اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تخريج المجتهد تارة يكون تخريجا من نص معين لإمامه في مسألة معينة، وتارة لا يجد لإمامه نصا معينا يخرج منه، ففي الحالة الأولى من التخريج في صورة فيها نص لإمامه. وإن وقع هذا النوع من التخريج في صورة فيها نص لإمامه مخرجا خلاف نصه فيها من نص آخر في صورة أخرى سمي قولا مخرجا. وفي الحالة الثانية التي لا يجد لإمامه نصا معينا يخرج منه، فيخرج على وفق أصول مذهب إمامه بأن يجد دليلا من جنس ما يحتج به إمامه وعلى شرطه، فيفتي بموجبه. وإذا وقع النوع الثاني في صورة قد قال فيها بعض الأصحاب غير ذلك سمي ذلك وجها، ويقال: فيها وجهان.
قال ابن الصلاح: «وشرط التخريج المذكور عند اختلاف النصين أن لا يجد بين المسألتين فارقا ولإمامه في مثل ذلك أي علة جامعة وهو من قبيل إلحاق الأمة بالعبد في قوله : "من أعتق شركا له في عبد قوم عليه". ومهما أمكنه الفرق بين المسألتين لم يجز له على الأصح التخريج فلزمه تقرير النظير على ظاهرهما معتمدا على الفارق وكثير ما يختلفون في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق».
المنصوص أو النص هو: ما نص عليه إمام المذهب في مسألة. والمخرج هو: الذي يقوم المجتهد بتخريجه من المنصوص في نظير المسألة على حكم مخالف. مثاله: نص الشافعي في مضغة -قال القوابل لو بقيت لتصورت- على انقضاء العدة بها؛ لأن مدارها على تيقن براءة الرحم، وقد وجد. والمعنى: أن انقضاء العدة يحصل بخروج المضغة التي قالت القوابل: أنها لو بقيت لتصوت؛ لأن مدار انقضاء مبني على تيقن براءة الرحم وقد حصل ذلك بالمضغة. وعدم حصول أمية الولد بالمضغة؛ لأن مدارها على وجود اسم الولد، ولم يوجد.
قال ابن حجر في التحفة على قوله: (مخرج): من نصه في نظير المسألة على حكم مخالف بأن ينقل بعض أصحابه نص كل إلى الأخرى فيجتمع في كل منصوص ومخرج، ثم الراجح إما المخرج وإما المنصوص وإما تقرير النصين والفرق وهو الأغلب ومنه النص في مضغة قال القوابل لو بقيت لتصورت على انقضاء العدة بها؛ لأن مدارها على تيقن براءة الرحم، وقد وجد وعدم حصول أمية الولد بها؛ لأن مدارها على وجود اسم الولد، ولم يوجد.
قال الرملي في النهاية: ويكون هناك أي: مقابله وجه ضعيف أو قول مخرج من نص له في نظير المسألة لا يعمل به. وكيفية التخريج كما قاله الرافعي في باب التيمم أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين ولم يظهر ما يصلح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه من كل صورة إلى الأخرى فيحصل في كل صورة منهما قولان منصوص ومخرج، المنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذ فيقولون قولان بالنقل والتخريج أي نقل المنصوص من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها وكذلك بالعكس، قال: ويجوز أن يكون المراد بالنقل الرواية. والمعنى: أن في كل من الصورتين قولا منصوصا وآخر مخرجا، ثم الغالب في مثل هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج، بل ينقسمون إلى فريقين: فريق يخرج، وفريق يمتنع ويستخرج فارقا بين الصورتين ليستند إليه. وقال أيضا: الأصح أن القول المخرج لا ينسب للشافعي إلا مقيدا؛ لأنه ربما يذكر فرقا ظاهرا لو روجع فيه.
وقال النووي: «وحيث أقول الجديد فالقديم خلافه أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه». وقال الرملي في النهاية: والقديم ما قاله الشافعي بالعراق أو قبل انتقاله إلى مصر، وأشهر رواته أحمد بن حنبل والزعفراني والكرابيسي وأبو ثور، وقد رجع الشافعي عنه رضي الله عنه وقال: لا أجعل في حل من رواه عني. وقال الإمام: لا يحل عد القديم من المذهب، وقال الماوردي في أثناء كتاب الصداق: غير الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد إلا الصداق فإنه ضرب على مواضع منه وزاد مواضع.
والجديد ما قاله بمصر، وأشهر رواته البويطي والمزني والربيع المرادي والربيع الجيزي وحرملة ويونس بن عبد الأعلى وعبد الله بن الزبير المكي ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبوه، ولم يقع للمصنف التعبير بقوله وفي قول قديم، ولعله ظن صدور ذلك منه فيه، وإذا كان في المسألة قولان قديم وجديد فالجديد هو المعمول به إلا في نحو سبع عشرة مسألة أفتى فيها بالقديم.
قال بعضهم: وقد تتبع ما أفتى فيه بالقديم فوجد منصوصا عليه في الجديد أيضا، وقد نبه في المجموع على شيئين: أحدهما أن إفتاء الأصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على أن اجتهادهم أداهم إليه لظهور دليله ولا يلزم ومن ذلك نسبته إلى الشافعي، قال: وحينئذ فمن ليس أهلا للتخريج يتعين عليه العمل والفتوى بالجديد، ومن كان أهلا للتخريج والاجتهاد في المذهب يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى مبينا أن هذا رأيه وأن مذهب الشافعي كذا وكذا، قال: وهذا كله في قديم لم يعضده حديث لا معارض له، فإن اعتضد بذلك فهو مذهب الشافعي، فقد صح أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. الثاني أن قولهم إن القديم مرجوع عنه وليس بمذهب الشافعي محله في قديم نص في الجديد على خلافه، أما قديم لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه فإنه مذهبه، وإذا كان في الجديد قولان فالعمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يعلم فبأحدهما، وإن قالهما في وقت واحد ولم يرجح شيئا وذلك قليل أو لم يعلم هل قالهما أو مرتبا لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية، فإن أشكل توقف فيه كما مر إيضاحه.