اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
خيط الروح بين اليد والأداة
في كتابي السابق "أسطوات زمان"، اصطحبتكم في رحلة بين أزقة الحارة ودروب القرى، لننفض الغبار عن وجوهٍ كانت هي "أعمدة البيت" وسياج المجتمع. هناك، استعدنا سيرة "السقاء" الذي يروي العطش بالستر، و"الخاطبة" التي تجمع القلوب بالفراسة.
و"البوسطجي" الذي يحمل الدنيا في حقيبة. كانت تلك الوجوه هي "الروح" التي تحرك الحياة، لكن الروح وحدها لا تعمل في فراغ؛ بل كان لها "جسد" من خشب ونحاس وقش.
ومن هنا، يأتي هذا الكتاب "أدوات زمان"، ليكون النصف الآخر من الحكاية. فإذا كان "الأسطى" هو المايسترو، فإن هذه الأدوات كانت هي "الآلات الموسيقية" التي عزفت لحن البركة.
فلا يمكن أن نتحدث عن "الأسطى السنان" دون أن نتأمل عجلته السحرية، ولا عن "ست البيت" الأصيلة دون أن نسمع رنين "هونها" النحاسي أو نلمس "حصيرة" دارها التي نبتت من طمي النيل.
إن هذا الكتاب ليس مجرد "كاتالوج" لأشياء انقرضت أو "أنتيكات" توضع للزينة، بل هو محاولة لفهم كيف كنا نعيش، وكيف تحولنا؟ لقد كانت "لمبة الجاز" تجمعنا حول ضوئها الخافت لنرى قلوب بعضنا، بينما "المصباح الكهربائي" اليوم يضيء الغرف لكنه قد يعمينا عن رؤية من يجلس بجوارنا. كانت "الرحى" تطحن القمح وتُعلمنا الصبر، بينما "الدقيق الجاهز" اليوم نزع من اللقمة طعم المعافرة والرضا.
عزيزي القارئ.. بين يديك الآن رحلة بصرية ونفسية. أدعوك فيها ألا تنظر لهذه الأدوات كجمادات ماتت، بل كشهود عيان على زمنٍ كان فيه "الإنسان" هو المركز. في "أسطوات زمان" رأينا المهارة، وفي "أدوات زمان" نرى البساطة. والهدف من الكتابين معاً ليس البكاء على الأطلال، بل هو صرخة في وجه عصر "الاستهلاك البارد"؛ لنقول للعالم: إننا نملك تاريخاً من "البركة" يستحق أن نقتبس من نوره ونحن نبني مستقبلنا.
فلنفتح معاً "صندوق الدنيا"، ولنتأمل "شطارة الدلالة"، ولنستمع لصوت "وابور الجاز"؛ لعلنا نجد في ضجيج الماضي سكينةً نفتقدها في صخب الحاضر.
حسن عمران