English  

كتب أوضاع الدولة العباسية

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أوضاع الدولة العبَّاسيَّة (معلومة)


كانت بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة وحاضرة الخِلافة الإسلاميَّة مُنذ حوالي 496 سنة، وقارب عدد سُكَّانها آنذاك مليون نسمة، إلَّا أنَّ سُلطة الخُلفاء العبَّاسيين في هذا الوقت كانت قد ضعًفت، وانحسر نُفوذهم حتَّى أصبح يقتصر تقريبًا على مُعظم العراق وأجزاء من فارس، أمَّا في بقيَّة العالم الإسلامي فلم يكن لهم سوى الدُعاء على منابر المساجد، بعد أن حدثت عدَّة انفصالات إداريَّة عن الدولة العبَّاسيَّة، في الشَّام ومصر وفارس والأناضول، مُنذ عدَّة قُرون، وتفرَّد بِحُكم تلك البلاد عدَّة وُلاة وأُمراء محليين. ويُعزى ضعف الخُلفاء العبَّاسيين وتراجع هيبتهم، وانفصال بعض الولايات عنهم، إلى عدَّة عوامل، من أبرزها اتساع رقعة الدولة العبَّاسيَّة، حتَّى غدت إمبراطوريَّة تبسطُ جناحيها على كافَّة أنحاء المنطقة المُمتدَّة من حُدود الصين وُصولًا إلى المغرب الأوسط في شمال أفريقيا. ولكن هذا الاتساع في المساحة، بدلًا من أن يكون عامل قُوَّةٍ في كيان الدولة، انقلب إلى عامل ضعفٍ فساعد على تفسُّخها وتفكُّكها، ذلك أنَّ بُعد المسافة بين أجزاء الدولة وبين عاصمتها، وصُعوبة المُواصلات في ذلك الزمن، جعلا الوُلاة في البلاد النائية يتجاوزون سُلطاتهم ويستقلُّون بِشُؤون ولاياتهم دون أن يخشوا الجُيوش القادمة من عاصمة الخِلافة لِإخماد حركاتهم الانفصاليَّة، والتي لم تكن تصل إلَّا بعد فوات الأوان. كذلك، كان الخُلفاء العبَّاسيُّون قد اعتمدوا على التُرك بشكلٍ كبير مُنذ أيَّام الخليفة أبو إسحٰق مُحمَّد المُعتصم بالله نظرًا لِقُدرتهم القتاليَّة العاليَّة ولِأنَّ المُعتصم لم يكن يركن إلى العرب لِكثرة تقلُّبهم وفي نفس الوقت ضعُفت ثقتهُ بالفُرس، فاستكثر من شراء المماليك التُرك بِهدف الحد من النُفوذين العربي والفارسي حتَّى بلغت عدَّتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفًا. وخصَّ الخليفة مماليكه بالنُفوذ، وقلَّدهم قيادة الجُيوش، ومكَّنهم في الأرض، وجعل لهم مركزًا مُتفوقًا في مجال السياسة، فنمت قُوَّتهم مع الوقت، وأخذوا يتدخلون في شُؤون الخِلافة، حتَّى أمست الدولة العبَّاسيَّة في أيديهم، يفعلون ما يُريدون، يعزلون خليفة ويُولُّون آخر، حتَّى أنَّ بعض الخُلفاء قُتلوا نتيجة مُؤامراتهم. وطمع بعضهم في الاسئثار بِشُؤون الحُكم في العاصمة حين أدركوا أنَّ الخِلافة لا يُمكنها الاستغناء عن خدماتهم، فأخذوا يزيدون من تدخُّلهم في شُؤون الخِلافة حتَّى تمكنوا من تثبيت أقدامهم في الحُكم، ويصف ابن طباطبا ذلك بِقوله: «وَاستَضعَفُوا الخُلَفَاءَ، فَكَانَ الخَلِيْفَةُ فِي أَيدِيهِمُ كَالأَسِيْر، إِن شَاؤُوا أَبقُوهُ، وَإِن شَاؤُوا خَلَعَوهُ، وَإِن شَاؤُوا قَتَلُوهُ». بناءً على هذا، استبدَّ الحرس التُركي بِأُمور البلاد، وكان من نتيجة ذلك أن تراجعت هيبة الخُلفاء ونُفوذهم شيءًا فشيئًا، وتناوب على الخِلافة أشخاصٌ ضعاف لا مقدرة لهم على تسيير شُؤون البلاد والعِباد، ولم يتمكنوا من إعادة فرض نُفوذهم المُباشر على البُلدان المُنفصلة.

نكبة بغداد

وفي سنة 640 هـ المُوافقة لِسنة 1242م تولَّى أبو عبدُ المجيد عبدُ الله المُستعصم بالله أمر الخِلافة، ويبدو أنَّهُ لم يكن خيرًا من أسلافه، إذ اتصف بالطيش واللامُبالاة والتهوُّر ومال إلى الشهوات الدُنويَّة، وفق ما ورد في المصادر الإسلاميَّة القديمة، فقد وصفه ابن كثير قائلًا: «كَانَ فِيهِ لِينٌ وَعَدَمَ تَيَقُظٍ وَمَحَبَّةٌ لِلمَالِ وَجَمعِهِ». ووصفهُ المُؤرَّخ ابن أيبك الدواداري قائلًا: «كَانَ فِيهِ هَوجٌ، وَطَيْشٌ، وَظُلمٌ، مَع بَلَهٍ، وَضِعفٍ، وَانقِيَادٍ إِلَى أَصحَابِ السُّخفِ. يَلعَبُ بِطُيُورِ الحَمَامِ، وَيَركَبُ الحِمِيرَ المِصْرِيَّةَ الفُرءِ». أمَّا عن الأحوال الداخليَّة في بغداد والعراق حينذاك، فالواقع أنها كانت سيئة جدًا نظرًا لِعدم جديَّة المُستعصم في إدارة الشُؤون العامَّة، فقد أصاب بغداد في أواخر صيف سنة 654 هـ المُوافقة لِسنة 1256م سيلاً ضخمًا أغرقها وأزال بيوتًا ومتاجر كثيرة برُمّتها، وفشا السلب والنهب، وخربت نصف أرض العراق، وأُطلق على هذا السيل تسمية «الغرق المُستعصمي». كذلك، تعددت مراكز القوى آنذاك في عاصمة الخِلافة، واختلفت فيما بينها بِفعل عوامل سياسيَّة ومذهبيَّة. فأربابُ السُلطة، ومن بيدهم إدارةُ الشُؤون العامَّة مُتنازعون مُتباغضون، كُلٌ منهم يُحيكُ المُؤامرات ضدَّ الآخر، ويُسفِّه رأيهُ أمام الخليفة الذي وقف عاجزًا عن وضع حدٍ لِهذه المشاكل. فترتب على ذلك أن اشتدَّت الخِلافات بين وزيريّ المُستعصم مُجاهدُ الدين الدوادار السُنيّ ومُؤيِّدُ الدين بن العُلقُمي الشيعيّ، ممَّا كان لها أثرها السيء في اضطراب الأُمور وتقويض سُلطة الخِلافة. وكان سُكَّانُ بغداد من المُسلمين والنصارى واليهود، في تناحُرٍ مُستمر وخِلافٍ مذهبيٍّ مُستحكم، خاصَّةً بين المُسلمين أنفسهم، أي بين أكبر طائفتين: أهلُ السُنَّة والجماعة والشيعة الاثنا عشريَّة، كما كانوا يختلفون في المسائل السياسيَّة. وبعد الغرق المُستعصمي هاج مُجاهدُ الدين وابن العُلقُمي على بعض، فانتشرت الاضطرابات بين السُنَّة والشيعة نتيجة هذا الخِلاف بين أقوى رجُلين في المدينة، وامتدَّت الفتنة حتَّى شملت أرض الجزيرة الفُراتيَّة، وتحوَّل الأمر إلى ما يُشبه حربًا أهليَّةً مُصغَّرة.

المصدر: wikipedia.org