English  

كتب أورخان غازى

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أورخان غازي (معلومة)


الملك المُجاهد والسُلطانُ الغازي شُجاعُ الدين والدُنيا أُورخان خان بن عُثمان بن أرطُغرُل القايوي التُركماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: الملكُ المُجاهد غازى سُلطان اورخان خان بن عُثمان بن ارطُغرُل؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sultan Orhan Gazi Han ben Osman)، ويُعرف كذلك باسم أورخان بك (بالتُركيَّة المُعاصرة: Orhan Bey)؛ هو ثاني سلاطين آل عُثمان والابن الثاني لِمُؤسس هذه السُلالة الملكيَّة عُثمان الأوَّل. وُلد في مدينة سُكود عاصمة إمارة والده سنة 687هـ المُوافقة لِسنة 1281م، والدتُه هي مال خاتون بنت الشيخ «إده بالي»، وجدُّه لِأبيه هو الأمير الغازي أرطُغرُل بن سُليمان شاه، وجدَّتُه لِأبيه هي حليمة خاتون.

تولَّى السُلطة سنة 726هـ المُوافقة لِسنة 1326م بعد وفاة والده، وبعد أن تنازل لهُ أخوه علاءُ الدين عن العرش طوعًا، وقد امتدَّ حكمه حوالي 35 سنة. شهد عهده توسُّع الإمارة العُثمانيَّة وضمِّها لِلعديد من الأراضي والبِلاد المُجاورة وتصفية آخر مراكز النُفوذ والقُوَّة البيزنطيَّة في آسيا الصُغرى، فهزمت الجُيُوش العُثمانيَّة الروم بِقيادة الإمبراطور أندرونيقوس الثالث پاليولوگ في معركة پيليكانون، وفتحت ما تبقَّى من قِلاعٍ وحُصونٍ بيزنطيَّةٍ في غرب وشمال غرب الأناضول، ثُمَّ حوَّل أورخان أنظاره ناحية جيرانه المُسلمين ففتح أراضي إمارة قره سي وضمَّها إلى مُمتلكاته. وقد استفاد أورخان من النزاع الأُسري والحرب الأهليَّة التي نشبت في بلاد الروم بعد وفاة الإمبراطور أندرونيقوس الثالث واعتلاء يُوحنَّا الخامس ذي السنوات التسع العرش، إذ استعان به الإمبراطور القائم بِحُكم الأمر الواقع يُوحنَّا السادس قانتاقوزن لِقتال أنصار الإمبراطور الشرعي اليافع بِقيادة والدته حنَّة الساڤويَّة، ممَّا سمح لِلعُثمانيين بِالحُصول على الكثير من الغنائم الحربيَّة من مُختلف أنحاء تراقيا، وقد تزوَّج أورخان بِتُيُودورة ابنة الإمبراطور لِقاء هذه الخدمات. وفي الحرب الأهليَّة الأُخرى التي دارت رحاها بين الروم ما بين سنتيّ 1352 و1357م، عاود قانتاقوزن الاستعانة بِأُورخان ضدَّ يُوحنَّا الخامس نفسه هذه المرَّة، ومنحهُ لقاء هذه الخدمة قلعة «جنبي» الواقعة في شبه جزيرة گليپولي حوالي سنة 1352م. وفي يوم 6 صفر 755هـ المُوافق فيه 2 آذار (مارس) 1354م، ضرب زلزالٌ شديد گليپولي فدمَّرها وانهارت أسوارها، فعبر إليها العُثمانيُّون بِقيادة سُليمان بن أورخان وسيطروا عليها وأعادوا تعميرها، لِيكون ذلك أوَّل استقرارٍ إسلاميٍّ بِالبلقان، وأولى الخُطوات العُثمانيَّة نحو حصار القُسطنطينيَّة.

تكمُنُ قيمة أورخان في التاريخ الإسلامي أنَّهُ شهد أوَّل استقرارٍ لِلمُسلمين في أوروپَّا الشرقيَّة، كما شهد ظُهور نظامٍ عسكريٍّ جديدٍ وأوَّل جيشٍ نظاميٍّ في القارَّة العجوز هو جيش الإنكشاريَّة، الذي قُدِّر لهُ أن يكون أعظم جيشٍ في العالمين الإسلاميّ والمسيحيّ لِفترةٍ طويلةٍ من الزمن، وأن يُلقي الرُعب في قُلوب المُلوك والأباطرة والأُمراء الأوروپيين لِمُدَّة أربعة قُرونٍ مُتتالية، بِالإضافة إلى ظُهور الإمارة العُثمانيَّة التي أصبحت تمتد من أنقرة إلى تراقيا، بعد أن ضاعف الأراضي التي ورثها عن والده ست مرَّات، وأرسى أوَّل تنظيمٍ لِلدولة. دام حُكم أورخان خمسًا وثلاثين سنة، وعندما تُوفي كان في الحادثة والثمانين من عُمره، ليكون بِذلك أطول من عمَّر من سلاطين بني عُثمان، وكما كان حالُ والده، عاش أورخان حياةً زاهدةً أقرب إلى حياة المُتصوفين، ولم يُلقَّب بِالسُلطان رُغم شُيُوع ذلك اللقب في المُؤلَّفات التي تتحدث عنه، بل عُرف بِلقب «بك» أي «أمير». وعندما زار الرحَّالة المُسلم ابن بطوطة الأناضول في فترة حُكم أورخان وقابله هُناك، قال عنه: «إِنَّهُ أكبَرُ مُلُوكِ التُركُمَان، وَأكثَرَهُم مَالًا وَبِلَادًا وَعَسكَرًا، وَإنَّ لَهُ مِنَ الحُصُونِ مِا يُقَارِبُ مَائَة حِصنٍ، يَتَفَقَّدُهَا وَيُقِيمُ بِكُلِّ حِصنٍ أيَّامًا لِإصلَاحِ شُؤُونِهِ». ووصفه المُؤرِّح أحمد بن يُوسُف القرماني بِقوله: «وَكَانَ مَلِكًا جَلِيلًا، ذَا صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَسِيرَةٍ مَرْضِيَّةٍ، وَكَرَمٍ وَافِرٍ، وَعَدْلٍ مُتَكاثِرٍ. بَنَى بِإِزْنِيق جَامِعًا وَمَدْرَسَة، وَهِيَ أَوَّلُ مَدْرَسَة بُنِيَت فِي الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ».

حياته قبل الإمارة

بداياته

لا يُعرف سوى القليل عن شباب أورخان وحياته قبل تولِّيه زعامة إمارة أبيه، كما أنَّ هُناك خِلافٌ حول تاريخ ميلاده. تنُصُّ أغلب المصادر على أنَّ ميلاد هذا السُلطان كان في سنة 687هـ المُوافقة لِسنة 1281م، وبعضُها الآخر يجعل ولادته في سنة 688هـ المُوافقة لِسنة 1281م، وعاش 80 سنة وفقًا لِكتابٍ باسم «مناقب أورخان» كُتب في عصره. كما أنَّ المصادر المُتأخره بعضها يُشير إلى أن ميلاده كان في سنة 1281م والبعض الأخر ينص على أنَّ ميلاده كان في سنة 1274م، أو 1279م، أو 1287م. لا يُعرف كيف قضى أورخان غازي طُفُولته وشبابه، كما لا يعُرف كيف تربَّى وحصل على التعليم، بل حتَّى لا يُعرف إن كان أُميًا أم مُتعلمًا. أوَّلُ ظُهورٍ مُوثقٍ لِأورخان غازي في التاريخ كان في سنة 1298م عند زواجه من ابنة صاحب يار حصار، وتُدعى نيلوفر خاتون، فولدت لهُ سُليمان ومُراد. ظهر مرَّة أُخرى عندما نقل والده مركز دولته من بيله جك إلى يني شهر في سنة 1299م حيثُ أُرسل أورخان مع الأتابك گُندز ألب صاحب الخبرة إلى قراجة حصار. وفي سنة 1300م فتح أورخان قلعة كوبري حصار ومن بعدها أصبح أميرًا لِلحُدود في قراجة حصار. ومن بعد ذلك حصل على رُتبة بكلربك أو أمير الأُمراء، وعُيِّن قائدًا لِجيش الإمارة الصغير وانضم إلى كُل عمليَّات والده العسكريَّة. فاشترك في حصار إزنيق سنة 1301م، وحرب ديم بوز (دين بوز) سنة 1303م، بينما لم يُشارك في حرب لفكه لبقائه في إسكي شهر وقراجة حصار لمواجهة تهديدات الإمارة الكرميانيَّة التُركمانيَّة المُجاورة. وقد بقي معه رجال والده الموثوقين ككوسه ميخائيل وصالتوق ألب. وأثناء انشغال والده بالفُتوحات قام الأمير الكرمياني «چفدر تتر» بالهُجوم على سوق قراجة حصار ونهبه ثُمَّ انسحب. اقتفى أورخان أثر الناهبين ولحقهم حتَى قلعة چفدر حصار، وأعاد ما نهبوه وأسر ابن چفدر تتر. وقد عقد عثمان غازي مُعاهدة مع الكرميانيين بهذا الأسير وأرجعه لوالده. وعندما قرر عُثمان البقاء في قراجة حصار لصد أي هُجومٍ مُحتملٍ لِلكرميانيين، أرسل ولدهُ مع بعض القادة العسكريين من رفاق دربه وقادة الآخية الفتيان أمثال «غازي ألبلر»، و«آقچه خوجة» و«قُونور ألب» و«الغازي عبدُ الرحمٰن» و«كوسه ميخائيل» إلى صقارية في سنة 1305م. ووفقًا لِعاشق باشا زاده فإنَّ تلك الغزوة كانت أوَّل حربٍ يقودها أورخان غازي. كما فتح أورخان قلعة «قره چپوش» ذات الأهمية الاستراتيجية، وقلعة «قره تكين» الواقعة أمام إزنيق، وقلعة أبسو، وانضمَّ بعد ذلك إلى والده في يني شهر، وكان الهدف من تلك الحملات والغزوات قطع الإمدادات القادمة إلى إزنيق وإجبار حاميتها على الاستسلام. وقد اكتسب أورخان تجربته العسكرية في تلك الحروب. تشيرُ بعض المصادر أيضًا أنَّ عُثمان أرسل ولده أورخان ما أن بلغ 20 سنةً من العُمر لِيتولَّى حُكم مُقاطعة «ناقهير» الصغيرة، لكنَّ الأخير لم يمكث فيها طويلًا، وعاد إلى العاصمة سُكود سنة 1309م.

فتح بورصة

    وفي 15 ربيع الآخر 736هـ المُوافق فيه 1 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1335م، تُوفي آخر إلخانات المغول في فارس أبو سعید بهادُر خان، فسارع أورخان إلى إعلان استقلال إمارته عن الدولة الإلخانيَّة بعد أن تفتتت وانقضى أجلُها، ليُصبح بِهذا سُلطانًا حقيقيًا غير تابع لِأحد، وبِصفته أقدر أُمراء ورثة سلطنة سلاجقة الروم، فقد أعلن بِصُورةٍ رسميَّةٍ أنَّهُ الخلف الشرعي لِلعرش السُلجوقي الذي خلا. اختلفت مواقف الإمارات التُركمانيَّة الأُخرى إزاء هذا الادعاء، فبينما عارضته صراحةً إمارة القرمان التي كانت تُسيطرُ على مدينة قونية التي كانت عاصمة العرش السُلجوقي، تأرجحت مواقف الإمارات الأُخرى بين التعاون مع إمارة القرمان والمُوافقة على موقفها المُعارض أحيانًا، وبين مُساندتهم لِبني عُثمان كسبًا لِودِّهم وخشيةً من قُوَّتهم العسكريَّة المُتنامية أحيانًا أُخرى.

    وفي الواقع، فإنَّ إعلان أورخان هذا كان يُفيد بِمدى شُعوره بالاطمئنان والقُوَّة أمام جيرانه، ويُفيد عن نيَّة دولته العُثمانيَّة الناشئة أن ترث دولة سلاجقة الروم في آسيا الصُغرى، وترث ما كانت تملكه. وفي نفس الوقت أدَّى اندفاع العُثمانيين باتجاه الغرب إلى رغبتهم في تأمين واجهةٍ لهم على الساحل الجنوبي لِبحر مرمرة، وكان موقع إمارة قره سي يُحقق لهم هذه الرغبة، لِذلك تطلَّع أورخان إلى ضمِّها. ويذكر يُوحنَّا قانتاقوزن أن مُحاربي القرة سي قاموا بغاراتٍ على الروملِّي قبل العُثمانيين. وكانت إمارة قره سي تضم في الغرب مضيق إدرميت وبرغمة وطروادة وأيدين جك في جنوب سواحل مرمرة، وبالق أسير في الشرق. وقد كان القرة سيُّون في مقدمة الإمارات التُركمانيَّة التي شرعت بِالإغارة على الروملِّي ومضيق چنق قلعة من الناحية الأخرى، ومن المعروف أنَّ الأمير ياخشي بك كان قد أغار على شبه جزيرة گليپولي وتراقيا قبل سنواتٍ من عُبُور العُثمانيين إليها. بدأ العُثمانيُّون في الاستيلاء على أراضي إمارة قره سي قطعة قطعة في الفترة المُمتدة بين سنتيّ 1336م إلى 1361م. وكان دمير خان أمير قره سي أراد أن يتحد سابقًا مع عُثمان غازي في سبيل توحيد الجبهة الإسلاميَّة ضدَّ البيزنطيين، وبعد وفاة دمير خان دبَّ النزاع بين ولديه طورسون وتيمورطاش حول الأحقيَّة في العرش، فالتجأ طورسون إلى أورخان على أمل أن يحصل منهُ على العون ضدَّ شقيقه، ولم يُفوِّت أورخان هذه الفُرصة لِيضم أراضي قره سي إلى مُلكه. فعقد مع الأمير مُعاهدةّ نصَّت على ضم بلاده بالكُليَّة لِلدولة العُثمانيَّة، على أن يترك قلعة بهرام، ومنطقة «قزلجه - طُوزلة» التي تُخرج مقادير وافرة من الملح. وبِهذا، أصبحت إمارة قره سي أوَّل إمارةٍ إسلاميَّةٍ في الأناضول يضُمَّها العُثمانيُّون إلى أملاكهم، وذلك في سنة 735هـ المُوافقة لِسنتيّ 1334-1335م. وبِذلك أضحى الساحل الجنوبي لِبحر مرمرة عُثمانيًا، وغدا العُثمانيُّون يتحكمون في مضيق الدردنيل، كما أصبحوا أقوى الإمارات التُركمانيَّة في المنطقة.

    بعد الانتهاء من ضم إمارة قره سي، حوَّل أورخان أنظاره مُجددًا ناحية نيقوميدية طامحًا في ضمِّها إلى مُمتلكاته، ولم يعبئ بِمُعاهدة الصُلح المُنعقدة بينه وبين الروم سابقًا. ذكر قانتاقوزن أن أندرونيقوس إمبراطور البيزنطيين خرج في سفرٍ طويلٍ بجيشة لِمواجهة المُتمرديين الأرناؤوط (الألبان) في سنة 1337م، ولم يكن هناك أي احتماليَّة لِمجيئه إلى شبه جزيرة نيقوميدية، وكانت حاكمةُ المدينة في تلك الفترة أميرة من عائلة الإمبراطور. ولم يُفوِّت أورخان تلك الفُرصة وسارع بِمُحاصرة نيقوميدية وعندما وصل إلى هناك انضم إليه كل المُحاربيين المُسلمين الذين في الجوار. ولم يصمد أهل المدينة أمام الحصار بسبب الجوع ونقص المُؤن، فقرَّرت الأميرة الإستسلام، واتفقت مع أورخان على شروط التسليم، ونصت الاتفاقية على رحيل من يُريد من الروم إلى القُسطنطينيَّة ودُخول الجيش العُثماني أثناء ترك هؤلاء للقلعة. وهكذا فُتحت نيقوميدية سنة 737هـ المُوافقة لِسنة 1337م، وسُميت «إزميد»، وبِفتحها امتدت الأراضي العُثمانية من الشواطئ الآسيويَّة لِبحر إيجة حتَّى شواطئ البحر الأسود في شمال غرب الأناضول. كما أنه باستيلاء أورخان على بورصة وإزنيق وإزميد وصل العُثمانيُّون لِدرجةٍ من القُوَّةٍ تُمكنهم من إنشاء دولةٍ مُستقلَّةٍ.

    ترسيخ دعائم الإمارة العُثمانيَّة العتيدة

    أمضى أورخان بعد استيلائه على إمارة قره سي عشرين سنةً دون أن يقوم بِأي حُروب، بل قضاها في صقل النُظم المدنيَّة والعسكريَّة التي أوجدتها الدولة، وفي تعزيز الأمن الداخلي، وبناء المساجد ورصد الأوقاف عليها، وإقامة المُنشآت العامَّة الشاسعة، واهتمَّ بِتوطيد أركان دولته وتولَّى الأعمال الإصلاحيَّة والعُمرانيَّة ونظم شُؤون الإدارة وقوى الجيش وأنشأ المعاهد العلميَّة، وأشرف عليها خيرة العُلماء والمُعلمين، وكانوا يحظون بِقدرٍ كبيرٍ من الاحترام في الدولة، وكانت كُل قرية بها مدارسها، وكُل مدينةٍ بها كُليَّتها التي تُعلِّم النحو والتراكيب اللُغويَّة والمنطق وفلسفة ما بعد الطبيعيَّات وفقه اللُغة وعلم الإبداع اللُغوي والبلاغة والهندسة والفلك، إلى جانب تحفيظ القُرآن وتدريس عُلُومه والسُنَّة النبويَّة والفقه والعقائد. ومن آثار أورخان في هذه الفترة أنَّهُ أسَّس مدرسة عالية في مدينة بورصة وأُخرى في مدينة إزنيق، وأجزل العطايا لِلشُعراء والعُلماء. وحرص أورخان على تعزيز سُلطانه في الأراضي التي ضمَّها، وحرص على طبع كُل أرضٍ جديدة بِطابع الدولة المدني والعسكري والتربوي والثقافي، وبِذلك تُصبح جُزءًا لا يتجزَّأ من الأملاك العُثمانيَّة، بِحيثُ أصبحت أملاك الدولة في آسيا الصُغرى مُتماثلة ومُستقرَّة. وقد قام أورخان بِتنظيم ممالكه تنظيمًا إداريًا مُحكمًا، فقسَّمها إلى سناجق بلغ تعدادها قبل عُبوره إلى أوروپَّا 4 سناجق، وهي: الإمارة الأُم وهي المنطقة الشاملة على مدينتيّ سُكود وإسكي شهر وما جاورها من القُرى والكور؛ السنجق الخداوندگاري وهي ما عُرف بِـ«بلاد السُلطان» واشتمل على بورصة وإزنيق وقُراها وكورها؛ سنجق قوجه إيلي وهو يشتمل على البلاد الواقعة ضمن شبه الجزيرة المُحيطة بِإزميد؛ سنجق قره سي المُشتمل على أراضي الإمارة سالِفة الذِكر. وعيَّن ولده سُليمان على إزميد، وأرسل ولده الآخر مُراد إلى سنجق بورصة، وعين ابن عمه گُندُز ألب على قراجة حصار. أيضًا، أمر أورخان بِضرب العملة من الذهب والفضَّة، ونقش اسمه على إحدى وُجوهها، واسم الخليفة العبَّاسي المُقيم بِالقاهرة على الوجه الآخر. وكانت تلك الدراهم بسكَّة السلاجقة، وقد ضُربت حوالي سنة 729هـ المُوافقة لِسنة 1328م.

    الفُتوحات في أوروپَّا

    العُبُور الأوَّل نحو الروملِّي

    عندما اعتلى أورخان عرش الإمارة العُثمانيَّة، كانت القبائل التُركيَّة قد عبرت المضيق إلى الجانب الأوروپي مرَّاتٍ عدَّة، من دون أن تُحقق نجاحًا أو تترك أثرًا، ولِذلك لم يعرها الإمبراطور البيزنطي أيَّة أهميَّة، لكن نشأت من هذه الغزوات، مع مُرور الزمن، حملاتٍ مُنظمةٍ نمت شيئًا فشيئًا على أيدي إمارات الأناضول التُركمانيَّة، والرَّاجح أنَّ آمور بك، حاكم آيدين، قام بِغاراتٍ مُتكرِّرةٍ على الأراضي البيزنطيَّة في أوروپَّا. وحاول الإمبراطور البيزنطي التحالف مع الغرب الأوروپي لِوقف الزحف التُركماني بِعامَّةً والعُثماني بِخاصَّةً، على الرُغم من المُعاهدة المُبرمة مع أورخان، فتقرَّب من البابا يُوحنَّا الثاني والعشرين، وأقنعهُ بِضرورة شن حملة صليبيَّة ضدَّ العُثمانيين، ويبدو أنَّ انهماك حُكَّام الغرب الأوروپي بِمُشكلاتهم الداخليَّة والخارجيَّة، وعدم مُوافقة رجال الدين البيزنطيين الأرثوذكس على التعاون مع البابا والكنيسة الكاثوليكيَّة، أفسد هذا المشروع، ما أعطى أورخان فُرصةً طيِّبة لِلتوسُّع في أوروپَّا استغلَّها بِنجاح. ففي سنة 737هـ المُوافقة لِسنة 1337م حاول أورخان مُهاجمة القُسطنطينيَّة وتثبيت أقدام المُسلمين في تراقيا، بِواسطة أُسطولٍ صغيرٍ يتكوَّن من ستٍ وثلاثين سفينة، لكنَّهُ هُزم أمام البيزنطيين. ومع ذلك فقد أوقعت هذه الغزوةُ الرُعب في قلب الإمبراطور البيزنطي، فسعى إلى مُصالحة أورخان والتقرُّب منه وزوَّجهُ ابنته، ولكنَّ هذا الزواح لم يحل بين العُثمانيين وبين الاندفاع إلى الأمام لاحقًا.

    تدهور أوضاع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة

    تُوفي الإمبراطور البيزنطي أندرونيقوس الثالث پاليولوگ يوم 30 ذو الحجَّة 741هـ المُوافق فيه 15 حُزيران (يونيو) 1341م، وسُرعان ما تدهورت أوضاع الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة بعد وفاته حيثُ عانت من الحُروب الأهليَّة والصراع الداخلي على السُلطة بين زُعماء اعتراهُم الوهن والضعف، لم يُقدِّروا الخطر الذي يُواجه دولتهم، ومن جهةٍ أُخرى فقد الشعب ثقته بِنفسه وبِزُعمائه الذين راحوا يتسابقون لِلاستعانة بِالعُثمانيين ضدَّ بعضهم البعض، في الوقت الذي ازدادت فيه قُوَّة الإمارة العُثمانيَّة، ما قضى نهائيًا على تلك المُعاهدة المُبرمة مع أندرونيقوس الثالث.

    وتنازع على عرش الإمبراطوريَّة آنذاك كُلٍ من الإمبراطور الشرعي يُوحنَّا الخامس پاليولوگ والإمبراطور يُوحنَّا السادس قانتاقوزن، وبلغ من شدَّة ضُعف الإمبراطوريَّة أن أخذت الدُويلات البحريَّة الإيطاليَّة صاحبة المُستعمرات التجاريَّة القائمة بِجوار القُسطنطينيَّة تتقاتل فيما بينها لِتدفع كُلٍ منها الأُخرى عن مركز السيادة التجاريَّة في المياه البيزنطيَّة، دون أن يكون لِلروم رأيٌ في ذلك، بل إنَّ بعضها تطاول على الإمبراطوريَّة نفسها. فكانت جُمهُوريَّة جنوة تُسيطر على مُستعمرة غلطة الواقعة على الجانب المُقابل من مضيق القرن الذهبي، وفي سنة 1348م أعلن الجنويين الحرب على الروم عندما قرَّر الإمبراطور يُوحنَّا قانتاقوزن إنقاص قيمة التعريفات الضريبيَّة على السُفن الداخلة إلى الجانب البيزنطي من القرن الذهبي في سبيل استقطاب التجارة إلى الإمبراطوريَّة وتحويل انتباه التُجَّار عن الجنويين، ودامت الحرب بين الطرفين حوالي سنة، وانتهت بِتنازُل الجنويين عن بعض الأراضي المُحيطة بِغلطة، وبِإبقاء الروم على التعريفات الضريبيَّة السابقة.

    وفي سنة 1352م أدَّت المُنافسة التجاريَّة القويَّة بين ا

    المصدر: wikipedia.org