اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عند استقراء حُكم الغناء في الشّريعة الإسلاميّة فلا بُدّ قبل الخوض في حُكم الغناء من التّمييز بين الغناء وأنواعه ابتداءً؛ فالغناء أنواع، ولكلّ نوعٍ حُكم، فيما يأتي بيان ذلك:
يُعدّ الغناء الذي تُصاحبه آلة عزفٍ ولهوٍ غناءً مُحرَّماً؛ فيحرُم سماعه من الرّجال والنّساء بالإجماع، وقد نَقل الإجماع على تحريم سماع آلات العزف -باستثناء الدّف- جماعة من العلماء، مثل: ابن الصّلاح، والإمام القرطبيّ، وابن القيّم، وابن حجر الهيتميّ، وابن رجب الحنبليّ، وأبي الطيّب الطبريّ، حيث قال الإمام القرطبيّ: (أمّا المزامير والأوتار والكوبة جميعها آلات موسيقيّة، فلا يُختلَف في تحريم استماعها، ولم أسمع عن أحد ممّن يعتبر قوله من السّلف وأئمّة الخلف مَن يُبيح ذلك، وكيف لا يحرُم وهو شِعار أهل الخُمور والفُسق، ومُهيّج الشّهوات والفَساد والمُجون! وما كان كذلك لم يُشَكَّ في تحريمه، ولا تفسيقِ فاعله وتأثيمه).
وقد دلّت على ذلك نصوص من الكِتاب والسُّنة، فمن ذلك حديث أبي مالك الأشعريّ -رضي الله عنه- أنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (ليكونَنَّ من أُمَّتي أقوامٌ، يستحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ، والخمرَ والمعازِفَ، ولينزلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ عَلَمٍ، يروحُ عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهِم - يعني الفقيرَ- لِحاجةٍ، فيقولوا: ارجِع إلينا غداً، فيبيِّتُهمُ اللَّهُ، ويضَعُ العَلَمَ، ويمسخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يومِ القيامَةِ)، قال ابن حجر العسقلانيّ عن هذا الحديث: وصلَه أبو ذرّ، وهذا حديث صحيح لا علّة له، ولا مَطعن فيه، وله شواهد، ولفظ المعازف لفظٌ عامٌّ يشتمل على جميع آلات اللهو؛ لذلك تَحرُم جميع المعازف وآلات اللهو إلا ما نصّ الدليل على استثنائه من التّحريم، كالدفّ فهو مُباح.
وأمّا قول النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- (يستحلّون)؛ فهو من أقوى الأدلّة على تحريم المعازف، وأنّها مُحرَّمة، فلو كانت آلات اللّهو والمعازف حلالاً لما احتاج أن يقول يستحِلّونها؛ فالحلال لا يُستحَلّ؛ لأنّه حلال أصلاً، وإنّما يُستحَلّ الحرام، فدلّ ذلك على تحريم المعازف، ومن ناحية أخرى يُستدَلّ على تحريم المعازف بدلالة الاقتران الموجودة في الحديث، والتي تفيد التّحريم؛ فاقتران المعازف مع جُملة من المُحرَّمات، مثل: الخمر، والحرير، والحِر: أي الزّنا، وهي مُحرَّمَة تحريماً قطعيّاً بالنّص والإجماع، يدلّ بدلالة الاقتران بالمحرّمات على تحريم المعازف.
ومن أهمّ الأدلة على تحريم الغناء قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ)، قال ابن كثير صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم في تفسير هذه الآية، قال ابن مسعود في هذه الآية: (الغناء، والله الذي لا إله إلا هو)، يُردِّدها ثلاث مرّاتٍ، وقال الحسن البصريّ: نزلت هذه الآية في الغناء والمزامير. ويُباح الدف للنّساء خاصّةً وفي المناسبات مثل: الأعياد، والأعراس، شرطَ أن يكون الكلام المُصاحِب له كلاما طيّباً لا خُبثَ فيه، ولا فُحشَ، وألّا يستمع الرّجال لأصوات النّساء؛ حِفظاً للدّين والحَيَاء.
الغناء الذي لا يُصاحب المعازف وآلات الموسيقى واللّهو، نوعان:
وأمّا إن كان الغناء بكلامٍ قبيحٍ أو يدعو إلى الرّذيلة، أو فيه تَغَنٍّ ووصفٌ للنّساء أو الخَمر فهو غناءٌ مُحرَّم؛ لِما فيه من خُبث الكلام ورذيله، والاستماع إلى الكلام المباح مُباح، أمّا الاستماع إلى الكلام الخبيث المُحرَّم فهو مُحرَّم.