English  

كتب أنيس الحامل

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الوضع الإنساني خلال الحملة (معلومة)


القتل الجماعيّ

وصفَ بعض الناشطين الجيش السوري بعدَ دخوله حي بابا عمرو في مطلع شهر آذار بأنه بدأ "عملية تطهير" في الحيّ، حيثُ بدأ الشبيحة بمُساعدته بدخول المنازل منزلاً منزلاً وتمشيطها، بل وتمشيط جميع الأنفاق والأقبية، ثم اعتقال جميع الرجال الذين تزيد أعمارهم عن الـ14 عاماً، وبعد ذلك يُضرِمون النيران في المنازل ويَخرجون. وقد تحدَّث الناطق باسم مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة عن "تقارير بدأت تخرج من حي بابا عمرو في حمص بعد ان سيطرت عليه القوات الحكومية". حيث تحدَّث بعض الفارّين من الحي عن حدوث عمليات إعدام جماعية للأهالي بعد دخول الجيش واعتقال الرجال، وقد أكدت الهيئة العامة للثورة السورية هذه الأنباء وقال أحد أعضائها: "من تبقى في بابا عمرو ليس ناشطاً ولا منشقاً وإلا لما بقي في الحي، هذا الأمر يجعلنا نفكر في أن الإعدامات انتقائية... والهدف منها الانتقام من بابا عمرو".

وعدد هذه الحالات ليسَ معروفاً بالضبط نظراً إلى الحصار الخانق المفروض على بابا عمرو، لكن الفارين من الحيِّ بعد اجتياحه وثّقوا 55 حالة مُشابهة على الأقل في أول يومين للاجتياح.

الغذاء والدواء وظروف المعيشة

عانى الـ4,000 نسمة المتبقّين من أهالي حيّ بابا عمرو - الذين اختاروا البقاء فيه على الرُّغم من القصف - من ظروف إنسانية صعبة خلال أسابيع الحصار الثلاث أثناء حملة بابا عمرو. فقد كان يُمنَع كلياً دخول أي مواد غذائية أو طبيَّة طوالَ فترة الحصار، فضلاً عن أن المياه والكهرباء والاتصالات كانت مقطوعة بالكامل عن كافة أنحاء الحيِّ طوال الأسابيع الثلاثة. وهكذا فقد تردَّت وتفاقمت الأوضاع الإنسانية كثيراً في الحي يوماً بعد يوم. وقد حاولَ أهالي بعض الأحياء المُجاورة - مثل باب السباع - كسرَ الحصار بإيصال بعض الإغاثات إلى الحي، بل وإنهم استخدموا الحمام الزاجل للتواصل مع أهالي بابا عمرو بسبب انقطاع الاتصالات، لكن الكميَّات التي أوصولها كانت بسيطة ولم تكن كافية للحي بأكمله.

كما زادَ من سوء هذه الظّروف انخفاض درجات الحرارة كثيراً في المنطقة وهطول الثلوج من سوء الأوضاع الإنسانية فيها، حيثُ لم يَستطع السكان الحصول على التدفئة أو الغذاء بعد أن قُطعت عنهم الكهرباء والوقود، وقد قال رئيس لجنة الصليب الأحمر للإذاعة السويسرية بعد اجتياح بابا عمرو وانخفاض درجات الحرارة: "الأوضاع في غاية الصعوبة والأحوال الجوية مأساوية، الجو بالغ البرودة والقتال دائر والناس لا يمكنهم الحصول على الغذاء أو الماء، وبالإضافة إلى ذلك تُوجد مشكلة كبيرة لإجلاء الجرحى". وعلى الرُّغم من عدم تمكن الصليب الأحمر من دخول الحيّ آنذاك فقد وزّع مواداً غذائية وطبية وحليب أطفال وبطانيات على الفارّين من إلى الأحياء المُجاورة، الذين لم تتوفّر لهم مثل هذه الأشياء لأسابيع.

بالإضافة إلى ذلك فُرضَ حظر تجوال كامل في أغلب أجزاء مدينة حمص طوال فترة الحملة، وكانت المواد الغذائية والطبية والاتصالات والماء والكهرباء والخبز عن العديد من مناطقها، وأما المحالُّ التجارية فقد باتَ جلها مغلقاً وتعرَّض الكثير منها للتكسير والتخريب، مما دفعَ أصحاب محال أخرى إلى إخلاء محالهم مما فيها. وأما وسط المدينة (حمص القديمة) فقد كانت خالية تماماً وانتشرَ فيها القناصة. وخلال مجمل فترة الحملة كان تستمرُّ المروحيات العسكرية بالتحليق من آن لآخر في دوريات استطلاعية فوقَ معظم مناطق المدينة.

القصف والتدمير

استمرَّ القصف في يوم مجزرة الخالدية بتاريخ 3 شباط على المنطقة لمدة ساعتين كاملتين، ووفقَ ناشطين فقد بلغ عدد قذائف الهاون التي سقطت عليه في ليلة المجزرة زهاء 300 قذيفة، وقد أدَّى هذا القصف العَنيف إلى تهدم 36 منزلاً فوق رؤوس ساكنيها في الخالدية. وبعد بدء الحملة على بابا عمرو أفادت الهيئة العامة للثورة السورية في 7 شباط - اليوم الثالث للقصف - بأن المدفعية وراجمات الصواريخ قصفت الحيَّ بحوالي 500 قذيفة في ذلك اليوم وحده، وأنها استهدفت الأبنية السكنية والمساجد ومرافق مدنية أخرى. وأفادَ ناشطون بأن عدد المنازل التي احترقت جرَّاء القصف المدفعي والصاروخي قد بلغ 30 منزلاً وقتها. وبالمُجمَل فقد كانت تسقط القذائف بمعدَّل قذيفتين في الدَّقيقة خلال الأسبوع الأول من الحملة على بابا عمرو، والذي كان الأسبوع الأشدَّ منها.

في يوم الخميس 23 شباط اتَّهم ناشطون الجيش السوري باستخدام صواريخ سكود أرض - أرض روسية الصنع في قصف حي بابا عمرو فضلاً عن أنواع من الغازات السامة، وهي المرة الأولى التي يُفيد فيها ناشطون باستخدام هذا النوع من الصواريخ بقصف المدن منذ اندلاع الاحتجاجات، حيث قالوا أنها كانت تُطلق على الطوابق السفلية من المباني، لتسبب انهيار المبنى بالكامل بكافة طوابقه. وصواريخ سكود هي عبارة عن صواريخ ضرب عشوائيّ، ويُعد استخدامها جريمة حرب وفقَ القوانين الدولية، لأنه لا يُمكن توجيهها نحوَ أهداف عسكرية بعينها، ويُمكن بسهولة أن تسبب دماراً واسعاً في المناطق المدنية المُجاورة.

صرَّحت مسؤولة الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة "فاليري آموس" بعدَ زيارتها حي بابا عمرو في 8 آذار عقبَ قصفه لثلاثة أسابيع بالمدفعية والصواريخ: "رأيت حي بابا عمرو مدمراً بالكامل"، كما قالت أنها "وجدت سكاناً قلائل في الحي المذكور". كما أفادَ ناشطون من بابا عمرو حول الأوضاع فيه بأنه لم يَبقى تقريباً أي بناء أو عمارة في الحيّ إلا ويَحمل آثار قصف مدفعيٍّ أو أعيرة نارية أطلقت عليه خلال حملة الآسابيع الثلاث.

إيصال الإغاثات

دعت منظمة الصليب الأحمر الدولي في 21 شباط إلى إقامة هدنة بين الجيش الحر والنظامي مدتها ساعتان على الأقل يومياً للتمكن من إيصال المساعدات الإنسانية إلى أهالي الأحياء المحاصرين. واستمرَّ بالتفاوض مع جهات رسمية في 24 شباط للسَّماح له بدخول حي بابا عمرو وإجلاء الحصفيين الغربيين المُصابين وإيصال المساعدات الإنسانية إلى الحي، وأفاد بأن بعض عناصره نجحوا يوم الجمعة بالدخول إلى الحي لإجلاء الصحفيين، لكنه واصل مفاوضاته لإجلاء المزيد من الجرحى في اليوم التالي، وانطلقت يوم السبت من حي بابا عمرو ثلاث سيارات إسعاف تابعة له لنقل الجرحى إلى خارجه. وعلى الرُّغم من حصول الصليب الأحمر الدولي على موافقة رسمية منذ الخميس 1 آذار بدخول حي بابا عمرو لتقديم المساعدات الإنسانية إلى الأهالي، غير أن السلطات منعته في يوم الجمعة 2 آذار من الدخول، دون تقديم أسباب واضحة، وقد اتُهمت بأن ذلك كان تنظيف آثار العمليات العسكرية فيه. واستمرَّت المفاوضات بعد ذلك على الرُّغم من أن السلطات استمرت برفض دخول الموكب إلى الأحياء المحاصرة.

أرسل الهلال الأحمر السوري في يوم الثلاثاء 6 آذار قافلة مساعدات جديدة إلى بابا عمرو تتألف من 4 شاحنات، تحوي 1,000 سلة غذائية من سكر وأرز وعدس ومواد أخرى، بالإضافة إلى 7000 فرشة و1,000 لحاف. وقد رافقت هذه البعثة - التي ظلّت في الحيّ المُحاصر لمدة 45 دقيقة - مسؤولة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لتقييم الوضع الإنساني في الحي، وأفادت بأنه كان شبه مهجور وأن الغالبية الساحقة من السكان نزحوا منه نحوَ المناطق المُجاورة أو المدن الأخرى.

النزوح الجماعيّ

بعد دخول الجيش النظاميِّ إلى حي بابا عمرو فوُقوع مجزرة كرم الزيتون بدأت حركات نزوح جماعيٍّ ضخمة من مدينة حمص، خوفاً من حدوث مجازر جديدة أو قصف أو غيره، بالإضافة إلى تفاقم الوضع الإنساني والجوع والحصار وغير ذلك. بدأ تدفق أفواج من العائلات الحمصيَّة نحو المناطق المحيطة بأعداد هائلة بحلول مطلع وأواسط شهر آذار، وقد اختارت الكثير من هذه العائلات النزوح نحوَ العاصمة دمشق، إذ سُجلت حالات نزوح 583 عائلة حمصية إلى دمشق منذ اجتياح بابا عمرو في بداية آذار حسبَ منظمة "نجدة ناو" الإغاثية، بينهم 160 عائلة كانت تعيش في ورشات لافتقارها إلى المساكن. كما نزحت 50 عائلة حمصية أخرى نحوَ مدينة طرابلس في لبنان في أعقاب مجزرة كرم الزيتون، خوفاً من مُواجهة مصير مماثل. كما وُثّقت بعض الحالات التي تعرَّض فيها المدنيون الذين يُحاولون النزوح والهربَ من حمص إلى إطلاق نار واستهداف مُباشر لترهيبهم ومنعهم من ترك المدينة، ومن بين هذه الحالات عائلة من 4 أفراد فتحَ حرس الحدود السوريّ النار عليها في 15 آذار وأردى جميع أفرادها قتلى.

وقد أدت الحملة إلى تفريغ أحياء كاملة في مدينة حمص من السكان جرَّاء القصف المُتواصل، وبالأخص حيّ بابا عمرو الذي باتَ شبه مهجور بعد ثلاثة أسابيع من القصف المدفعيّ (حسبما أفاد ناشطون وأكدت لاحقاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر). كما نزحت 450 عائلة حمصية نحوَ قرية آبل الواقعة على مسافة 10 كيلومترات جنوب مدينة حمص.

بعدَ أسبوع من حركات النزوح الجماعية التي تلت مجزرة كرم الزيتون لم يَتبقى أي سكان تقريباً في العديد من مناطق حمص، فقد تحوَّلت أحياء بابا عمرو والإنشاءات وكرم الزيتون وعشيرة والخضر إلى أحياء مهجورة، وباتت خالية تماماً وتعرَّض الكثير منها للاقتحام.

المصدر: wikipedia.org