English  

كتب أفول اللغة

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

أفـول اللغة (معلومة)


أصيبت الدولة العباسية بالضعف والقنوط بدءًا من القرن الثامن وظلت على هذه الحالة حتى سقوطها بيد المغول في القرن الثالث عشر، إحدى مظاهر ضعف الدولة تمثل باضطهاد الأقليات الدينية فيها وعلى رأسها المسيحية، ما أثر سلبًا وبشكل مباشر على اللغة السريانية. ضعف الاقتصاد والأوبئة الطبيعية والفوضى السياسية فضلاً عن انقسام الدولة إلى عدد كبير من الدول الشبه مستقلة عن المركز إضافة للحملات الصليبية أدوا إلى انهيار الوضع الاقتصادي، ما أدى إلى اختفاء اهتمام الخلفاء بالعلوم والآداب والتراجم، فكان العامل الثاني في تراجع اللغة السريانية وأفول نجمها. يسع القول أنه بحلول القرن الحادي عشر بدأ الموارنة في سوريا ولبنان باستخدام العربية بدلا من السريانية في تعاملاتهم، هناك دليل ناصع ممثلاً بكتابي «الهدى» و«الفصول العشرة» لمترجمهما ”توما أسقف كفر طاب الماروني“ قرب معرة النعمان، فالكتابان وضعا بالسريانية في القرن العاشر ثم نقلهما الأسقف إلى اللغة العربية، على شكل رسالة موجهة إلى أهل جبيل بناءً على طلب مطرانها، مبررًا ذلك بأن السكان حديثًا باتوا يستعملون اللغة العربية في تعاملاتهم اليومية، بدلاً من السريانية. إحدى المظاهر الأخرى لانتشار العربية بدلاً من السريانية هو ظهور "الخط الكرشوني" أو "الكتابة الكرشونية"، والذي ظل سائدًا حتى القرن الثامن عشر في بعض مناطق لبنان واستعمله البطريرك الماروني اسطفان الدويهي في مؤلفاته. يتمثل الخط الكرشوني بكتابة اللغة العربية بأحرف سريانية، ذلك لأن السريان وإن أتقنوا العربية غير أنهم لم يتقنوا أبجديتها. عمومًا، يمكن القول أنه بحلول القرن الحادي عشر أصبح معظم السريان ملمين بالعربية، غير أنهم احتفظوا باللغة السريانية أيضًا خصوصًا كلغة طقوس، ونادرًا ما لم يوجد سرياني غير ملم وناطق بها. إن المجازر التي ارتكبها المغول خلال اجتياحهم العراق وسوريا في القرن الثالث عشر ساهم في دمار اللغة السريانية واندثار آدابها، ما ساهم أيضًا في تراجع حظوتها لدى السريان أنفسهم، لذلك يحدد عدد من الباحثين، تاريخ الغزوات المغولية موعدًا لانتشار العربية بشكل كبير بين سريان المدن على وجه الخصوص. يمكن القول أنه على الرغم من ذلك، فقد بقيت اللغة حية بفعل عاملان خلال العهد المملوكي والعهد العثماني، يتمثل أولهما بالكنائس المسيحية السريانية التي حافظت على اللغة بين رهبانها وكهنتها، إلى جانب الإبقاء عليها كلغة طقوس، والثاني بانقطاع الصلة بين بعض مناطق الريف والمدن ما ساهم في نشوء مجتمعات قروية منغلقة على نفسها ومحافظة على لغتها وتقاليدها. حتى في المناطق التي انتشرت في العربية بشكل نهائي بين السكان، لم يقتصر التأثير على نشوء "الخط الكرشوني" كمرحلة وسيطة، وإنما طبعت العربية بألفاظ ومصطلحات سريانية لتتشكل بذلك اللهجات الشامية، خصوصًا في سوريا ولبنان.عمومًا فإن البعض، يعيد تأثير السريانية على العربية إلى مرحلة الدولة العباسية، حين دخل عدد من المصطلحات وقواعد الصرف والنحو إلى اللغة العربية الفصحى.

شهدت المرحلة المبكرة من القرون الوسطى أيضًا تكريس الانفصال بين اللهجتين السريانية الغربية والسريانية الشرقية؛ إذ أنه على الرغم من أن الانقسام يعود للقرن السادس وكانت نصيبين عاصمة فرعه الشرقي بينما الرها عاصمة فرعه الغربي، غير أن القسمة باتت أعمق في أعقاب العهد المملوكي، بما فيها قواعد النحو، إذ تخلت اللهجة الغربية عن الشدة وحصلت تغييرات في طريقة نطق الحركات القصيرة والطويلة، ما أدى ليس فقط إلى ابتعاد هذه اللهجة عن اللهجة الشرقية بل أيضًا عن السريانية الكلاسيكية التي كانت سائدة في مملكة الرها قبلهما.

شكل القرن التاسع عشر مرحلة انعطاف جديدة بالنسبة للسريانية، يقول المستشرق الفرنسي الأب هنري لامنس أنه خلال زيارته إلى بشري أواخر القرن التاسع عشر، وجد أنها وثلاث قرى مجاورة لا تزال تستخدم السريانية كلغة تخاطب يومية، ويمكن القول أن مناطق الريف حيث انتشر السريان في تركيا وسوريا والعراق كانت تتخاطب بهذه اللغة أيضًا، بيد أن الطوائف المسيحية، حتى غير السريانية في بلاد الشام والتي استعملت السريانية في جزء من طقسياتها، عرّبت أجزاء كبيرة من القداس الإلهي وسائر العبادات. سوى ذلك فقد لعب أبناء الطوائف السريانية خصوصًا في لبنان دورًا رائدًا في النهضة القومية والأدبية العربية، صحيح أنه قد ظهر عدد من الباحثين الذين دعوا وقاموا بمحاولات لإحياء اللغة السريانية وإعادة نشرها، غير أن الوضع العام في سوريا ولبنان كان يميل إلى الانخراط في النهضة العربية وهذا ما حصل فعلاً، وساهمت موجات الهجرة بسبب الفقر وانهيار اقتصاد الدولة العثمانية نحو مصر التي كانت في ظل الخديوي إسماعيل المكان الأكثر انفتاحًا في الدولة العثمانية، وقارتي أمريكا الشمالية والجنوبية في انفتاح متزايد على اللغة العربية، ما عنى بشكل فعلي، التخلي الكامل عن اللغة السريانية.

غير أن النصف القرن التاسع عشر شهد تطورا ملحوظاً باللغة فانتشرت دور الطباعة بالسريانية ونشطت في ترجمة ونشر كتب ومعاجم باللغة السريانية وخاصة في مدينة أورميا بإيران. وقد جلبت هذه الحركة أسلوباً في الكتابة يعرف بالكثوبونويو (ܟܬܒܢܝܐ، بمعنى المكتوبة) اتسمت بأسلوبها البسيط وقدرتها على "سرينة" الألفاظ الأجنبية. غير أن هذه النهضة لم تدم طويلاً كذلك حيث أدت المجازر الحميدية ومذابح سيفو التي ارتكبتها الدولة العثمانية بحق السريان إلى مقتل العديد من روادها مثل توما أودو وأدي شير، كما تشتت المجتمعات الناطقة بالسريانية. كما شهد النصف الثاني من القرن العشرين تسارع وتيرة الهجرة ما أثر بشكل كبير على تداول اللغة السريانية.

لا تزال سريانية الكثبونويو تستعمل حتى الوقت الحاضر في الكتابات الأدبية غير الدينية وفي بعض البرامج الثقافية بالقنوات الناطقة بالسريانية. كما تستعمل السريانية التراثية(التقليدية) غالباً في النواحي الدينية والليتورجية. بينما تحوي اللهجات المحكية على عدد كبير من الألفاظ الدخيلة وخاصة من العربية والفارسية.

المصدر: wikipedia.org