اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان السبب الوحيد الدافع لزيد على هذه النهضة، تنبيه الأمة على زلات ولاة الأمر وتعريفهم مضار الحكم الجائر، يشير الصادق بقوله: ( خير الناس بعدنا مَن ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذِكرنا )؛ وكون زيد قاصداً تلك الغاية فشيء لا ينكر خصوصاً بعدما نقرأ في حديث أهل البيت المتواتر ( انما دعا إلى الرضا من آل محمّد ، ولو ظفر لوفى بما دعا إليه، انما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه ) وقوله لجابر بن عبدالله الأنصاري: إني شهدت هشاماً ورسول الله يُسَب عنده، فوالله لو لم يكن إلا أنا وآخر لخرجت عليه. تُعرّفنا هذه المصارحة مقاصده العالية، ونيته الحسنى في أمة جده، واسترجاع الإمامة إلى اهلها: تراجمة الوحي ومصدر الحِكم والاسرار. فلقد تلاعب الأُمويون بالدين الإسلامي، تلاعب الصبيان بالكرة. تحكّم فيه معاوية عشرين عاماً بما شاء له هواه، كما اخبره عن نفسه بقوله: « اني تضجعت فيها ظهراً لبطن » وخطبته بالنُّخَيلة بعد صلح الحسن بن عليّ عليه السّلام القائل فيها: « انما قاتلتكم لأتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا وان كل شيء أعطيتُه الحسن بن عليّ تحت قدميّ لا أفي به » ، شاهد عدل على الغاية المتوخاة له، وانها ليست الا حب الدنيا، ونهمة الاستعمار واتباع المطامع، فلا غرابة إذاً إذا حدث عنه أبو إسحاق الموصلي ، بقوله: كان بين المغنين وبين معاوية ستارة لئلا يظهر ذلك للناس؛ ويقول أبو الفدا في « المختصر من اخبار البشر »: غنّاه بعض المغنين بشعر يحبه وذكر الابيات فطرب وتحرك، حتّى ضرب برجله الأرض وقوله لابنه يزيد وقد استمع عنده ليلة غناء أعجبه فلما أصبح قال له: من ملهيك البارحة ؟ قال: سائب بن خاثر، قال: فأكثرْ له من العطاء. وهذا أحمد بن حنبل يحدّث في المسند ج 5 ص 347 عن عبد الله بن بريدة الاسلمي قال: دخلت انا وأبي على معاوية فأجلَسنا على الفراش ثمّ أُتينا بالطعام فأكلنا ثمّ أُتينا بالشراب فشرب معاوية ثم ناول أبي فقال: ما شربته منذ حرّمه رسول الله . ويقول أبو الفرج في الأغاني ج 2 ص 79: خرج عبد الرحمن بن سيحان سكرانا من دار الوليد بن عثمان، فضربه الحد ثمانين سوطاً مروان بن الحكم أيّام ولايته المدينة، فغاظ معاوية ذلك حينما اقرأه البريد هذه الحادثة، وقال: لو كان حليف أبي العاص لما ضربه، وانما ضربه لكونه حليف حرب بن أمية. ثمّ أمر الكاتب أن يكتب إلى مروان بن الحكم باعطاء ابن سيحان ألفَي درهم ويعلن أنه ضربه على شبهة، ففعل ذلك مروان. ويحدّث الزمخشري في [ ربيع الابرار ] في باب التأديب والحبس والنكال، « إن معاوية بن أبي سفيان قُدّم إليه حمزة السارق فأمر بقطعه، فاستعطفه بهذه الابيات: قالب:قصية
فأبطل عنه الحد وهو أول حد بطل في الإسلام ». كما مثلت تلك الأيّام المظلمة موقفه السيّئ في هذه الشريعة المقدسة. ومن هنا مقته الناس، وخرج عليه أهل المدينة فاسرف جيشه المتمرد في دماء الابرياء من الصحابة والتابعين، واتخذ من بقي من الناس عبيداً له في طاعة الله ومعصيته ومن لم يقبل تُضرب عنقه، فبايعوه على ذلك الا رجلاً من قريش قال: أبايعه في طاعة الله، فلم يقبل منه فقُتل. كانت تلك الفظائع بمرأىً منه ومسمع، يشهد له وصيته أمير الجيش لمّا سيره بإباحة حرم الرسول ثلاثة أيّام ، ذلك الحرم الذي يقول فيه النبيّ: من أخاف أهل المدينة ظالماً لهم اخافه الله وكانت عليه لعنة الله ، ولم يعلمنا التأريخ باستيائه وغضبه حينما اقرأه البريد انتهاب ذلك الجند أموال الابرياء واستباحته الفروج والاعراض ، نعم حمل الينا التاريخ مجازاته مروان بن الحكم بكل جميل لإعانته أمير الجيش على أهل المدينة، فقربه وأدناه وشكر له.