبادئ والنظريات، فإذا كانت نظرية استقلال السلطات تنسب إلى (مونتسكيو) فإن الإسلام أقر استقلال السلطة القضائية قبل (مونتسكيو) بأكثر من عشرة قرون، وكان تعيين القضاة وقبول استقالتهم يتم من قبل الخليفة نفسه، ولا يخضع لولاة الأمصار، بل إن الخليفة نفسه لم يكن قادراً بعد تعيينهم على التدخل في شؤون القضاء وأحكام القضاة، وهذا الأمر يصْدُق على كثير من النظريات والمبادئ العصرية.

وقد ظهرت دراسات عديدة حول إعادة صياغة التاريخ الإسلامي والعالمي من منظور إسلامي، والإفادة من مناهج النقد التي ألفها المحدثون تحت عنوان (مصطلح الحديث ) فلا داعي لتناول هذا الموضوع الذي اتضحت أبعاده أكثر من بقية العلوم الأخرى مما يهيئ للدخول في التفاصيل ووضع المناهج من قبل المتخصصين.

وأما ما يتعلق بتقديم الأدب العربي المعاصر ونظرياته النقدية في إطار إسلامي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، فنحن أمة لها تراث خصب يقدر أن يشدها إلى ماضيها، ويكسبها شخصية متميزة في حاضرها، ولكننا لم نعط التراث حقه من الدراسة، ولم نسع بالقدر الكافي إلى نقده وتمحيصه وتقويمه، ولم نبنِ على جذوره القوية حركتنا الأدبية والفكرية المعاصرة، وربما بسبب ما أصاب حضارتنا العربية والإسلامية من ركود امتد قروناً طويلة لم تعد فيه تمتلك زمام المبادرة، فتخلت عن مركز الريادة والقيادة، وفتحت أجيالنا المعاصرة عيونها على حركة فكرية تقتبس من التيارات الأدبية والفكرية الغربية بنهم شديد، وتقدم الغذاء الجديد بسُمِّه ودسمه لملايين الجياع إلى الفكرة الجديدة، والرأي المبتكر، والعرض الجديد. وكانت الحضارة الغربية قد وصلت إلى ذروة الإنتاج العلمي والأدبي، وتمخضت عن آلاف القصص والمسرحيات، ومعطيات الفكر الأخرى مستفيدة من النمو والنضج المادي للمدنية الغربية التي اعتمدت على إحياء علوم الإغريق وفلسفاتهم في أواخر العصور الوسطى الأوروبية، أي: في الفترة التي عرفت بعصر النهضة، والذي يبدأ من القرن الخامس عشر الميلادي، ويرى (هومر) أن عصر الإحياء سبق عصر النهضة، وبدأ من القرن الثاني عشر، وبعد الإحياء للعلوم ودراستها ونقدها حصلت الإضافات الضخمة واستفاد الأوروبيون من منهج البحث التجريبي عند المسلمين فجمعوا بين الرؤية الفلسفية والمنهج العلمي الإسلامي. فولدت الحضارة الجديدة بمنهج بحث علمي إسلامي، وروح فلسفية عادية مكتسيه بغلالة شفافة من النصرانية، سرعان ما نزعتها فصبغت العلوم والآداب، وخاصة في القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، بصبغة مادية معادية للدين.

لقد أوضح الفيلسوف الإنجليزي (برتراند رسل) هذا الامتزاج بين الرؤى الفلسفية اليونانية والمنهج العلمي الإسلامي، وما ولده هذا الامتزاج من انبعاث المدنية الأوروبية الحاضرة.

ولا شك أن التقدم العلمي والتكنولوجي الضخم الذي صاحبه تقدم أقل في مجالات العلوم الإنسانية التربوية والنفسية أثر على معطيات الفكر المختلفة، كالمذاهب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية، والاتجاهات النقدية، ومقاييس التقويم، والقيم الجمالية والفنية والخلقية تأثيراً عميقاً، واستمر الركود يخيم على دار الإسلام حتى أواخر القرن التاسع عشر حين ظهرت صيحات الإصلاح الأولى. ولكن الركود الفكري والاجتماعي الطويل، والتمزق السياسي، والصراعات المختلفة أعاقت ((دار الإسلام )) عن اللحاق بالآخرين، وتمزقت الشخصية الإسلامية التي صارت تعاني من عقدة النقص أمام التقدم الغربي الضخم.

وظهرت حركة نقل واقتباس في الثقافة والآداب دون تمييز ولا انتقاء وأقبل الجياع على مائدة دسمة حافلة لكنها مسمومة، ولم يفطن معظمهم للسموم أمام حلاوة الذوق .. أما الذين فطنوا فلم يتمكنوا من سد الفراغ وتقديم طعام جديد إلاَّ محاولات يسيرة لا تغني من جوع، واستمرت العقود تتوالى، وظهر الغثيان، وعرف الكثيرون بأن الطعام مسموم ولابد من البديل، والبديل هو الثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي والآداب الإسلامية. ولكن الجذر الذي لم يُرْوَ منذ قرون إلاَّ بالقليل اليسير يحتاج إلى أن يغذى ليقوى على حمل الشجرة الطيبة، فكيف السبيل إلى ذلك؟

كيف يمكن إيجاد زاد فكري يملأ الفراغ، ويشبع الجياع، ويكون بديلاً عن الشجرة الخبيثة؟ إن العودة إلى الجذر ضرورة ولكن تركه ينمو نمواً هادئاً دون طفرات يحتاج إلى قرون، فهل يمكن أن نفيد من معطيات التقدم الإنساني، ونفيد من تجارب الآخرين في رفده وتقويته ليحمل الشجرة الطيبة، ويلقي بالثمار النضيجة في وقت قريب؟ وهل يؤثر ذلك على أصالتنا وتميزنا؟

وإذا أردنا النفاذ إلى النماذج لئلا يختلف تفسير الرؤى العامة المطلقة، فإنه في نطاق الأدب ظهرت تحليلات عميقة للنفس الإنسانية بسبب نمو علم النفس بمدارسه المختلفة، وخدم علم الاجتماع القصة والشعر بتعميق المضمون، ولا شك أن معطيات هذه العلوم ليست سلبية دائماً، وإن ارتبطت بفلسفة هدامة، لكن كثيراً من الحقائق والتحليلات صحيحة ومحايدة، شأنها شأن العلوم الرياضية والطبيعية، ويمكن الإفادة منها في تعميق مضامين الأدبيات الإسلامية؛ نعم ما المانع من الأشكال الفنية والمضامين العميقة في تصور النفس والكون، وطرق الموضوعات الجديدة المتفقة مع بنائنا الفكري المتميز وثقافتنا الإسلامية الأصيلة؟ ما المانع من الاقتباس المنتقى إذا كان صالحاً أياً كان مصدره؟ ما المانع من الانفتاح على النتاج الإنساني العالمي مع الحفاظ على الرؤية الإسلامية والمقاييس الإسلامية؟.

البحث والتأليف

أن البحث والتأليف في العلوم الإسلامية خلال القرن العشرين يحتاج إلى دراسة تقويمية ونقدية شاملة تجيب عن هذه الأسئلة:

  1. ما مدى اهتمام هذه البحوث والدراسات بالمشكلات العملية التي تواجه المجتمعات الإسلامية؟
  2. ما هي الجوانب التي ركزت عليها، وما هي الجوانب التي أغفلتها؟
  3. ما هي الجوانب التي أشبعتها، وما هي الجوانب التي لا تزال بحاجة إلى بحث؟
  4. ما مكانتها العلمية بين أنماط الدراسات المماثلة أو المقابلة عالمياً؟
  5. هل هي مواكبة في المستوى للحركة الفكرية العالمية؟
  6. ما مدى التزامها بالمنهج العلمي، في الأسلوب والتوثيق؟
  7. ما نسبة التكرار فيها؟

وبالنسبة لنشر التراث يلزم الإجابة على ما يلي:

  1. ما مقدار كمية النشر، وما نسبة المطبوع إلى المخطوط؟
  2. هل ما ينشر يخضع لخطة مدروسة، من حيث ترشيح المؤلفات الأكثر أهمية للنشر أولاً، وكذلك من حيث الأهمية الذاتية للمؤلف، ثم من حيث أهميته في تكامل المكتبة الإسلامية؟
  3. هل يراعى في النشر منهج التحقيق العلمي، أم يغلب عليه الهدف التجاري؟
  4. ما هو أثر نشر كتب التراث الإسلامي في الناس؟ وما هي الآثار الإيجابية؟ وما هي الآثار السلبية؟
  5. ما هي الخطوط المرسومة لنقل التراث الفكري والقيمي للأجيال الجديدة؟ هل يستطيع القراء ـ إذا وجدت لديهم الرغبة ـ استيعاب كتب التاريخ والأدب التي أُلِّفت في القرون الأولى من حيث الأسلوب والمناهج واللغة؟

وهل يمكن تيسير التراث وعرضه على مستويات متباينة؛ للمثقفين وللمتعلمين ولعامة الناس؟ وما هي الحدود والشروط والوسائل؟

الحقوق الأدبية والمادية

إذ أردنا الإنصاف فلا بد من التأكيد على حقوق الأساتذة وحمايتها، وحماية إنتاجهم العلمي، وعدم الاكتفاء بمطالبتهم بالواجبات، كما ينبغي أيضاً عدم تحميلهم وحدهم مسؤولية الركود العلمي. فما يحدث من سرقات علمية في الرسائل الجامعية، فضلاً عن السرقات الأدبية الأخرى التي تملأ المكتبات المخصصة لبيع الكتب بالاعتماد على ضعف الحماية للمؤلف قانوناً، مما أضاع حقوق المؤلفين وعرَّض الحياة الفكرية للخطر.

وإلاَّ فما هو شعور العالم الذي أمضى سنوات طويلة في تحقيق كتاب من كتب التراث، عندما يجد كتابه وقد انتحله آخر بتغيير طفيف في المقدمة والحواشي؟! وهل يستمر العالم في متابعة الإنتاج وهو يعلم مصير منجزاته وأعماله العلمية؟

إن حقوق التأليف في بلدان العالم المتقدمة محفوظة، ومحترمة إلى حد كبير، والعالم يفرغ للبحث والتأليف والتحقيق وهو مطمئن إلى ضمان حقوقه الأدبية والمادية، وهذا عامل هام في إيجاد الأجواء الصالحة للبحث العلمي. ولا يكفي أن نعتمد على (النية) وحدها في التأليف والتحقيق، فلماذا لا يسري ذلك على أجور المعلمين ومحاضرات الأساتذة، ويسري على حقوق التأليف وحدها؟. مع أن أجور المعلمين دفعتها الدولة منذ صدر الإسلام، بل وجعلت التعليم مقابل المال في مفاداة أسرى بدر.

إنه إذا أردنا أن تسري الروح في الحياة الفكرية؛ فلا بد أن نحافظ على الحقوق المادية والأدبية للمؤلف وللمحقق؛ بوضع اللوائح التنظيمية، ودعم المؤسسات الرسمية المتخصصة، وتشريع العقوبات المناسبة لسرقة الأفكار والمؤلفات. إن الأجواء الفكرية الراكدة جعلت لصوص الفكر آمنين حتى من النقد والتعريض بهم فضلاً عن أمنهم العقوبة؛ فالروح الفردية وعدم المبالاة أدى إلى ألاَّ يرتفع قلم إلاَّ ليدافع صاحبه عن حقوقه، وليس عن حقوق المؤلفين عامة.

أين المعارك الأدبية؟ وأين النقد الأدبي يقوَّم النتاج ويُعَرِّف به ويحميه؟ وكم تصدر من دراسات وتحقيقات لا تحظى باهتمام أحد لعدم وجود النقاد؟ وكيف تنتعش الحياة الثقافية في مثل هذا الأجواء الراكدة؟

الأمة الإسلامية تعاني من فوضى في النشر لا نجد لها مثيلاً لدى الأمم الأخرى. ومنذ عدة عقود، وعندما بدأت حركة إحياء التراث وساهم فيها عدد من العلماء في بداية الأمر، ظهرت مشكلة تكرار الأعمال لعدم وجود مركز يُوَحِّدُ المعلومات عن الكتب المطبوعة والمخطوطة؛ يمكِّن العالم من تسجيل حقه في العمل بكتاب معين، ويعلن ذلك ويلتزم به أدبياً، فلا يزاحمه أحد ولا يقلقه طفيلي، ومقابل ذلك يلتزم بإخراجه ولا يُسمح لعالم واحد باحتكار مجموعة كتب لا ينشر إلا مقدماتها ثم ينتقل إلى رحمة الله!

لقد تضخمت هذه المشكلة بتوسع الدراسات العليا، وإقبال طلبتها على تسجيل رسائلهم العلمية في تحقيق التراث.

حركة التدوين والترجمة

من المعلوم أن الرواية الشفوية كانت هي الطريقة الأولى التي اتبعها العرب لنشر العلم. وقد اقترنت الرواية العربية منذ اللحظة الأولى بالحرص البالغ والدقة الكاملة والأمانة منقطعة النظير؛ لأن الدين يدعو إلى ذلك؛ ولأن كثيرًا من نصوص القرآن والسنة تحثُّ عليه، فالتزم القوم الأمانة والحرص حين تصدوا لرواية كلام الله تعالي وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إنهم التزموا تلك الخطة إلى حدٍّ كبير حين رووا أشعار الجاهليين وأيام العرب ووقائعهم.

ولم تنتشر الكتابة في العرب إلا مع ظهور الإسلام، فقد ظهر كُتّاب الوحي، الذين أحصاهم بعض العلماء فبلغوا أكثر من أربعين من الصحابة. وقد ظل أمر الكتابة مقصورًا على كتابة آيات القرآن، وكتابة أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى اتسعت رقعة الدولة الإسلامية في زمان بني أمية، وبدأت انطلاقة كبرى في الكتابة والتدوين، وبخاصة في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز؛ فقد ظل عمر يستخير الله أربعين يومًا في تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأذِن للقاضي أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم في جمع الأحاديث وتدوينها في كتاب بعث به إلى الأمصار.

وظهرت جهود تدوينية أخرى في العصر الأموي تتمثل فيما تُرجم لخالد بن يزيد بن معاوية من علوم اليونان، وما ألّف هو في الطب، وما ألّفه عَبِيد بن شَرِيَّة لمعاوية من أخبار اليمن وأشعارها وأنسابها، وما ألّفه وهب بن منبه من كتاب التيجان في ملوك حمير، وغيرها من المؤلفات التي ظهرت في هذا الوقت المبكر.

ثم تنهض حركة التأليف في عصر الدولة العباسية، وتظهر الكتب في شتى العلوم الشرعية محتفظةً بالطابع الذي غلب على المحدِّثين، وهو إسناد الرواية إلى مؤلف الكتاب. وقد أخذ العلماء يضعون القواعد ويؤصلون المبادئ، وكان من نتيجة هذه الحركة العلمية الناشطة أن ظهرت علوم جديدة، دارت في البداية حول خدمة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ثم ما لبثت أن أضحت علومًا مستقلة، لها لغتُها الخاصة ورجالها المشتغلون بها العاكفون على فحص مسائلها وقضاياها.

وقد واكب حركةَ التدوين الجديدة في العصر العباسي حركةُ ترجمة العلوم ونقلها إلى العربية؛ حيث أولى الخلفاء ووزراؤهم ورجال الدولة أمرَ الترجمة عناية بالغة؛ فتُرجمت علوم اليونان والفرس والهنود، واستوعبت الترجمةُ ألوانًا شتى من المعارف والعلوم، فترجمت الكتب العلمية والفلسفية بل وحتى الأدبية، واشترك في الترجمة جمهور كبير من المترجمين على اختلاف أجناسهم وعقائدهم، فكان منهم الفرس والهنود والسريان وغيرهم، وأُغْدِقت عليهم الأموال، وأنفق في طلب الكتب من كل ناحية أعظم المساعي.

وكان لحركة الترجمة أحسنُ الأثر في حفظ تراث هذه الأمم وحمايته من الاندثار؛ وقد أضفى عليها مزيدًا من الأهمية والخطورة ضياعُ معظم المؤلفات اليونانية، بحيث لم يبق منها سوى الترجمات العربية، وهو الأمر الذي حدا بالأوربيين في العصور اللاحقة إلى ترجمة تلك الكتب إلى لغاتهم مرة أخرى، مع استفادتهم من الشروح العربية عليها.

وقد بلغت حركة التأليف والكتابة والترجمة أوجَ نضجها وازدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، ولا سيما بعد أن عرف المسلمون صناعة الورق، وهي الصناعة التي ازدهرت في بغداد أول الأمر، ثم لم تلبث أن عرفت طريقها إلى سائر العواصم الإسلامية في المشرق والمغرب.

وعلى هذا النحو، يمكن القول: إن التاريخ الإسلامي المبكر شهد بداية حركة التدوين؛ بالإقبال على تدوين القرآن الكريم، ثم الحديث الشريف، ثم اتسعت دائرة التدوين لتشمل العلوم والمعارف الأخرى. أما حركة التأليف والترجمة فبلغت أوج ازدهارها في العصر العباسي ، وهذه سُنَّة النشوء؛ إذ يبدأ الشيء صغيرًا ثم يتدرج مع الأيام نموًّا واكتمالاً، وكلما مرت الأيام كانت خطوات التقدم أوسع من ذي قبل.

هجرة العقول

حافظ المجتمع الإسلامي في القرون الخمسة الأولى للهجرة على أصحاب العقول المبدعة والمهارات المتفوقة في شتى ميادين الحياة، وكان العلماء أحراراً في التجول في أرجاء الدنيا طلباً للعلم وزيادة في الاطلاع، ولكن لم يحدث قط أن اختار عالم كبير البقاء الدائم خارج العالم الإسلامي، ولا يمكن القول بأن عناصر الجذب لم تكن موجودة في بلاط البيزنطيين في القسطنطينية، أو في بلاط اللاتين في فرنسا ـ على الأقل في علوم الطبيعة ـ ولكن قوة الشعور بالانتماء للأمة، والتمايز الواضح ثقافياً وحضارياً وشعورياً بين عالم الإسلام وما وراءه، ومكانة العلماء في الإسلام تلك المكانة التي قررها كتابه الأول (القرآن الكريم) وجاءت السنة تؤكدها وترسخها، واستقرار هذه المعاني في نفوس عامة الناس وخاصتهم ـ فجميعهم يحترم العالم ويعترف له بالمكانة، بل وكثير من معارفه يتطوعون في خدمته ودعايته وقضاء مصالحه دون مقابل ـ كانت أسباباً في لزوم العلماء المسلمين دار الإسلام.

كما أن العالم لم يجد أمامه قيوداً فكرية تمنع البحث العلمي الخالص أو تحد من مجالاته. سواء اتصل بعلوم الشريعة أو الآداب أو الفنون والصناعات. فقد حظي أرباب الفنون جميعاً بمكانة اجتماعية طيبة، ولقوا رعاية وتشجيعاً ومكافآت سخية من حكام عصرهم، ونظراً لاجتماع هذه العقول المفكرة وكثرتها في كل فن فقد ظهرت التيارات الفقهية والنحوية والأدبية والعلمية المتنوعة، وانتشر التعليم وأسست المدارس التي تطورت إلى الجامعات التي تعتبر أقدم الجامعات في العالم . لقد أدى ذلك الاهتمام بالتعليم والرعاية لأصحاب الكفاءات أدبياً ومادياً إلى الازدهار الأدبي والاجتماعي والاقتصادي. فنجد اهتماماً بالأدب وتذوقاً للّغة وللأساليب، ونتاجاً واسعاً يحظى الكثير منه بعناية النقاد، كما نلحظ حياة اجتماعية مزدهرة رسخت نظام الأسرة كما حدده الإسلام، ووثقت عرى الروابط بين أبناء العشيرة والقبيلة والمحلة والقرية والمدينة والقطر والعالم الإسلامي كله بشكل دوائر متداخلة بؤرتها الأسرة، وفيها تقوى التزامات التكافل وتشتد ثم تخف كلما اتسعت الدائرة ...

ولكن العلاقات تبقى دائماً منضبطة في دائرة الأخوة وتحريم العصبية والتناصر في الظلم وإقرار العدل والتكافل بين المؤمنين.

وكان العلماء على صلة ببعضهم، يتوارثون تقاليد التربية والتعليم خلفاً عن سلف، فكانوا يعيشون في أجواء علمية كَوَّنوها لأنفسهم في مراكز الحركة الفكرية المهمة في العالم الإسلامي، وقد ساعدت الحكومات القائمة في كثير من الأحيان على استقطاب العلماء في مراكز الحكم، وكان اجتماع أصحاب العقول يولد فيضاً من الأفكار الجديدة في الفنون المتنوعة.

وكان من ثمار ذلك في الحياة الاقتصادية أن تحولت منطقة السواد إلى بقعة خضراء مرتبطة بشبكة ري معقدة. كما نلاحظ التعقيد في هندسة الري في حدائق قصر الحمراء بغرناطة التي تعرف اليوم بـ(جنراليف).

ومن الواضح أن السياسة الاقتصادية التي ترتكز على مبادئ العدالة أدت دوراً في التقدم الزراعي والصناعي كما أن فكرة الاهتمام بعنصر الوقت أساسية في تكوين الحضارة الإسلامية حيث اهتم الدين بغرس فكرة أن الإنسان يحاسب عن وقته فيما قضاه ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن علمه فيما فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه )) [أخرجه الترمذي في جامعه 4/ 612، وقال: حديث حسن صحيح ].

إن الاهتمام بعنصر الزمن، إضافة إلى استثارة الإنسان لإعمار الأرض والإفادة من تسخيرها له، وتهيئة الظروف النفسية والاجتماعية والمادية للعلماء يشكل بعداً إيجابياً عظيم الجدوى في تراثنا، وهو جانب لم يتم استقراؤه بدقة وعمق حتى الآن .. رغم أن الأمة تواجه نزفاً خطيراً في العقول الذكية والكفاءات العالية التي استمرت في الهجرة إلى الغرب (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ) منذ عدة عقود .. ولا تزال تتصاعد بقوة بسبب ظروف العالم الإسلامي الدافعة للهجرة من ناحية، وظروف عالم الحضارة الغربية الجاذبة لأصحاب الكفاءات العالية ممن تعبت بلدانهم في تعليمهم في المراحل الأولى، ثم الإنفاق عليهم في المراحل العليا، وهم يُبتعثون للحصول على الماجستير أو الدكتوراه أو التخصصات الدقيقة ..

وعند ملاحظة الأرقام التي تذكرها الدراسات والتقارير المتخصصة يُصاب الإنسان بالذهول، ويدرك سبباً مهماً من أسباب تخلف العالم الإسلامي، ومن تلك الدراسات هذه المعلومات الإحصائية للدلالة على خطورة الأمر:

  1. إن عدد الأطباء العرب في بريطانيا فقط بلغ (4600) طبيب، وإن (35%) من أطباء لندن وحدها من العرب! وإن عدد الأطباء الإيرانيين العاملين في نيويورك وحدها يفوق عدد زملائهم العاملين فوق أرض إيران جميعا.!!
  2. لقد امتنع ألف عالم ومهندس وطبيب من حملة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية عن العودة إلى وطنهم مصر ما بين عامي 1970م ـ 1980م.
  3. إن عدد المهندسين المهاجرين من مصر إلى الولايات المتحدة بلغ (339) مهندساً عام 1968م، ولو استمرت الزيادة بمعدلاتها الحالية فسوف يصل عدد المهاجرين من المهندسين المصريين ضعف عدد المتخرجين من كليات الهندسة بسائر الجامعات المصرية.
  4. هناك مستويات عالية من أساتذة الجامعات المسلمين يعملون في أوروبا والولايات المتحدة، في جامعاتها أو مراكز البحث في شتى العلوم.

إن هذه الظاهرة قد تعكس ضعف الولاء للوطن الأصلي أحياناً؛ لكنها في أحيان كثيرة لها مسوغاتها القوية والمتمثلة بحالة التخلف في العالم الإسلامي، وانعدام الوعي أو ضعفه أحياناً حتى على صعيد المستويات القيادية فضلاً عن المستويات الأخرى.

وكثيراً ما عاد بعض المهاجرين فاصطدموا بالواقع المرير، وأصابهم اليأس فعادوا من حيث أتوا، يعيشون لأنفسهم ولعلمهم وهواياتهم بعيداً عن مشاكل مجتمعاتهم الأصلية المتخلفة.

لقد تمكنت أرض الحضارة الغربية من احتواء الكثيرين من أبناء العالم النامي؛ ومعظمهم من أبناء العالم الإسلامي، وضمهم إلى مسيرة الأغنياء الأقوياء؛ مفرغين عالمنا الشاحب من بقية الدماء النابضة فيه.

وقد أتحت الأمة بنفسها هذه الفرصة لتفريغ دمائها عندما أرسلت أبناءها للدراسة هناك دون أية توعية. إن الأمة تعاني من فراغ روحي وفكري يشدها إلى بعضها. (( وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية )). وإن الاعتماد على مجرد عبارات طنانة عن خدمة الوطن ما عادت تجدي نفعاً مع عوامل الدفع والجذب العنيفة التي تقطع أوصالها بقوة وتبتها عن جذورها بشدة.

إن عدد سكان الولايات المتحدة يقارب عدد سكان العالم العربي وحده، وكان فيها عام (1968م ) (000, 850 , 1) مليون وثمانمائة وخمسون ألفاً من العلماء والمهندسين والأطباء، واعتبر المخططون ذلك غير كاف، وجامعاتهم تخرِّج (000 ,62 ) اثنين وستين ألفاً من هذه الفئات، وهم يستقبلون قرابة (000, 8) ثمانية آلاف من بقية العالم وخاصة من العالم الإسلامي، ويرون أنهم بحاجة إلى أعداد أكبر لضمان التنمية والتقدم المستمر؛ فكم يقابل هذه الأرقام من العلماء والأطباء والمهندسين في العالم العربي والإسلامي؟!

لقد تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق الغنى والتقدم وصناعة أمجادها العلمية والتقنية العسكرية بعقول أبنائها، وعقول أبناء غيرها، وخاصة من أبناء العالم الإسلامي.

فماذا تم فعله من أجل البناء والتقدم. من أجل الأمة الإسلامية ومن أجل مستقبل الأبناء. من أجل الثقافة والمقومات. من أجل العقيدة؟

هناك (25% ) من مجموع الأطباء العاملين في الولايات المتحدة هاجروا إليها من دول أخرى(13 ). وقد وصل عدد المهاجرين إليها من علماء ومهندسي وأطباء العالم الثالث (272, 15 ) خمسة عشر ألفاً ومائتين واثنين وسبعين في عام 1967م، واستمرت الهجرة بعد ذلك باطراد.

إن تقوية الجذور بالحضارة والثقافة، والتأكيد على ملامح الذات التي يحدد التراث قسماتها يقدمان حلولاً كثيرة لمشكلاتنا الحضارية والثقافية، وما تناولته ليس إلاَّ غيضاً من فيض، وإلاَّ فما أكثر القيم الحضارية والحوافز الخُلُقية التي تحتويها كنوزنا التراثية، والتي تنتظر الباحثين الأكفياء يجلونها وينظرونها ويفيدون منها في بناء المجتمع الإسلامي الحديث.

التنوع المعرفي

اهتم العلماء العرب والمسلمون بتأليف الكتب في شتى فروع المعرفة، على نحو أدى إلى إثراء تراثهم وإكسابه صفة التنوع والاختلاف. وكان لهذا التنوع في ميدان التأليف أسباب موضوعية نذكر منها: حثّ الإسلام على العلم والتعلم والإقبال على المعرفة، واتساع رقعة الدولة الإسلامية وامتدادها الزمني الطويل، وانفتاح المسلمين على كثير من الحضارات، واحتضانهم لكثير من أبناء تلك الحضارات.

لقد تنوعت المؤلفات التي وضعها العلماء والأدباء وكتاب العرب والمسلمين منذ بداية حركة التأليف، بتنوع المجالات المعرفية والموضوعات العلمية المتداولة في كل فترة من فترات الحضارة الإسلامية، فكانت هناك المؤلفات العامة التي تجمع عدة موضوعات في عمل واحد، والمؤلفات الأدبية، والمؤلفات الشعرية التي تتحدث عن الشعر والشعراء وأخبارهم، والمؤلفات اللغوية، والمؤلفات الدينية التي تعالج القضايا الإسلامية من تفسير وفقه وحديث وغيرها، والمؤلفات التاريخية، وكتب التراجم التي تترجم للعلماء والأدباء والشعراء والفقهاء وغيرهم ، والمؤلفات العلمية في الطب والهندسة والصيدلة وغيرها.

وقد واكب نمو حركة التأليف وتشعب مجالات المعرفة، محاولةُ نفر من العلماء إحصاء العلوم وتصنيفها، وهي محاولة بدأت مبكرًا، وقدَّمت لنا أولى تجاربها الناضجة في كتاب "الفهرست" لمحمد بن إسحاق النديم (ت 380هـ). ويمثل هذا الكتاب رؤية شاملة للتراث العرب الإسلامي حتى عصر مؤلِّفه؛ إذ يحوي لائحة مصنفة ومفصلة بأسماء المؤلفين سواء أكانوا من السابقين عليه أم ممن عاصروه، وسواء أكانوا مسلمين أم ممن اعتنقوا ديانة أخرى غير الإسلام وعناوين كتبهم، بالإضافة إلى الترجمة لهم والتعريف بالملامح العامة لحياتهم؛ فهذا الكتاب معين لا ينضب من المعارف والأخبار التي تمنحنا تصورًا عامًّا عن حركة التأليف في التراث العربي الإسلامي حتى نهاية القرن الرابع الهجري.

وقد قسم النديم كتابه إلى عشرة أقسام، وسمَّى كل قسم منها "مقالة"، ثم قسم كل مقالة إلى عدة فنون بلغ مجموعها 33 فنًّا، وذلك على النحو الآتي:

المقالة الأولى: في وصف لغات الأمم، وفي أسماء كتب الشرائع المنزلة، وفي أوصاف القرآن، المقالة الثانية: في النحويين واللغويين، المقالة الثالثة: في الأخبار والآداب والسير والأنساب، المقالة الرابعة: في الشعر والشعراء، المقالة الخامسة: في الكلام والمتكلمين، المقالة السادسة: في الفقه والفقهاء والمحدِّثين، المقالة السابعة: في الفلسفة والعلوم القديمة (الهندسة والموسيقى والحساب.....)، المقالة الثامنة: في الأسمار والخرافات والعزائم والسحر والشعبذة، المقالة التاسعة: في المذاهب والاعتقادات، المقالة العاشرة: في الكيمائيين والصنعويين.

ويقوم منهج النديم في التأليف على التعريف بكل علم من العلوم، ثم الترجمة للمؤلفين الذين صنفوا في هذا العلم، ثم سرد أسماء كتبهم، ثم وصف كل كتاب وصفًا موجزًا.

وعلى الرغم من أن كثيرًا من المؤلفات التي ذكرها النديم لم تصلنا، فإن كتابه يبقى من بين المصادر التي لا يستغني عنها دارس للتراث العربي الإسلامي؛ للتعرف على المؤلفين ومصنفاتهم، إضافة إلى كونه وثيقة شاملة تبين مقدار ما وصلت إليه الحياة العقلية والفكرية في العالم الإسلامي من نضج وأصالة، حيث ضمّ معلومات عن أكثر من 6000 كتاب ورسالة.

وفي القرن العاشر الهجري قدَّم العالم التركي طاش كبري زاده (968هـ) محاولة جديدة في مجال تصنيف العلوم، وبيان التنوع المعرفي للتراث الإسلامي، وهي المحاولة التي يمثلها كتابُه المهم "مفتاح السعادة ومصباح السيادة". وقد تحدث فيه عن العلوم وأقسامها وفروعها، فذكر كيف تفرعت العلوم، وعلاقة كل علم بغيره من العلوم، وقسَّم كتابه إلى شعب وفروع. وقد بلغ عدد العلوم في إحصائه نحو 300 علم قسمها إلى ستة أبواب. وعندما يذكر العلم يعرّفه ويبين حدوده، ويبحث في تاريخه بحثًا نقديًّا، ثم يشير إلى أشهر المؤلفات الموجودة في هذا العلم.

وقد بدأ طاش كبري زاده كتابه بأربع مقدمات:

  1. المقدمة الأولى: في بيان فضيلة العلم والتعلم والتعليم.
  2. المقدمة الثانية: في شرائط المتعلم ووظائفه.
  3. المقدمة الثالثة: في وظائف المعلم.
  4. المقدمة الرابعة: في بيان النسبة بين طريق النظر وطريق التصفية.

وبعد أن فرغ طاش كبري زاده من تلك المقدمات الأربع، كتب مقدمة خامسة في بيان حصر العلوم على الإجمال، ثم شرع بعد ذلك في تفصيل الكلام على تلك العلوم علمًا علمًا. وقد قسم طاش كبري زاده الكتاب إلى أربع مراتب: في الأعيان، في الأذهان، في العبارة، في الكتابة، ثم قسم هذه المراتب على سبع دوحات:

  1. في الكتابة، الدوحة الأولى: في بيان العلوم الخَطِّية، وذكر لها شعبتين: في الصناعة الخطية وفي إملاء الحروف المفردة.
  2. في العبارة، الدوحة الثانية: في بيان الالفاض، وذكر لها ثلاث شعب: في المفردات، والمركبات، وفي فروع العربية.
  3. في الأذهان، الدوحة الثالثة: في بيان المعقولات، وذكر لها شعبتين: في علوم تَعْصِم عن الخطأ في الكسب، وفي علوم تَعْصِم عن المناظر والدرس.
  4. في الأعيان، الدوحة الرابعة: في العلم المتعلِّق بالأعيان، وذكر لها عشر شعب: خمسًا في العلم الإلهي والعلم الطبيعي والعلوم الرياضية وعلم الهيئة وعلم الموسيقى، وخمسًا في فروع هذه العلوم.
  5. في الأعيان، الدوحة الخامسة: في الحكمة العملية، وذكر لها أربع شعب: في علوم الأخلاق، وفي علم تدبير المنزل، وفي علم السياسة، وفي فروع هذه العلوم.
  6. في الأعيان، الدوحة السادسة: في العلوم الشرعية، وذكر لها ثماني شعب: في علم القراءة، وعلم رواية الحديث، وعلم تفسير القرآن، وعلم دراية الحديث، وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه، وعلم الفقه، وفي فروع هذه العلوم.
  7. في الأعيان، الدوحة السابعة: في علوم الباطن، وذكر لها أربع شعب: في العبادات، وفي العادات، وفي المـُهْلِكات، وفي المنجِيات.

وهناك أيضا كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" لحاجي خليفة (ت 1067هـ)، وهو معجم كبير في عناوين الكتب العربية وبعض الكتب التركية والفارسية، أورد فيه نحوًا من 14500 كتاب ذاكرًا اسم مؤلفه، وسنة وفاته، وموضوع الكتاب أو شيءًا من مقدمته، وعدد مجلداته أو أوراقه أو كراريسه، وقد يسترسل حاجي خليفة فيذكر ما وضع عليه من الشروح والتعليقات والاختصارات، وقد صدَّر الكتاب بمقدمة طويلة عن ماهية العلم وموضوعاته وغايته وتقسيمه وعن منشأ العلوم. وقد أورد حاجي خليفة في هذا الكتاب أكثر من 300 علم.

وفي العصر الحديث تصادفنا بعض الكتب المهمة التي ابتغى واضعوها إلقاء ضوء ساطع على الإنتاج الفكري للحضارة العربية الإسلامية، ولعل أبرزها كتابان مشهوران:

أولهما: "تاريخ الأدب العربي" للمستشرق الألماني كارل بروكلمان، الذي حاول في كتابه مسح الحياة الثقافية والفكرية للعرب والمسلمين منذ العصر الجاهلي إلى العصر الحديث.

ولايقتصر مفهوم كلمة (الأدب) عند بروكلمان على نطاق الشعر والنثر، ولكنه يتسع ليشمل كل النشاطات الفكرية والثقافية والفنية التي يمارسها الإنسان؛ وكل فروع العلم والفلسفة والفن، بالإضافة إلى الشعر والنثر. وقد قسم بروكلمان الأدب العربي في كتابه إلى فترتين أساسيتين، تستغرق كل فترة مجلدًا كاملاً، هما:

المجلد الأول: قسمه إلى كتابين:

1 - الكتاب الأول: أدب الأمة العربية من أوَّليَّته إلى سقوط الدولة الأموية:

  • من العصر الجاهلي حتى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.
  • عصر صدر الإسلام.
  • العصر الأموي.

2 - الكتاب الثاني: الأدب الإسلامي باللغة العربية:

  • من مطلع الدولة العباسية حتى نهاية القرن الرابع الهجري (الفترة الكلاسيكية).
  • من بداية القرن الخامس الهجري حتى سقوط بغداد[؟] 656هـ (ما بعد الكلاسيكية).
المجلد الثاني:
  • من سقوط بغداد[؟] (الاجتياح المغولي) حتى الفتح العثماني لمصر 1517م.
  • الحكم العثماني حتى دخول نابليون مصر 1798م.
  • من الحملة الفرنسية حتى سنة 1900م.

وقد ذكر بروكلمان في كتابه نحو عشرين ألف عنوان لمؤلفات في مختلف فروع العلم والمعرفة.

ثانيهما: "تاريخ التراث العربي" للعالم التركي فؤاد سزكين. وكانت خطة المؤلف في البداية تقوم على وضع ملحق لكتاب بروكلمان؛ ليتدارك ما فاته من مواد ويصحح أخطاءه وهفواته، ويضيف ما وقف عليه من معلومات، وما اكتشف بعد وفاة بروكلمان، غير أن سزكين انتهى إلى إعداد عمل جديد مستقل عن كتاب بروكلمان، فراجع كل ما ذكره بروكلمان وأضاف إليه معلومات جديدة مكملة.

أصدر سزكين كتابه باللغة الألمانية[؟] في تسعة مجلدات، نشرتها دار بريل (ليدن)؛ حيث صدر الجزء الأول منها سنة 1967م، ثم توالى صدور مجلدات الكتاب حتى سنة 1984م.

  • المجلد الأول: القرآن، الحديث، التدوين التاريخي، الفقه، العقائد، التصوف.
  • المجلد الثاني: الشعر.
  • المجلد الثالث: الطب، الصيدلة، علم الحيوان، البيطرة.
  • المجلد الرابع: السيمياء، الكيمياء، النبات، الفلاحة.
  • المجلد الخامس: الرياضيات.
  • المجلد السادس: علم الفلك.
  • المجلد السابع: علم الفلك.
  • المجلد الثامن: علم اللغة.
  • المجلد التاسع: النحو.

ثم أصدر سزكين خمسة مجلدات جديدة عن معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت، ومجلدًا لكشافات الأجزاء التسعة الأولى .

  • مجلد: كشافات للأجزاء 1-9، صدر سنة1995م.
  • المجلدات العاشر، الحادي، الثاني عشر: الرياضيات الجغرافية والخرائطية في التراث الإسلامي ووجودها المستمر في الغرب [مجلدان للنصوص، والثالث للخرائط]، سنة 2000م.
  • المجلد الثالث عشر: الرياضيات الجغرافية والخرائطية في التراث الإسلامي وتواجدها المستمر في الغرب [المؤلِّفون]، سنة 2007م.
  • المجلد الرابع عشر، الخامس عشر: الجغرافية البشرية، 2010م.
المصدر: wikipedia.org