اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أصل الأنواع كتاب من تأليف تشارلز داروين صدر عام 1859. يعتبر أحد الأعمال المؤثرة في العلم الحديث وأحد ركائز علم الأحياء التطوري. وعنوان الكتاب الكامل: «في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي - أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة» (بالإنجليزية: On the Origin of Species by Means of Natural Selection, or the Preservation of Favoured Races in the Struggle for Life). يقدم فيه داروين نظريته القائلة أن الكائنات تتطور على مر الأجيال، وفي الطبعة السادسة من الكتاب لعام 1872م، تم تغيير عنوان الكتاب إلى الاسم المختصر أصل الأنواع ولقد أثار الكتاب جدلاً بسبب مناقضته الاعتقادات الدينية التي شكلت أساساً للنظريات البيولوجية حينئذ، وقد شكّل كتاب داروين هذا عرضاً لنظريته التي أعتمد فيها على البراهين العلمية التي جمعها في رحلته البحرية في ثلاثينات القرن التاسع عشر وبحوثه وتجاربه منذ عودته من الرحلة.
كان الكتاب مثار جدلٍ وأثار نقاشاتٍ علمية وفلسفية ودينية. ولقد تطورت نظرية النشوء والارتقاء منذ عرضها داروين للمرة الأولى ولكن بقى مبدأ الانتخاب الطبيعي أوسع النماذج العلمية قبولاً لكيفية حصول ارتقاء الأنواع، ورغم قبول نظرية النشوء والارتقاء الواسع في الأوساط العلمية إلا أن الجدل حولها لا يزال قائماً حتى يومنا هذا.
ولقد طُرِحت العديد من الأفكار التطورية لشرح النتائج الجديدة في علم الأحياء، فقد كان هناك تأييداً متزايداً لمثل هذه الأفكار بين علماء التشريح المنشقين والجمهور العام، ولكن خلال فترة النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت المؤسسة العلمية الإنجليزية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكنيسة إنجلترا في حين كان العلم جزءاً من اللاهوت الطبيعي، كما كانت الأفكار حول التحوّل في الكائنات الحية (استنساخ الكائنات الحية) قضية مثيرة للجدل لأنها تتعارض مع المعتقدات التي كانت تؤمن أن الكائنات الحية هي أجزاء ثابتة غير قابلة للتحوّل في التسلسل الهرمي وأن السلالة البشرية كانت فريدة من نوعها، لا علاقة لها بالحيوانات الأخرى. نوقشت الآثار السياسية واللاهوتية بشكل مكثف، ولكن لم يتم قبول قضية تحول الكائنات من قبل التيار الرئيسي العلمي.
ما زال القرّاء يقبلون على الكتاب إلى اليوم حتى من غير المختصين؛ فقد كتب الكتاب للقراء غير المختصين وقد وجد اهتمامًا كبيرًا فور نشره، وبما أن داروين كان عالماً بارزًا فقد كانت اكتشافاته تؤخذ بعين الاعتبار وولّدت الأدلة التي قدمها نقاشًا علميًا وفلسفيًا دينيًا جديدًا، وساهم النقاش حول الكتاب بإنتاج حملة من قبل توماس هنري هكسلي وزملائه أعضاء نادي إكس في العلم العلماني عن طريق المذهب العلمي الطبيعي. وفي خلال عقدين من الزمن كان هناك اتفاق على نطاق واسع بأن هناك تطور علمي، فقد حدث تفرع لأصل واحد، ولكن العلماء كانوا بطيئين بإعطاء الانتقاء العلمي أهمية بقدر ما أعطاه له داروين. ومن خلال "الكسوف الدارويني" من عام 1880 إلى عام 1930، قدمت مختلف الآليات مزيداً من الرصيد للتطور، ومع تطور الفرضية التطورية الحديثة في عامي 1930 و1940، أصبح مفهوم داروين للتكيف التطوري من خلال الانتقاء الطبيعي هو المرتكز لنظرية النشوء والارتقاء الحديثة، وهو الآن المفهوم الموحد علوم الحياة.
تستند نظرية التطور لداروين على الحقائق الأساسية والاستدلالات المستخلصة منها، والتي أختصرها عالم الأحياء إرنست ماير كما يلي:
لقد قام داروين بتتبع أثر الأفكار التطورية عبر التاريخ في طبعات لاحقة لكتابه حتى عصر أرسطو؛ حيث أن النص المنقول من قبل داروين عن أرسطو عبارة عن ملخص أرسطو لأفكار الفيلسوف اليوناني إيمبيدوكليس. قام قدماء قَساوسةٌ الكنيسة المسيحية بالإضافة إلى علماء العصور الوسطى من الأوروبيين بتفسير قصة الخلق في سفر التكوين استعارياً بدلاً من سردها كواقع تاريخي؛ حيث قاموا بوصف الكائنات الحية بحسب أهميتها الأسطورية بالإضافة إلى شكلها، وكان يعتقد على نطاق واسع بأن "الطبيعة" غير مستقرة ومتقلبة، إذ تحوي ظاهرتي ولادة أجنة غير "طبيعية" ناتجة عن تزاوج فصائل مختلفة من الكائنات مع بعضها، بالإضافة إلى ظاهرةالتولد الذاتي.
أوحت حركة الإصلاح البروتستانية بـتفسيرٍ حَرفي للكتاب المُقدس، يتضمن مفاهيم عن الخِلقَة تتعارض مع النتائج التي توصلت إليها الثورة العلمية، حيث أن العلم يبحث عن تفسيرات تتلاءم مع فلسفة رينيه ديكارت الميكانيكية بالإضافة إلى نظرية التطبيق التجريبي لطريقة باكونيان، وبعد الإضرابات التي أحدثتها الحرب الأهلية الإنجليزية، أرادت الجمعية الملكية أن تُظهر أن العلم لا يُهدد الاستقرار الديني أو السياسي، فقام جون ري بتطوير صيغة لعلم اللاهوت الطبيعي. في تصنيف جون ري: أجناس المخلوقات ثابتة، وقابليتهم للتكيُف والدقة في تكوينهم صُممت من قِبَل الخَالق، وأن الاختلافات البسيطة بين هذه السلالات ناتجة عن تأثيرات بيئتها المحلية. كمثال لعظمة تَصميم خلق الله تسبب الحيوانات آكلات اللحوم موتاً رحيماً وسَريعاً لفرائسها، ولكن عكس ذلك تَبرُز مشكلة الشر في المعاناة التي تُسببها الطفيليات. كما يتفق تصنيف علم الأحياء من قبل كارلوس لينيوس في عام 1735م إلى أن الأنواع ثَابتة طِبقاً للخطة الإلهية. وفي عام 1766م، أشار جورج دي بوفون أنّ بعض الأنواع المُتشابهة، مثل الخيول والحمير، أو الأسود والنمور والفهود، من الممكن أن تكون سلالات منحدرة من جَدٍ مُشترك. بالحساب الزمني الآشوري في خمسِينيات القرن السابع عشر تم حساب بدأ الكون في عام 4004 قبل الميلاد، لكن علماء الجيولوجيا في ثمانينيات عام 1700م افترضوا عمر العالمٍ بأقدم من ذلك بكثير. "الويرناريين" (مؤيدو الجيولوجي إبراهام ويرنير) بدورهم اعتقدوا أن الطبقات الأرضية ترسبت بفعل انحسار البِحار، لكن جيمس هتن طَرح فَرضية الحلَقة الذَاتية اللامُتناهية، مُمهدًا بذلك للنظرية التي تَفترض أن القوانين والأحداث الطبيعية التي تجري في العالم الآن هي نَفسها التي جَرت في الماضي وتنُطبق في كل مكان من هذا العَالم، نظرية الوتيرة الواحدة.
ولقد لخص العالم إراسموس داروين جدّ العالم تشارلز داروين، فرضية تطوّر الأنواع في التسعينات من القرن الثامن عشر، ثم قام جان باتيست لامارك بنشر نظرية أكثر تطورًا عام 1809م. افترض العالمان أن عملية التولد الذاتي بين الأجيال تنتج أنواع بسيطة من الحياة ثم تطوّر تدريجيًا إلى أن تصبح أكثر تعقيدًا، فتتكيف مع المحيط من خلال توريث التغيّرات التي تحصل للبالغين إما بالاستعمال أو الإهمال وسميت هذه النظرية فيما بعد باللاماركية. اعتقد لامارك أن هناك سلالات تنتقل وتزداد تطورًا بين الكائنات الحية باستمرار، أي لا يمكن للكائنات أن تنقرض بسبب اختلاف أنسابها. و أكد جيفري أن التطور الجنيني للكائنات الحية في حقبة جيولوجية ما يوضح كيفية عيشها في مراحلها الأولية، وأن بنية الحيوانات تحدد من خلال نظام ثابت كما هو موضح في عملية التناظر. أما جورج كوفييه فقد عارض وبشدة على تلك المعتقدات، ووضح أن الأنواع ثابتة وغير مرتبطة ببعضها، وأن التشابهات التي تحدث بينهم تعكس احتياجاتها الوظيفية وفي تسعينات القرن الثامن عشر، أثبتت أعماله في الأحافير المعنى الحقيقي للانقراض، باعتماده على الحوادث الطبيعية، كإعادة تعمير المناطق المتأثرة بالأنواع المختلفة.
وفي بريطانيا، رأى ويليام بيلي عالم اللاهوت الطبيعي أن التكيف كدليل نافع مصمم من قبل الخالق يعمل من خلال قوانين الطبيعة، ويعد جميع أنصار الطبيعية في الجامعات الإنجليزية هم رجال الدين لكنيسة انجلترا حيث أصبح العلم هو البحث عن هذه القوانين. تكيف الجيولوجيون مع الكوارث الطبيعية لإظهار تكرار الإبادة في جميع أنحاء العالم وإنشاء أنواع ثابتة وجديدة متكيفة مع بيئة متغيرة وذلك بتحديد لأحدث كارثة كملحمة الطوفان التوراتي. وقد تأثر بعض علماء التشريح مثل روبرت جرانت من قبل لامارك وجيفري ولكن تعتبر أفكار التحويل لمعظم علماء الطبيعة تهديدا لنظام اجتماعي إلهي محدد.
التحق داروين بجامعة إدنبرة لدراسة الطب عام 1825. وفي عامه الثاني أهمل داروين دراساته الطبية لأجل دراسة التاريخ الطبيعي وأمضى أربعة أشهر ساعد فيها في بحث روبرت إدموند جرانت المتعلق باللافقاريات البحرية. ولقد أظهر جرانت حماسه تجاه تحول الأنواع، لكن داروين رفضه. بدأ في جامعة كامبريدج من عام 1827، وتعلم داروين العلم اللاهوت الطبيعي من قِبل عالم النبات جون ستيفنز هينسلو، وقرأ لبيلي، وجون هيرشل، وألكسندر فون هومبولت. وكان مملوءاً بالحماس تجاه العلوم، فدرس جغرافية الكوارث الطبيعية مع آدم سيدجويك
في ديسمبر عام 1831، انضم إلى رحلة بيغل كعالم جيولوجي وعالم في تاريخ الطبيعة. وقرأ مبادئ علم طبقات الارض لتشارلز لايل، ومنذ المحطة الأولى على شاطئ سانت يقو، وجد أن نظرية الوتيرة الواحدة للايل هي المفتاح إلى التاريخ الجيولوجي للمناظر الطبيعية. واكتشف داروين أن الأحافير تشبه حيوان المدرع الضخم، وراقب كذلك التوزيع الجغرافي للفصائل الحديثة على أمل أن يجد "أساس خلقهم". وكان الثلاثة المبشرين الذين أعادتهم الرحلة إلى أرض النار ودودين ومتحضّرين، إلا أن داروين رأى أن أقاربهم في الجزيرة بدوا "بائسين ومتوحشين وحالتهم متدهورة" ، وقال أنه لم يعد يرى أن هنالك فجوة لا يمكن سدها بين البشر والحيوانات. ومع اقتراب السفينة إلى إنجلترا عام 1836، لاحظ أن الأنواع قد لا تكون ثابتة.
وضح ريتشارد أوين بأن بقايا الكائنات المنقرضة التي عثر عليها داروين في قارة] أمريكا الجنوبية لها علاقة وطيدة بالكائنات الحية الأخرى الموجودة في نفس القارة. و في شهر مارس من عام 1837، ذكر عالم الطيور جون جولد أن روحاء داروين (طائر الروحاء الصغير) يختلف عن طيور فصيلة الروحاء الأخرى الموصوفة سابقًا (على الرغم من تشابه مواطنها)، وبأن الطيور الناطقة المأخوذة من أرخبيل غالاباغوس توضح ثلاثة أصناف ذات سمات فارقة لكل نوع موجود في كل أرخبيل، وأن كل نوع طير ينتمي لهذه الأرخبيلات مصنف كنوع من طيور الشرشور. بدأ داروين بعرض شكوكه من خلال سلسلة من الكتابات باحتمالية "التحول من فصيلة إلى أخرى" لتفسير هذه الاستنتاجات، وبحلول يوليو رسم شجرة النشأة التطورية المتفرعة لعلم الأنساب، متجاهلًا سلالة لاماركس المستقلة المتطورة لأصناف متطورة. تساءل داروين بشكل غير تقليدي عن تربية الحمام والحيوانات والعلماء المتمكنين. وفي حديقة الحيوانات كانت رؤيته الأولى للقردة، واندهش بشدة بمدى تشابه الإنسان مع إنسان الغاب ).
في أواخر سبتمبر من عام 1838م، بدأ بقراءة مقال توماس مالتوس عن مبادئ علم السكان، وحجته الاحصائية بأن نمو سكان العالم إن لم يُقيّد فإنهم سيتكاثرون بما يتجاوز الموارد البيئية ومن ثمّ يتصارعون من أجل البقاء. نسب داروين ذلك إلى الصراع من اجل البقاء بين حياة البرية وحياة النباتات إلى نظرية دي كندول "صراع الأنواع" في النباتات، فتصور فورًا " قوة مثل قوة مئة ألف وتد" تدفع الانواع المتكيفة تكيّفًا جيدًا إلى ثغرات في اقتصاد الطبيعة بحيث تنقل الأنواع الناجية أشكالها وخصائصها، في حين تُدمر الأنواع غير المرغوب بها. وبحلول ديسمبر من العام 1838م، كان قد لاحظ وجود تشابه بين عمل المربين في اختيار السمات واختيار الطبيعة المالتوسية فيما بين الأنواع المختلفة القائمة على "الصدفة" مما يعني "أن كل جزء من البنية المكتسبة حديثا هو جزء فعّال وتام كليًا" . واستطاع داروين الآن وضع إطار لنظريته أي نظرية الانتقاء الطبيعي "التي يعمل من خلالها"، ولكنه كان منشغلًا جدًا بعمله كجيولوجي، وتوقف عن كتابة وصف لنظريته حتى اكتمل كتابه عن "نشوء وتوزيع الشعب المرجانية" في مايو عام 1842م.
استمر داروين للبحث وتنقيح نظريته على نطاق واسع مع التركيز على عمله الرئيسي من نشر للنتائج العلمية لرحلة بيغل وكتب مبدئيا عن أفكاره إلى لايل في يناير 1842م. ثم في يونيو قام بمخططات أولية لنظريته مكونة من 35 صفحة. بدأت مراسلات داروين حول نظريته مع عالم النبات جوزيف دالتون هوكر في يناير عام 1844، وبحلول يوليو كانت مخططاته قد قاربت 230 صفحة كمقالة، ليتمكن من توسيعها مع نتائج أبحاثه المنشورة في حال مات قبل الأوان.
في نوفمبر عام 1844 نشر بشكل مجهول كتاب أدبيات علمية لآثار التاريخ الطبيعي للخلق الذي كتبه الصحافي الإسكتلندي روبرت تشامبرز، وقد اتسع الاهتمام العام في مفهوم تحويل الأنواع، استُخدِمت بقايا الأدلة من السجل الأحفوري وعلم الأجنة لدعم الادعاء بأن الكائنات الحية قد أحرزت تقدما من شكلها البسيط إلى الأكثر تعقيدًا مع مرور الوقت، ولكنه اقترح التطور المتتابع بدلًا من نظرية الأصل المتفرعة المشترك وراء أعمال داروين في التقدم وتجاهل التكيف، داروين قرأ النظرية بعد وقت قصير من نشرها، واحتقر هواة الجيولوجيا وعلم الحيوان، ولكنه استعرض بعناية حججه الخاصة بعد أن هاجم كبار العلماء بمن فيهم آدم سيدجويك أخلاق النظرية والأخطاء العلمية. كان للآثار تأثير كبير على الرأي العام وساعد النقاش المكثف لتمهيد الطريق لقبول العلم الأكثر تطورًا عن طريق تحريك التكهنات التطورية في التيار الرئيسي، في حين إن قلة من علماء الطبيعة كانوا على استعداد للنظر في التحول، أصبح هربرت سبنسر من المؤيدين النشطين للاماركية والتطوير التدريجي في عام 1850.
هوكير كان مقتنعًا ليأخذ نسخة من رسمة "تجربة" *في يناير عام 1847, وأرسل صفحة من الملاحظات لتعطي داروين الملاحظات التي يحتاجها. تذكره من افتقاره للخبرة في مجال التصنيف، وبدأ داروين في دراسة استمرت ثماني سنوات على البرنقيل، ليصبح خبير بارز في تصنيفها. وباستخدام نظريته اكتشف وجود تنادد تبين أن أجزاء الجسم تغيرت قليلا لتخدم وظائف مختلفة لتلبية الظروف الجديدة، ووجد مرحلة وسطية في تطور الأجناس المتميزة.
دراسات داروين للبرنقيل أقنعته بأن التغيير ينشأ بالاستمرار وليس فقط عند تغير الظروف. في عام 1854، أكمل الجزء الأخير من كتابته، وبدأ يعمل طوال وقته على نظرية التطوير. غير داروين نظريته فبدلًا من التركيز على الصنف الذي يتشكل في بيئة منعزله كما في الجزر، بدأ يركز على التكوين التطوري في بيئة غير منعزلة، وبذلك لاحظ زيادة التكييف مع السكان كما تستغل البيئة الإكولوجية الجديدة. وقد أجرى بحث تجريبي يركز على الصعوبات التي واجهها في نظريته، ودرس الاختلافات التطورية والتحليلية بين سلالات مختلفة لعديد من الحيوانات الأليفة وأصبحت تشاركها بشكل فعال مع تربية الحمام .وأجرى تجربته (بمساعدة ابنه فرانسيس) بنفس طريقة تشتيت ونشر بذور النبات والحيوانات عبر المحيطات للجزر البعيده، في عام 1856،أصبحت نظريته أكثر تعقيدًا وذلك عبر الأدلة الداعمة.
في "المقدمة" للأنواع التي كتبها ألفريد راسل والاس عام 1855، قال أن الأنماط في التوزيع الجغرافي للأنواع الحية والأحفورية يمكن أن يفسر أن كل نوع جديد دائمًا يأتي إلى أسلوب حياة موجود بالفعل وهي أنواع ذات صلة وثيقة. ويعترف تشارلز لايل بالآثار المترتبة على ورقة والاس، والعلاقة التي تربطها بعمل داروين، على الرغم من أن داروين عكس ذلك، ففي ربيع عام 1856 حث لايل داروين على نشر نظريته لتأسيس الأولوية، ولكن داروين كان مترددًا بين رغبته في كامل العرض وبين الاعتبار والاقتناع والضغط لإنتاج ورقة قصيرة بسرعة، وقد قرر أنه لا يريد لكشف أفكاره للمراجعة من قبل المحرر كما طلب منه في مجلة الأكاديمية، وقد بدأ في يوم 14 مايو عام 1856 حساب "رسم"، وبحلول يوليو قرر إنتاج أطروحة الفني الكامل على الأنواع.
عمل داروين باجتهاد في كتابه الكبير الانتقاء الطبيعي، في 18 يونيو 1858م استقبل داروين طرد من والاس الذي بقي على جزر الملوك (جزيرة تيرنات وجيلولو)، وكان محاط بعشرين ورقة تصف آلية تطويرية استجابة تشجيعية لدراسة داروين الأخيرة. مع طلب لإرسالها إلى لايل إذا اعتقد داروين أن ذلك جدير بالاهتمام، كانت آلية لايل مماثلة لنظرية داروين الخاصة حيث كتب إلى لايل : "كلماتك قد تكون صادقة بطريقة انتقامية.. إحباط " وقال إنه "بالتأكيد يتمنى مرة أن يكتب ويرسل ما يكتبه إلى أي مجلة" مما يمكّن والاس من اختيار وإضافة كتاباته مع التوثيق الصحيح والأمين لصالحه، على أي حال كل ما سيصلهم سيتم تحطيمه. اتفق لايل وهوكر على إرسال ورقة مشتركة لجمعية لينين، وفي تاريخ 1 يوليو من العام 1858 م، تم إرسال أوراق بعنوان التشكيل باتجاه الأنواع والأصناف على إدامة الأنواع والأصناف باستخدام مصطلحات الانتقاء الطبيعي بإشراف والاس وداروين على التوالي الذي قرأ في إطار خارج عن الموضوع وكان له رد فعل لافت يذكر في نفس الموضوع. في حين اعتبر داروين إن فكرة والاس مطابقة لدراسته في |الانتقاء الطبيعي، سجّل المؤرخون الاختلافات بينهم حيث عرّف داروين الانتقاء الطبيعي بأنها مماثلة لاختيارات اصطناعية يمارسها مربي الحيوانات مع تأكيد المنافسة بين الأفراد، بالمقابل ذكر والاس بأن لا مجال للمقارنة للتربية الانتقائية وركّز على الضغوط البيئية ومدى القدرة على التكيف مع الظروف المحلية الموجودة.
بعد الاجتماع، قرر أن يكتب داروين خلاصة كل عمله. وقد بدأ العمل يوم 20 يوليو عام 1858، بينما كان في عطلة في سانداون، كتب أجزاء منه من الذاكرة. وناقش لايل الترتيبات مع الناشر جون موراي الثالث، من دار نشر جون موراي واللذين استجابوا على الفور على رسالة داروين في 31 مارس 1859 مع اتفاقاً لنشر الكتاب حتى من دون رؤية المخطوط، وعرضوا لداروين ثلثين من الأرباح، وفي نهاية المطاف قام موراي بدفع 180 جنيه استرليني لطبعة داروين الأولى، وعند موت داروين سنة 1882 كان كتابه في طبعته السادسة، وكسب ما يقارب 3000 الآف جنيه إسترليني، و لقد قرر داروين في البداية أن يسميه (مقال مجرد عن أصل أنواع وأصناف الكائنات الحية من خلال الانتقاء الطبيعي)، ولكن مع إقناعات موراي، تم تغيير المسمى في نهاية المطاف إلى: أصل الكائنات الحية، مع إضافة في صفحة العنوان: بواسطة وسائل الانتقاء الطبيعي، أو المحافظة على السلالات المفضلة في الصراع من أجل الحياة.، وهنا مصطلح "سلالات" يستخدم كبديل ل"أصناف" ولا تحمل المعنى الحديث للسلالة البشرية. وأول استخدام في الكتاب يشير إلى " العديد من السلالات، على سبيل المثال، الملفوف "ويشرع في مناقشة " الأصناف الوراثية أو سلالات الحيوانات والنباتات المحلية ".
كان لداروين نظريته الاساسية الانتقاء الطبيعي "التي يمكن من خلالها العمل" بحلول ديسمبر 1838، حتى الآن بعد ما يقرب من عشرين عاماً، عندما وصلت رسالة والاس في 18 حزيران عام 1858، كان داروين لا يزال غير جاهز لنشر نظريته. وكان يعتقد منذ فترة طويلة أن داروين تجنب أو قام بتأجيل نشر افكاره للعامة لأسباب شخصية. الأسباب المقترحة تضمنت الخوف من الاضطهاد الديني أو العار الاجتماعي إذا تم الكشف عن وجهات نظره، والقلق بشأن اغضاب أصدقائه رجال الدين الطبيعيين أو زوجته التقية ايما. تسبب مرض تشارلز داروين بتأخيرات متكررة، وكان بحثه على غلين روي أثبت خطأ محرج، فربما أراد أن يتأكد من أنه كان محقًا. وقد اقترح ديفيد كوامن إن كل هذه العوامل قد ساهمت مع ملاحظة الإنتاج الكبير لداروين من الكتب وانشغاله بالحياة الاسرية أثناء ذلك الوقت.
أكدّت دراسة حديثة أجراها مؤرخ العلوم "جون فان وآي" فكرة أن داروين قام بتأجيل النشر فقط لوقت يعود لأربعينيات عام 1900، ويعتقد أولئك الذين عاصروا داروين أن الوقت الذي قضاه قبل النشر كان معقولاً. كان داروين دائما يُنهي الكتاب الذي عنده ليبدأ كتاباً آخر، وبينما كان يُجري البحوث أخبر الكثير من الناس أنه مهتمٌ بموضع تحول المخلوقات من نوع إلى آخر دون أن يتسبب ذلك في أي فضيحة. كان داروين قد أكد على عزمه على النَشر، لكن ذلك لم يكن قبل شهر سبتمبر لعام 1854 حيث تمكن من العمل عليه بدوام كامل. لقد كانت فرضيته بأن "كتابه الكبير" سيستغرق خمس سنوات لإنجازه فرضية متفائلة جداً.
لقد نشرت أول طبعة من كتاب أصل الأنواع يوم الخميس 24 نوفمبر 1859، بخمسة عشرة شلن. وعرض الكتاب لبائعي كتب في ماريز أوتوم يوم الثلاثاء 22 نوفمبر، وبيعت جميع الكتب الموجودة هناك على الفور. وبالمجمل فقد تم طباعة 1,250 نسخة، ولكن بعد إنزال العروض وتنقيح النسخ تكلفت شركة ستاشينورز هول، بطباعة خمسة نسخ، مجملاً حوالي 1,170 نسخة متوفرة للبيع .، و على الفور اشترت مكتبة موديز 500 نسخة من الكتاب، وأكدت أنه بمجرد وصول الكتاب إلى المكتبة، زاد عدد المسجلين بها ، و في 7 يناير 1860، طرحت الطبعة الثانية من الكتاب والمؤلفة من 3000 نسخة وبيعت على الفور ، وأدخلت على تلك الطبعة كم هائل من التعديلات، والحقائق المعارضة للدين، وإضافة العديد من العبارات المقتبسة على الصفحة الثانية، ومنها اقتباس لما قاله القس تشارلز كينجسلي "من قِبَل الخالق" إلى الجملة الختامية، وفي حياة داروين طبع من الكتاب ست نسخ مختلفة، واكبتها عدة تغييرات وتعديلات، وكيفية التعامل مع الحجج المقاومة. وتم صدور الطبعة الثالثة في عام 1861، مع إعادة صياغة الكثير من الجمل، أو بإضافة ملحقات للمقدمة، أو رسوم تاريخية، وأضافت تلك الطبعة تقدمًا ملحوظًا لافتتاحية الكتاب أصل الأنواع،، بينما حصلت الطبعة الرابعة على تنقيحات إضافية عام 1866. وبعد ذلك نشرت الطبعة الخامسة في 10 فبراير 1869، وواجهت تلك الطبعة أبضا تعديلات عدة، ولكن لأول مرة على مقولة "البقاء للأصلح" التي اختلقها الفيلسوفي هربرت سبنسر في كتابه "مبادئ الأحياء" عام (1864).
في يناير من عام 1871، قام جورج جاكسون ميفارت بإدراج قائمة حجج وبراهين مفصلة بشأن نشأة الأنواع وتعارض فكرة الانتقاء الطبيعي التي قال بأنها تتضمن أمور خارقة للطبيعة (ميتافيزيقيا). قام داروين بتنقيحات شاملة على الطبعة السادسة لكتابه الأنواع وكانت هذه في الطبعة الاولى التي استخدمت فيها كلمة التطور الذي ارتبطت عادة بالتطور الجنيني على الرغم من أن جميع الطبعات اختتمت بكلمة (تطور) ) وأضاف أيضاً فصلاً سابعاً جديداً يحتوي على اعتراضات متنوعة للتصدي لحجج ميفارت. وقد نشرت الطبعة السادسة من قبل موراي في يوم 19 من شهر فبراير لعام 1872 مع إسقاط كلمة "على" من العنوان. وقد قال داروين لموراي أحد الرجال الذين يعملون في مقاطعة لانكشر وارتادوا معاً لشراء الطبعة الخامسة بخمسة عشر شلن ورغبوا في جعلها متاحة أكثر على نطاق أوسع، فقاموا بطباعة نسخ بخط أصغر وبسعر يتراوح مابين سبعة شلن وستة بنسات أي بنصف السعر. وشملت النسخة على معجم جُمع بواسطة دالاس، وبذلك ازدادت مبيعات الكتب من 60 إلى 250 شهرياً.
تفاوض آسا جراي في الولايات المتحدة مع ناشر من بوسطن لنشر النسخة الأمريكية المصرحة، ولكنه علم أن شركتي نشر من نيويورك كانتا بالفعل قد خططتا لاستغلال غياب حقوق التأليف والنشر الدولية لطباعة كتاب أصل الأنواع ، وقد كان داروين مسروراً بشعبية الكتاب وكان قد طلب من جراي أن يحتفظ بالأرباح، وقد تمكن جراي من التفاوض مع شركة أبلتون النيويوركية على 5% كأتاوة والتي حصلت على طبعتها في منتصف يناير 1860، فانسحبت بهذا الشركتان الأخريتان، وفي مايو ذكر داروين أن النسخ المطبوعة كانت 2500 نسخة ولكنه لم يوضح إن كان هذا نتاج الطبعة الأولى فقط أم لا حيث كان هناك أربع طبعات بتلك السنة.
وقد تُرجم هذا الكتاب في حياة داروين على نحو واسع ولكن نشأت مشاكل في ترجمة المفاهيم والاستعارات فبعض التراجم كانت منحازة لأجندة المترجم. وقد قام داروين بتوزيع نسخ من العرض التقديمي في فرنسا وألمانيا آملًا من المتقدمين المناسبين ترشيح أنفسهم، كما كان متوقع من المترجمين أن يتخذوا الترتيبات الخاصة بهم مع الناشر المحلي، ورحب داروين بعالم الطبيعية والجيولوجيا المسن والمميز هاينرش جورج برون لكن الترجمة الألمانية نُشرت في عام 1860 قد فرضت أفكار برون الخاصة به بمعنى أنه أضاف موضوعات مثيرة للجدل والتي قد أغفلها داروين عمدًا. فقد ترجم برون "الأعراق المفضلة" بمعنى "الأعراق الكاملة" وأضاف مقالات لقضايا بما فيها أصل الحياة بالإضافة إلى الفصل الأخير يتحدث فيه عن الآثار الدينية المستوحاة جزئيًا من إخلاص برون لفلسفة الطبيعة. ففي عام 1862 أصدر برون طبعة ثانية تعتمد على الطبعة الإنجليزية الثالثة وعلى إضافات داروين المقترحة لكن بعد ذلك توفي برون بنوبة قلبية، وقد اتفق داروين بشكل وثيق مع يوليوس فيكتور كاروس الذي نشر نسخة مطورة من الترجمة عام 1867م. محاولات داروين في إيجاد مترجم في فرنسا قد فشلت، فترجمة روير كليمناس التي نُشرت عام 1862 أضافت مقدمة مُشاد فيها عن أفكار داروين البديلة عن الوحي الديني وتشجيع الأفكار الداروينية الاجتماعية المحتملة وتحسين النسل بالإضافة إلى العديد من الملاحظات التي توضح فيها إجاباتها على الشكوك التي أعرب عنها داروين ولقد توافقا في الطبعة الثانية التي نشرت عام 1866 والطبعة الثالثة التي طرحت عام 1870 لكن دراوين وجد صعوبة في إقناع روير بحذف ملاحظاتها فقد كان منزعجًا وغير راضي عن هاتين الطبعتين حتى نُشرت ترجمة أديمون باربييه عام 1876م، أما الترجمة الهولندية فقد نُشرت عام 1860 من قبل طبريا كورنيليس وينكلر. وبحلول عام 1864 ظهرت ترجمات إضافية باللغة الإيطالية والروسية، وفي عام 1871 نُشرت النسخة الأصلية للكتاب باللغة السويدية، وبالدنماركية عام 1872 وبالبولندية عام 1873 وبالهنغارية بين عامي 1873 و 1874 وبالإسبانية عام 1877 وبالصربية عام 1878 وبحلول عام 1977 تُرجم الكتاب إلى 18 لغة إضافية.
بعد وقتٍ قصير من اجتماعه مع عددٍ من أصدقائه قرَّر داروين أن يكتب ملخَّصاً لأعماله بكاملها على شكل ورقة علميَّة أو عدة ورقات علميَّة يتمُّ نشرها عن طريق الجمعيَّة اللينينيَّة، ولكنَّ القلق الأكبر الذي ساوره هو كيفيَّة تقديم هذه الأوراق بطريقة علميَّة بحتة في هذه المجلة دون طرح الحقائق بوضوح، بعد ذلك فكَّر داروين في تجميع أفكاره وعرضها في كتيب واحد، وبدأ في كتابة "ملخص كتاب الأنواع" في 20 يوليو 1858 بينما كان في إجازة في ساندوان [61]، وأرسل بعض أجزائه على شكل مخطوطات لعدد من أصدقائه للتشاور حولها ، بحلول أوائل أكتوبر تشرين الأول شارف على الانتهاء من هذا الملخص وتوقَّع أن يتمَّ نشره في مجلد صغير، ومع ذلك استمرَّ في هذه الفترة في تجميع المعلومات وكتابة أجزاء كبيرة من مخطوطة كتابه الكبير أصل الأنواع.
تتضمن الصفحة الثانية على اقتباسات من ويليم هويويل و فرانسيس بيكون حول قوانين الطبيعة في علم اللاهوت ، وانسجام كلاً من الدين والعلوم القائم على أساس إيمان إسحاق نيوتن بحكمة الله في صنع كون ممتثل للقوانين. في الطبعة الثانية أضاف داروين عبارات مقتبسة من جوزيف بلتر الذي يؤكد بأن قدرة الله على التعامل مع القوانين العلمية مماثلة لصناعة المعجزات كما أشار إلى الاهتمامات الدينية لدى أصحابه الأكبر منه سناً. وتتكون المقدمة من أوراق هوية صاحب المذهب الطبيعي ومؤلف الكتب داروين. ومن ثم تشير المقدمة إلى رسالة جون هيرشل التي تعرض فكرته حول أصل الأنواع بأنها "قد تكون موجودة في الطبيعة لتكون نقيضاً لصناعة المعجزات".
عندما كنت على متن سفينة البيغل كصاحب المذهب الطبيعي، ذُهلت للغاية بالحقيقة المثبتة حول التوزيع السكاني لشمال أمريكا والعلاقة الجيولوجية الحالية بسكان القارة في الماضي. وتبدو لي أن هذه الحقائق تسلط الضوء على نشأة المخلوقات التي طالما وصفها أحد أشهر الفلاسفة بلغز الأسرار.
يشير داروين تحديدًا إلى توزيع نوع طيور الروحاء، وإلى توزيع نوع سلاحف غالاباغوس والطيور المحاكية. ويذكر داروين السنوات التي قضاها في العمل على نظريته ووصول والاس إلى نفس الاستنتاج، مما دفعه إلى " نشر هذا الملخص " لعمله غير المكتمل، ويلخص فيه داروين أفكاره ويضع جوهر نظريته وهي:
يولد عدد كبير من الأفراد لكل نوع أكثر مما يمكنهم من البقاء على قيد الحياة، ونتيجة لذلك، يستمر الصراع من أجل الوجود بشكل متكرر، ويحدث هذا الصراع لأي كائن، ولكن يختلف قليلًا بطريقة ترجع عليه بالفائدة، وفي ظل ظروف الحياة الصعبة وأحياناً المتغيرة سوف يكون هناك فرصة أفضل للبقاء على قيد الحياة، وبالتالي يتم اختيار هذه الفرصة بشكل طبيعي ومن المبدأ القوي للتوارث، فإن أي مجموعة مختارة تميل إلى أن يتكاثر نسلها الجديد والمعدل
بدءاً من الطبعة الثالثة، استهل داروين المقدمة برسم تخطيطي للتطور التاريخي للأفكار المتطورة. وفي هذا الرسم اعترف بأن باتريك ماثيو قد توقع مفهوم الانتقاء الطبيعي، لم يعرف كلا من والاس أو داروين بهذا المفهوم، في ملحق الكتاب الذي نشر في عام 1831م، و في الطبعة الرابعة أشار داروين إلى أن وليام تشارلز ويلز قد قام بذلك في وقت سابق من عام 1813م.
يشمل الفصل الأول على تربية الحيوانات و تحسين نوع النباتات بناء على مصر القديمة، ناقش داروين الآراء المعاصرة حول السلالات المختلفة في الزراعة ودلل بأن العديد قد تم إنتاجها من أسلاف مشتركة من خلال الاصطفاء الاصطناعي. وكمثال على الانتقاء الصناعي يصف تربية الحمام مبيناً أن "التنوع في السلالات شيء مدهش" وقد انحدر حتى الآن من هذا النوع الحمام البري. ورأى داروين نوعين متميزين من الاختلافات: (1) تغيرات مفاجئة نادرة واسماها "الرياضية" أو "الوحشية" (على سبيل المثال: أغنام قصيرة الساقين) و (2) وفروق صغيرة واسعة الانتشار (على سبيل المثال: منقار حمام أطول قليلاً أو أقصر قليلاً من المعتاد)، وكلا النوعين من التغيرات الوراثية يمكن استخدامها من قبل المربين، ومع ذلك فإن التغيرات الصغيرة كانت تشكل أهمية أكبر في عملية التطور .
في الفصل الثاني، يحدد داروين بأن التمييز بين الأنواع والأصناف هو إجراء تعسفي مع خبراء الاختلاف وتغيير قراراتهم عندما يتم العثور على أشكال جديدة. ولخص ذلك إلى أن "مجموعة متنوعة بشكل ملحوظ جيدًا يمكن أن تسمى بالعدل الأولي للأنواع" وأن "لأنواع فقط ملحوظة بقوة ودائمة الاختلاف". وقد جادل عن الوجود المطلق في الاختلاف في الطبيعة. وقد لاحظ المؤرخون أن علماء الطبيعة منذ فترة طويلة على علم بأن الأفراد من الأنواع تختلف عن بعضها البعض، ولكن قد يعتبر بشكل عام هذه الاختلافات محدودة وانحرافات غير مهمة من النموذج الأصلي من كل الأنواع، كون النموذج الأصلي مثالي وثابت في ذهن الله. أدلى داروين ووالاس بأن الاختلاف فيما بين الأفراد من نفس الأنواع أساس فهم العالم الطبيعي.
في الفصل الثالث يتساءل داروين كيف للأنواع المختلفة "والتي دعوتها أنواع أولية" أن تصبح أنواع مميزة، وفي الإجابة على هذا التساؤل يقدم المبدأ الرئيسي الذي يسميه الانتقاء الطبيعي، ويضيف في الإصدار الخامس "لكن التعبير المستخدم عادة من قِبل السيد هربرت سبنسر القائل "البقاء للأصلح" هو أكثر دقة، وفي بعض الاحيان مناسب أيضًا على حد سواء".
بالنظر لهذا الصراع من أجل الحياة، أي اختلاف مهما كان طفيفًا وأياً كان السبب الذي أحدثه، إذا كان مفيداً بأي درجةٍ كانت لعضو من أي نوع في علاقته المعقدة ابديًا مع الكائنات العضوية الأخرى ومع الطبيعة الخارجية، سوف يميل هذا الاختلاف للحفاظ على هذا الفرد، وعامة سيقوم بتوريثه إلى سلالته... دعوت هذا المبدأ، والذي بواسطته يتم حفظ كل اختلاف طفيف إذا كان مفيدًا بتعبير "الانتقاء الطبيعي" وذلك لأشير إلى علاقته بقدرة الإنسان على الانتقاء.
و يلاحظ أن كلًا من أوغستان بيرام دو كندول وتشارلز لايل قد صرّحا بأن جميع الكائنات الحية تتعرّض إلى منافسة شرسة. ويؤكّد داروين بأنه استخدم عبارة "الصراع من أجل البقاء" على صعيد المعنى المجازي، بما في ذلك اعتماد الكائن الواحد على الآخر" ويذكر داروين أمثلة بدءًا من صراع النباتات التي تكافح الجفاف إلى النباتات التي تتنافس على الطيور لتأكل ثمارها وتنشر بذورها. كما يصف الصراع الناجم عن النمو السكاني قائلًا: "هذه هي نظرية مالتوس طُبقت بقوة متعددة على كامل مملكتي الحيوان والنبات". ويناقش كذلك الضوابط لهذه الزيادة بما في ذلك علم البيئة المعقد، ويلاحظ بأن المنافس في أشرس حالاته بين الأنواع وثيقة الصلة "والتي تشغل تقريبًا نفس المكان في اقتصاد البيئة".
فصّل داروين في الفصل الرابع الانتقاء الطبيعي "في ظل العلاقات المتبادلة والمعقدة بطريقة لا محدودة والمناسبة تقريبًا فيما بين الكائنات العضوية بعضها البعض وبينها وبين الظروف الطبيعية للحياة"؛ وأخذ داروين كمثال تغيّر الأوضاع في منطقة ما ممّا يؤدي إلى انقراض بعض الأنواع وهجرة البعض الآخر، وتأقلم أجيال بعض الأنواع مع الظروف الجديدة في حال حدوث تغيرات مناسبة. و قد لاحظ أنه نتج عن الانتقاء الصناعي الذي يقوم به مربوا الحيوانات كثيرًا انحراف حاد في الصفة بين السلالات، وأشار إلى أن الانتقاء الطبيعي يؤثر نفس التأثير قائلًا :
وقد يسأل سائل: لكن كيف بإمكان أي أصل مماثل أن ينتشر في الطبيعة؟ أعتقد أنه من الممكن أن ينتشر بل إنه ينتشر بكفاءة تقريبًا، فالصفات الموروثة الأكثر تنوعًا من أي صنف تصبح في التركيب والبنية والسلوك وهذا هو الوضع البسيط، ومن خلال الميل القوي ستكون قادرة بشكل أفضل على الانتشار في العديد من الأماكن المتنوعة في نظام الحكم للطبيعة على نحو واسع، وبالتالي تصبح قادرة على الازدياد في العدد.
المؤرخون أشاروا إلى أن داروين توقع المبدأ الحديث للنمط الحياتي، وهو لم يقترح إن كل اختلاف أو تغيير يجب أن يًختار، ولا حتى تلك الحيوانات سواء كانت أفضل أو أعلى، ولكن مجرد تكيفها مع كل مايحيط بها.
داروين عرض كمثال الاصطفاء الجنسي، مدعمًا بالمنافسة بين الذكور للتزاوج لشرح خاصية ثنائية الشكل الجنسية مثل أعراف الاسد وقرون الغزلان وذيول الطاووس وتغريدات الطيور والريش المشرق لبعض ذكور الطيور.؛ قام بتحليل الاصطفاء الجنسي بشكل أكثر كلياً في كتاب أصل الإنسان والانتقاء في العلاقة الجنسية (1871). الانتقاء الطبيعي كان من المتوقع أن يعمل ببطء شديد في تكوين أجناس بشرية جديدة ولكن بالتاثير المعطى للاختيار المصطنع، كان بإمكانه ألّا يرى حدود لكمية التغيير للجمال والصعوبة اللانهائية للتعديلات المشتركة بين كل الكائنات العضوية الأساسية كل واحدة مع الأخرى ومع حالاتهم الفيزيائية للحياة والذي من الممكن أن يتأثر في الفترة الزمنية الطويلة بفطرة الانتقاء الطبيعي. باستخدام المخطط الشجري والحسابات، أشار داروين إلى "اختلاف الصفات" من أصل الكائنات البشرية إلى كائنات بشرية بصفات جديدة. ووصف سقوط فروع بانقراض حاصل، وفي نفس الوقت تكون فروع جديدة في "شجرة الحياة العظيمة... مع تفرعاتها وتشباتها الجميلة أكثر من أي وقت مضى".
في عصر داروين لم يكن هنالك نموذج متفق عليه للوراثة، فقد اعترف في الفصل الأول بقوله "إن القوانين التي تحكم الميراث غير معروفة تمامًا"، وقال إنه تقبل نسخة من وراثة الخصائص المكتسبة (والتي أطلق عليها بعد وفاته باللاماركية)، وناقش في الفصل الخامس ما وصفه بآثار الاستخدام والترك، وكتب معتقداً بأنه "يمكن أن يكون هناك شك بأن استخدامنا للحيوانات الأليفة يعزز ويوسع من بعض الأجزاء، وعدم استخدامنا يقلل منها، ويتم توارث هذه التغيرات" وينطبق هذا أيضًا على الطبيعة. وذكر داروين أن بعض التغيرات التي نسبت إلى الاستخدام والترك كالققدان الوظيفي لأجنحة بعض الحشرات التي تعيش في الجزر، فقد يتم إنتاجها عن طريق الانتقاء الطبيعي. وفي طبعات لاحقة من الأصل، وسع دارويين دور الانتساب إلى ميراث الخصائص المكتسبة. كما اعترف أيضًا بجهل مصدر الاختلافات القابلة للتوريث، ولكنه خمن بأن ذلك ممكن أن ينتج من قبل العوامل البيئية، ومع ذلك يتضح أنه: مهما كانت طبيعة وأسباب التغيرات الجديدة فإن داروين يعرف من الملاحظة والتجربة بأن المربين قادرين على تحديد هذه الاختلافات وإنتاج اختلافات كبيرة في الأجيال القادمة من التحديد. وملاحظة أن التحديد يعمل على الحيوانات الأليفة لا يهدم عن طريق فهم آلية الوراثة الكامنة، وأن تناسل الحيوانات والنباتات أظهر أن الأنواع المتقاربة تتغير بطرق متشابهة، أو تميل إلى استعادة أحد أشكال أسلافها المورثة (الأجداد)، ووضح داروين أن الاختلافات ذات الأنماط المتشابهة والتي تحدث في فصائل معينة تعكس نظرية السلف المشترك، وذكر أيضا كيف أن مهرة اللورد مورتون تثبت نظرية التليغوني، والقائلة بأن النسل يمكن أن يرث صفات الشريك السابق للأنثى (غير الأب)، وقَبٍل هذه الظاهرة على أنها زيادة في عدد التغيرات المعرضة لعملية الانتقاء الطبيعي.
ذكر داروين المزيد من التفاصيل في كتابه "تنوع الحيوانات والنباتات في ظل عملية الإستئناس" الصادر عام 1868م والذي حاول فيه شرح الوراثة من خلال فرضيته عن آلية التوريث شمولية التخلق، وعلى الرغم من أن داروين شكك سرًا بنظرية الوراثة الخلطية إلا أنه واجه صعوبة نظرية في تقبل أن التغيرات الفردية الجديدة من شأنها الاندماج مع المجتمع. ومع ذلك فإن التغيرات المورثة يمكن رؤيتها، ومبدأ داروين الانتقائي (الانتقاء الطبيعي) كان قابل للتطبيق ضمن مجتمع أحيائي يحتوي على مجموعة من الاختلافات والتغيرات البسيطة، ظل الوضع كذلك حتى ظهرت نظرية الاصطناع التطوري الحديث في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين حينها أصبح النموذج الوراثي متكامل تمامًا مع نموذج الاختلاف.
يبدأ الفصل السادس بذكر أن الفصول الثلاثة القادمة سوف تتناول الاعتراضات المحتملة لهذه النظرية، أول هذه الاعتراضات هو: أنه غالبا لاتوجد أشكال وسيطة بين الفصائل المتقاربة من الكائنات، على الرغم من أن النظرية افترضت وجود هذه الاشكال. وكما يذكر داروين "أولًا، إذا انحدرت الأنواع من أنواع أخرى عن طريق التدرج الصرف، لماذا لا نرى أشكال انتقالية عديدة؟ لماذا ليست الطبيعة في حالة ارتباك، بدلًا من كون الفصائل والانواع واضحة ومحددة كما نراها؟"، عزا داروين ذلك إلى التنافس بين الأشكال المختلفة، أضافة إلى قلة أعداد الأفراد ذات الاشكال الوسيطة، مايؤدي غالبًا إلى انقراض هذه الاشكال. يشار إلى هذه العقبة بـ"غياب أو ندرة الأصناف الانتقالية في المساكن الطبيعية (المكان)". هناك عقبة أخرى تتعلق بالأولى وهي غياب أو ندرة الأصناف الانتقالية في مختلف الأوقات (الزمان)، علق داورين على ذلك أنه من خلال نظرية الانتقاء الطبيعي فأنه يجب ان يوجد أعداد لاحصر لها من الأشكال الانتقالية، وتساءل "لماذا لا نجدهم بأعداد لا حصر ضمن قشرة الأرض؟"
بالنسبة لبقية الفصل فإنه يتحدث فيما إذا كان الانتقاء الطبيعي بمقدروه أن يُوجد هياكل متخصصة ومركبة والطرق الممكنة لاستخدامها عندما يكون من الصعب تصور كيف أن الأشكال المتوسطة قد تكون فعالة؛ قال داروين:
ثانيًا، هل هناك احتمال وجود حيوان لديه على سبيل المثال هيكل وعادات الخفافيش قد تم تشكيلها من خلال تحوير بعض الحيوانات ذات العادات المختلفة كليًا؟ هل بإمكاننا اعتقاد أن الانتقاء الطبيعي يمكن أن يُوجد أعضاء ذو أهمية قليلة كذيل الزرافة الذي يُعد بمثابة الأجنحة للطائر من ناحية، ومن ناحية أخرى أعضاء ذو أهمية كبيرة كالأعين التي لا نستطيع فهم كمالها الذي لايضاهى حتى الآن؟
فكان جواب داروين في العديد من الحالات توجد الحيوانات ذوات الهياكل المتوسطة الفعالة فقد قدم السنجاب الطائر والليمور الطائر كأمثلة على كيفية تطور الخفافيش من أسلاف حيوانات لا تستطيع الطيران في أصلها، وناقش مختلف الأعين البسيطة في اللافقاريات بداية من العصب البصري المغلف بالصباغ كأمثلة على كيف قد تتطور الأعين في الفقريات. واختتم داروين جوابه بـ "إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو مركب فإنه لا يُرجح أن يكون عن طريق العديد من التحورات المتعاقبة والطفيفة فإن نظريتي ستكون خاطئة بالتأكيد ولكن لا أستطيع إيجاد أي حالات أخرى على ذلك". الفصل السابع من الطبعة الأولى يتكلم عن تطور الحشرات، تحتوي أمثلته على شيئين من التحقيقات التجريبية التي أدّاها وهما: النمل المستعبدون وهيكل الخلية السداسية المصنوعة من نحل العسل. لاحظ داروين أن بعض أنواع النمل المستعبدون كانوا يعتمدوا على العبيد أكثر من غيرهم، ولاحظ أن كثير من النمل سيجمعوا ويخزنوا شرانق بعض الحشرات كطعام لهم، ويعتقد أن تلك النوعية التي تعتمد كثيرًا على العمال العبيد قد تطوروا في خطوات تدريجية، وأشار أن النحل الذين يصنعوا الخلايا السداسية قد تطوروا في خطواتهم من النحل الذين صنعوا خلايا مستديرة، وذلك تحت ضغط من الانتقاء الطبيعي لتوفير الشمع؛اختتم دارون:
في الأخير، قد لايكون ذلك الاستنتاج منطقي، لكن من تصوري اعتقد انه أكثر مرضٍ للنظر في بعض الحشرات مثل إخراج صغير الوقواق لأشقائه والنمل الذين يصنعوا العبيد وتغذية اليرقات التي تكون داخل جسم اليسروعات الحية ليس كالهبات الخاصة أو حشرات مخلوقة لكن مثل النتائج الصغيرة الناتجة عن قاعدة واحده عامة تقود إلى تقدم كل المخلوقات الطبيعية بل إلى تكاثرها وتنوعها وتدع القوي يعيش والضعيف يموت.
يتناول الفصل الثامن فكرة إن للفصائل مميزات خاصة تمنع الهجائن من الإخصاب للحفاظ على الأنواع بشكل منعزل، وقال دارون، بعيدًا عن كونها ثابتة، تتراوح مدى صعوبة إنتاج هجائن الأنواع ذات الصلة وبقائها وخصوبتها تراوحًا كبيرًا، وخاصة في النباتات . في بعض الأحيان يعتبر على نطاق واسع أن الأنواع المنفصلة تنتج سلالة هجينة مخصبة حرة، بينما في بعض الحالات ما كان يُنظر إليه على أنه مجرد أصناف من نفس الفصيلة قد لا يُنتج إلا بصعوبة. واختتم داروين قائلًا: "أخيرًا، إن الحقائق المذكورة باختصار في هذا الفصل، لا أرى أنها تتعارض مع وجهة النظر هذه أنه لا يوجد تمييز أساسي بين الفصائل والأنواع، بل على العكس تدعمها". في الطبعة السادسة أدرج داروين فصلاُ سابعاُ جديداُ (مع إعادة ترقيم الفصول التالية) للرد على الانتقادات الموجهة للطبعات السابقة، بما في ذلك الاعتراض أن كثيراُ من ميزات الكائنات لم تكن تكيفية ولا تُنتج عن طريق الانتقاء الطبيعي. وقال إن بعض هذه السمات هي نتاج ثانوي من التغيير التكيفي للحصول على ميزات أخرى، والتي غالبا ما تبدو لنا غير تكيفية لأن وظيفتها ليست معروفة بعد، كما يتضح من كتابه الإخصاب في مملكة النباتات الذي يشرح كيف أن تراكيبها الدقيقة تُلقّح بسهولة بواسطة الحشرات. غالبية هذا الفصل كانت ردودًا على