اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تراجيديا المكان في رواية "أطفال الندى" للشاعر محمد الأسعد لا تنفصل عن تراجيديا الزمان وكأن إحداهما مرتهِنة بالأخرى، فالتزامن في السرد ينهل من كل ما جرى في "أم الزينات" منذ نشأتها إلى أمس النكبة وغدها، أم الزينات الفضاء الفلسطيني وقد غدا فضاء للإنسانية المفجوعة بزمنها، فالقرية لم تعد موجودة لا على الخارطة ولا على الأرض بعد أن اقتلعها الصهاينة واقتلعوا إنسانها، وأسسوا لتراجيديا هذا الإنسان بطريقة أخرى تختلف عن كل تراجيديات إشيل وسوفوكل وأوريبيد، فمصرع البطل في آخر مشهد من الفاجعة الإغريقية غدا مصرعا لشعب بأكمله، أو هذا ما تقوله الدراسة الشعرية للنص في بعدها الدلالي، وفي اعتقادي أن تقييم الفاجع في أم الزينات هو تقييم لكل فاجع في التاريخ السابق عليها واللاحق، ولكن دون عمل محمد الأسعد، دون القيمة الجديدة التي أضفاها الشاعر إلى هذا الفاجع، لما جرى أي تثمين له، ولتوقف الأمر عند خبر مقتضب في الموسوعات -كما يقول الكاتب- وطلل من الأطلال في التاريخ، المكان المندثر والزمان الذي زال. أريد التركيز على هذه القيمة الجديدة القيمة المضافة القيمة التي لولا الفاجعة الفلسطينية لما كانت لتحكي عن فلسطين الماضية السعيدة الحرة والحاضرة التعيسة المستوطنة، وكأني هنا -كما فعل الشاعر في كل نصه- أقلب الأشياء لأصل إلى فهمها الضدي، لأن كل شيء هنا هو ضد، ضد الاقتلاع وضد الاجتثاث وضد الموت وحتى ضد الذات وضد الجسد وضد الطفولة، وكل ذلك لتثبيت المعاني، وفي بعض الأحيان لإثباتها، لأن في ميدان الصراع يتحتم على المرء ذلك، وكذلك في ميدان اللغة التي هي هنا لغة للأشياء، فكل شيء على علاقة باللغة هنا محسوس، حتى لغة الأم وحكاياتها، حتى لغة الأبطال العابرين ومآثرهم، حتى لغة الجن وعنهم، وكأني بالشاعر يريد القول إني موجود وسأبقى والأهم من هذا وذاك سأعود (27). د. أفنان القاسم