اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هناك عدة أسباب اجتمعت لتدفع الشاعر الذي أصبح يومذاك معروفاً على صعيد البلاد بأناشيده وقصائده الوطنية لاختيار الغربة وفراق الاحباب والديار، ولولاها لتقاعد من العمل معلماً أو مديراً لمكتبة بعقوبة العامة كما يذكر في سيرته المفصلة. [ عملت بالتعليم الابتدائي من 1941- 1946، ولو لم انقل من المكتبة وأحس بإهانة مدير المعارف لكانت حياتي سارت على وتيرة واحدة..]/ ص76- حلو.. وثمة.. فقد وجد الأديب في الدراسة موئلاً.. تهدأ فيه سورة نفسه من أجيج الاصطراع السياسي والفكري المعتمل في طول البلاد وعرضها، واستهانة القائمين على الأمور بمشاعر الأهلين؛ فانتقل إلى مرحلة جديدة من العمل الوطني والقومي من خلال البحث والتنقيب والدراسة، من جهة، وبثّ أفكاره ومناقشاته للظروف الراهنة ومواقفه منها، من جهة أخرى. ان الملاحظة الجديرة هنا، في دراسة فكر الدكتور يوسف عزالدين انما تتمثل في :- 1- اختياره الفترة الراهنة والتأريخ المعاصر.. في دراساته الأدبية والفكرية، ولم ينزوِ في رفوف المكتبات ووديان التأريخ، كما كان وما يزال، ديدن الكثيرين من طلبة البحث والشهادات. 2- اعتماده المنهج الاجتماعي/ السياسي في تتبع مراحل دراساته. 3- اختياره منهج التعاقب التأريخي في مواصلة دراساته الأدبية والفكرية.
دراسته لا تنتهي بانتهاء صفحات الكتاب، وإنما يواصل الدراسة للفترة اللاحقة، ولا يتركها مبتورة!. فقد كتب، مبتدئاً.. بالشعر العراقي في القرن التاسع عشر (رسالة الماجستير).. وواصل ذلك في (الشعر العراقي الحديث والتيارات السياسية والاجتماعية) والذي يتوقف عند بداية الحرب العالمية الثانية (1938) وأصدر خلال ذلك كتابه الشهير (شعراء العراق في القرن العشرين)/ج1 ومايزال الجزء الثاني ينتظر الطبع. وقد انتهى الدكتور خلال عمله في السعودية من استكمال دراسته للشعر العراقي للمرحلة الثالثة (1939-1958)، وعندما استقال من العمل مع بلوغه الثمانين منصرفاً للراحة - كما يعتقد البعض أو كما يفترض- ، نجده مستغرقاً في مراجعة الدراسة واجراء التعديلات والاضافات التي طرأت خلال الفترة الأخيرة، لتقديمه للطبع خلال أقرب فرصة. ولا شكّ.. ان نفس الأديب الدكتور ترنو لاستكمال تلك الدراسة لتغطية سحابة قرنه العشرين، سواء قام بذلك شخصياً.. مع تقدمه في السنّ، أو من خلال أحد طلبته المخلصين. وبذلك يكون أول باحث يتناول، أطول فترة متعاقبة، من التأريخ المعاصر، بنفس ومنهج ورؤية منسجمة ومتقاربة!. وعلى نفس الصعيد اهتم الدكتور بدراسة نشأة وتطور فنون القصة والرواية والفكر الحديث في العراق. وبذلك قدّم قراءته التأريخية المنهجية للثقافة العراقية المعاصرة. ولنا بعد ذلك.. أن نتأمل حرص ورؤية الدكتور المتكاملة وروح المواظبة والإصرار التي قادته عبر مسالك الفكر والحياة!.]
وقد شغف يوسف عزالدين بالشعر منذ نعومة أظفاره وكان ينشر شعره في الصحافة الأهلية منذ الثلاثينيات بأسماء مستعارة، منها (سمير الريف)، كما كان يعدّ رسائل ثقافية عن أخبار النشاطات الأدبية في مدينته بعقوبة ويرسلها للصحف والمجلات في بغداد أيضا. وتهيمن العاطفة الوجدانية والإنسانية في شعره المبكر. وخلال عمله (معلما) في قرية (أمام عسكر) كتب مسرحية شعرية بعنوان (الفلاح) تناول فيها مكابدات هذه الفئة وما تتعرض له من جور اجتماعي واقتصادي على أيدي الإقطاع، كما كتب مسرحية أخرى عن المرأة، وهي تكشف اهتماماته الاجتماعية وتأثره بالأفكار الاشتراكية في وقت مبكر. وهي من آثارالكتب والاصدارات الماركسية والاشتراكية التي كان يتبادلها مع زميله يوسف عبد المسيح ثروت آنذاك. ومعظم شعره وكتاباته المبكرة قد تعرضت للضياع، سواء منها المنشور في الصحافة بأسماء مستعارة، أو ما دفن تحت الأرض وتلف في أعقاب الاحتلال الثاني للعراق عقب حركة 1941 الوطنية. ومنذ عام 1942 التحق يوسف عزالدين بجامعة الإسكندرية للحصول على ليسانس الآداب ثم إجازة الماجستير. وهناك تبدأ مرحلة جديدة في حياته الأدبية والثقافية. وفي عام 1950 تصدر مجموعته الشعرية الأولى بعنوان (في ضمير الزمن) ثم الثانية بعنوان (ألحان) عام 1953 ومعظمها من شعره المكتوب في مصر. ويمكن تقسيم مسيرته الشعرية إلى عدة مراحل..
- مرحلة الغربة عقب مغادرته العراق (1978) وتتوزع بين بلدان السعودية ومصر والمملكة المتحدة، ويشيع الحنين والألم ومكابدات الغربة والفراق في شعره، ويمكن اعتبار مجموعتيه (لماذا يا بغداد) و(هكذا يا بغداد) أفضل تمثيل لهما. كما تمثلت هذه المرحلة بكتابة مطولات شعرية صدرت مستقلة في كتب، منها: (أوجاع شاعر)/ 1991، (شرب الملح)/ 1992، (النغم الحائر)/ 1993، (رجع الصدى)/ 1994. ويجدر هنا التأكيد على الأثر المضاعف لفقدان رفيقة حياته في مراكمة ألمه والشعور بالغربة والوحدة والتي عبّر عنها في واحدة من أجمل شعره.
ودلالة المكان هنا هو الكرسي المجاور له في الطائرة خلال عودته من العطلة السنوية في بريطانيا إلى مدينة الطائف. وكان فقدان زوجته عام 2000، تقاعد من عمله الجامعي عام 2001، وبعد سنوات ثلاثة من معاناة المرض فارق عالمنا في الثامن من أبريل 2013 إلى رحمة السماء الواسعة، تاركا أرثا جليلا من الأعمال المجيدة والمآثر الأدبية في أبواب التأليف العلمي والنقدي والأدب والترجمة والاعلام.
[وإذا كانت هذه الابحاث والدراسات القيمة قد وشحت الشاعر الدكتور يوسف عزالدين باحثا وناقداً ومؤرخاً، فإن المظهر الآخر لشخصيته الأدبية، هو حرصه - ربما غير المقصود- على تدشين أبواب الأدب والثقافة جميعاً. فقد عاد وأصدر في الثمانينات مسرحية شعرية كان قد كتبها أول عهده بالتعليم في قرية إمام عسكر في ديالى، كما أصدر روايتين ومجموعة قصصية. ومما يشتغل به هذه الأيام بعد تقاعده، مراجعته لكتاب ترجمات من الشعر العالمي، كان قد انجزه خلال عمله الجامعي. وبالتالي، فان الصورة التي تنعكس على مرآة يوسف عزالدين، ليست صورة واحدة، وانما جملة تلك الصور التي تشترك في رسم شخصية الأستاذ والمفكر الدكتور يوسف عزالدين. أما الملاحظة الأخرى التي لابدّ أن تستوقف الباحث أو ينتبه لها، إضافة إلى وحدة المنهج النفسي الاجتماعي/ السياسي في الأدب؛ فهو لغته السردية وإسلوبه الشخصاني في الكتابة، مما يقربه من نفس القارئ؛ فتبدو كثير من مؤلفاته، سيما في مجال الشعر والرواية والقصة، كما لو أنها صور منقولة أو منعكسة من سيرته الخاصة. ولد في بعفوبة وتوفي في كارماذن ودفن في مقبرة المسلمين في سوانزي.