اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ساهم أدورنو في صياغة الثقافة السياسية الجديدة لألمانيا الغربية بعد عودته من الولايات المتحدة عند انتهاء الحرب حتى وفاته عام 1969، واستأنف عمله كأستاذ في جامعة فرانكفورت فور عودته إلى ألمانيا وأعطى الكثير من المحاضرات النقدية حول فلسفة هيغل وكانط وعلم الجمال والمشكلات المعاصرة في نظريَّة المعرفة ومفهوم المعرفة، ولكنَّ شغفه واهتمامه بالتدريس لم يُعمه عن المشكلات المستمرة التي كانت تعصف بألمانيا، فالمناخ الأدبي كان يهيمن عليه الكتاب الذين عاشوا في ألمانيا خلال حكم هتلر، ووصل الكثير من النازيين السابقين إلى الوظائف والمناصب العامة، واختفت روح التعاون في مجتمع فرانكفورت المُمزق، ولذلك كان من الصعب التمسك بأفكار حقيقيَّة وجميلة بعد كل هذه الفظائع، أو التشبث بثقافة فقدت نفسها تحت الأنقاض أو في معسكرات الاعتقال، وكانت كلُّ الحماسة التي أظهرها طلاب أدورنو لأفكاره لا تستطيع أن تمحو الشكوك في أنَّ الثقافة أصبحت ذريعة أو تبرير لغياب الوعي السياسي ، رغم ذلك كلِّه سرعان ما تبلورت الأسس لما بات يعرف لاحقاً "بمدرسة فرانكفورت"، وعاد هوركهايمر لمنصبه كأستاذ للفلسفة الاجتماعية، وأصبح معهد البحوث الاجتماعية الذي أعيد بناؤه رأس الحربة في التفكير النقدي الألماني.
كتب أدورنو سلسلة من المقالات الهامة والمؤثرة لوصف السمات النفسية للفاشية، أولها "فاغنر، نيتشه، هتلر" التي كتبها عام 1947، وأشهرها "الشخصية الاستبداديَّة" التي نشرها عام 1950 كمساهمة في الدراسات التي أجرتها عدة معاهد بحثية في الولايات المتحدة ، تتألف هذه المقالة من تفسيرات نوعية للطابع الاستبدادي من خلال استخدام أسئلة غير مباشرة عن الموضوع، وفي نفس السياق كتب مقالته "الفرويديَّة النظريَّة ونمط الدعاية الفاشية" التي نشرها عام 1951 وقال فيها إنَّ العوامل النفسية ليست سبباً للفاشية، بل إنَّ الفاشية هي التي تستغل بنجاح عامل نفسي معيَّن لتحقيق مصالحها ، وفي عام 1952 شارك في تجربة جماعية للكشف عن بقايا الاشتراكية النازية عند الألمان الذين تحولوا حديثاً نحو الديمقراطيَّة، ثم نشر مقالين هامين: معنى العمل عبر الماضي (1959)، والتعليم بعد أوشفيتز (1966)، حيث أكَّد فيهما على بقاء الأفكار الاشتراكية القوميَّة في العقليات والمؤسسات الألمانية في فترة ما بعد 1945 وأنَّ هناك خطر حقيقي من إمكانية صعودها مرة أخرى.
عاد أدورنو إلى الولايات المتحدة في سبتمبر 1951 في زيارة استمرت 6 أسابيع، حضر خلالها افتتاح مؤسسة هاكر للطب النفسي، والتقى عدداً من أصدقائه القدامى وشاهد والدته للمرَّة الأخيرة، وأثناء عودته إلى ألمانيا توقَّف في باريس لإلقاء محاضرته: "الحالة الراهنة للبحوث الاجتماعية التجريبيَّة في ألمانيا" في المؤتمر الذي كان معقوداً فيها حول أبحاث الرأي، وفي هذه المحاضرة شدَّد على أهمية جمع البيانات والتقييم الإحصائي مع التأكيد على أنَّ هذه الأساليب التجريبيَّة لها دور مساعد فقط ويجب أن تساهم في تكوين نظريَّات من شأنها الوصول للحقائق عن طريق الوعي ، لاحقاً أصبح هوركهايمر عميداً لكلية الفنون ثمَّ رئيساً لجامعة فرانكفورت، وهكذا وقعت مسؤوليات المعهد على عاتق أدورنو بشكلٍ كامل، وفي هذه الفترة أيضاً جدَّد نشاطاته الموسيقيَّة وكتب عدداً من الأعمال الفلسفية والاجتماعية الهامة.
سُحبت الجنسيَّة الأمريكية من أدورنو بحلول منتصف عام 1952 لأنَّه استمرَّ بالتواجد خارج أراضيها، ولكنَّ ذلك لم يمنعه من القيام بعدة زيارات لأمريكا وكتابة مقالات متنوعة في أكثر من مجلة أمريكيَّة، أمَّا في فرانكفورت فقد استمرَّ في القيام في واجباته الأكاديميَّة وكتب مقالات هامَّة اعتباراً من عام 1952 منها: "ملاحظات حول كافكا"، "متحف فاليري بروست"، "مقالة عن شوينبيرغ"، وأصدر في عام 1955 كتاباً يضمُّ نخبةً من مقالاته، ونشر في الفترة ما بين عام 1958 - 1961 مذكّرات أدبية في كتابين ضخمين.
في تلك الفترة أقام أدورنو علاقات وثيقة مع شعراء ألمانيا المعاصرين مثل بول سيلان وإنغبورغ باخمان، وناقش في عدة مقالات وضع الشعر والثقافة الألمانية بعد أوشويتز دافع فيها عن الأدب الملتزم الذي يشكِّل جزءاً من الصراع الفكري والثقافي في ألمانيا ما بعد الحرب، وفي عام 1963 انتخب أدورنو لمنصب رئيس الجمعية الاجتماعية الألمانية وترأس مؤتمرين هامَّين للجمعية: الأول عام 1964 "عن ماكس ويبر وعلم الاجتماع"، وفي عام 1968 "عن الرأسمالية والمجتمع الصناعي"، واستمرَّ في الانخراط في النقاشات الفلسفيَّة والفكرية التي كانت تعصف بالثقافة الألمانية في ذلك الوقت، وكتب العديد من المقالات والكتب الهامة التي تناقش الوضع الألماني العام حينها.