اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أَحْمَد فَضْل العَبْدَلِي (1881 - 1943) الملقب بالقُمِنْدان هو شاعر وملحِّن وعسكري يمني، ينتسب إلى أسرة «العبدلي» التي حكمت سلطنة لحج زمن الاحتلال البريطاني للجنوب اليمني. وهو أيضاً مؤرخ وباني نهضة زراعية في لحج، وهناك من يطلق عليه صفة الفقيه. شارك في تأسيس نادي الأدب العربي في عدن في 1925 وكان مضطلعاً بنشاطاته، وتولى رئاسته في فترة من الفترات. والقمندان يعد من أشهر شعراء العامية في اليمن أجمع، ولأشعاره شعبية هائلة في لحج والمناطق المحيطة بها. وكملحن فهو يُعد مؤسس الغناء اللحجي الحديث، أحد الأساليب والأنواع الغنائية الرئيسية في اليمن إلى جانب الغناء الصنعاني والحضرمي. ومن أسباب شهرة الشاعر دخول الفونوجراف إلى عدن، فمهد له هذا الطريق إلى قلوب العاشقين للموسيقى والأغاني، غير أنَّ فنّه لقي الكثير من المنافسة من الأغاني الهندية والمصرية التي انتشرت في تلك الفترة، ولم يكن هذا العائق الوحيد أمام انتشار أغانيه فقد أصدر عدد من فقهاء عدن ولحج فتاوى يحرمون فيها الغناء والموسيقى ويذمون أصحابه، ومن هؤلاء من خصَّ أغاني القمندان بالتحريم، وإن لم يكن لها ضرر كبير على انتشار أغانيه. ويُنظر حالياً إلى القمندان كجزء من النهضة الثقافية والأدبية التي شهدتها عدن مع بدايات القرن العشرين، وساهم فيها فقد أخذ على عاتقه بناء العديد من المدارس والمنتديات الأدبية، وكان صديقاً للأديب اليمني العدني محمد علي لقمان المحامي. وأحياناً يوصف القمندان بأنه مغن، إلا أن هذا الرأي غير منتشر ويلقى معارضة شديدة.
وللقمندان ديوان واحد فقط، وهو " المصدر المفيد في غناء لحج الجديد"، ويضمُّ تقريباً جميع القصائد التي قام بتأليفها حيث يحتوي على 90 قصيدة من أصل 95 منسوبة إليه. ويشتهر القمندان كشاعر شعبي، إلّا أن لديه بعض من الأعمال والقطع النثرية، ولعلّ أهم ما كتبه في النثر هو كتابه الذي يؤرخ فيه عدن ولحج تحت الاستعمار البريطاني "هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن"، وكتب في النثر أيضاً كُتَيِّباً صغيراً أسماه "فصل الخطاب في إباحة العود والرباب" وفيه يدافع عن الغناء بحجج وبراهين فقهية ويقتبس من فقهاء مشهورين دافعوا عن الموسيقى باعتبارها مشروعة في الشرع الإسلامي. وإلى جانب هذا فله عدد من المقالات نشرت في مقدمة ديوانه المطبوع في 1938، ومقالات أخرى نشرها في صحيفة فتاة الجزيرة التي كانت تصدر في عدن.
انتشرت أغانيه التي قام بتأليفها - لا غنائها - انتشاراً واسعاً في لحج وعدن والمناطق المحيطة في فترة الثلاثينيات والأربعينيات. وأولى الأغاني التي سُجلت كانت "البدرية" و"تاج شمسان" و"همهم على الماطر حبيب نشوان" قامت بتسجيلها شركتا تسجيل ألمانيتان "اوديون" وشركة "بيدافون" إضافة إلى شركة التسجيل "التاج العدني"، وقام بأداء الأغاني الفنانان من فرقة القمندان الموسيقية "فضل محمد جبيلي" و"مسعد بن أحمد حسين". واليوم يعد الشاعر من التراث اللحجي، ويعدُّ رمزاً من الرموز الثقافية والفكرية لمحافظة لحج ومدينة الحوطة ومن أبرز شعرائها وأعلامها.
ولد الشاعر والأمير أحمد فضل بن علي بن محسن العبدلي في مدينة الحوطة عاصمة سلطنة لحج في ذلك الوقت وترعرع وعاش معظم حياته ودفن فيها، وكانت تربطه بها علاقة حميمة، وتؤرخ ولادته إلى عام 1302 في التقويم الهجري أي ما يوافق 1884 أو 1885 في التقويم الميلادي. وتذكر مصادر أخرى أن ولادته كانت في عام 1303 هـ، بينما يتحدث الشاعر عن نفسه ويقول أنه ولد في صباح يوم 15 شعبان من العام 1299 أي ما يوافق الأول من يوليو 1882. وتنحدر أصوله إلى عائلة العبدلي التي حكمت سلطنة لحج لمدة تفوق على 200 عام، حيث بدأ ظهورها في خضم الأزمات السياسية التي تلت انهيار الدولة العثمانية الأولى في اليمن، وبرزت للسلطة في لحج وعدن كمشيخة في ثلاثينيات القرن الثامن عشر، وكانت سلطنة العبدلي إحدى المتحالفين مع الاستعمار البريطاني في الجنوب اليمني وأصبحت مع بداية القرن التاسع عشر جزءاً من محمية عدن. أمّا عن الأصول القبلية لعائلته، فبينما ينسب شرف الدين حسين بن حسين الرسي عائلة العبدلي في كتابه "السيرة المنصورة" إلى قبائل لحج وما جاورها، فإن القاضي حسين العرشي يرجعهم إلى أرحب شمال صنعاء، وكذلك الإمام يحيى حميد الدين عندما نسب العبادل إلى بكيل في رسالة أرسلها إلى سلطان عبدلي. وفي كتابه "هدية الزمن في أخبار ملوك لحج وعدن" يرفض الأمير أحمد فضل القمندان هذه الإدعاءات بعنف، ويعرض صوراً لوثائق ترجع العبادل إلى قبيلة كَلد وهي إحدى قبائل يافع، وعلى أية حال فإن العبادل قد انقطعت علاقتهم بأصولهم القبلية منذ فترة وأصبحت تعرف لحج بأرض العبادل وأصبح العبادل ينسبون إليها.
والده هو السلطان فضل بن علي محسن الذي حكم السلطنة في فترتين، الأولى عندما تولى الحكم في 1862 وبعدها بعام واحد في 1863 تنازل عن الحكم لعمه فضل بن محسن فضل بسبب نزاع في العائلة حول الحكم، والفترة الثانية حكم فيها 11 سنة من 1874 وحتى وفاته في 1898، وفي خلال فترة حكمه هذه لم ينازعه أحد في الحكم مثلما حدث في المرة الأولى، وكان هو الذي باع مدينة الشيخ عثمان للحكومة البريطانية في عدن، وفي عهده ضُمَّت بلاد الصبيحة إلى السلطنة ولكنها انفصلت عنها لاحقاً، وساد جو من التوتر بين العبادل وقبيلة العقارب. في كنف والده ترعرع أحمد فضل القمندان، وذلك حتى وفاة والده عندما كان يبلغ عمر القمندان حينها تقريباً 14 عاماً، ويتحدث الشاعر عن والده فيقول: «كان يحب العلم والعلماء، ويكثر من مجالستهم، وكان في بادئ الأمر يحضر إلى جامع الحوطة ويقعد في حلقة الطلبة كطالب علم، وبنى مدرسة للعلامة الشيخ أحمد بن علي السالمي من الأسلوم بلحج، وكان عادلاً طيب القلب إلى حد جعله موضع تندر خليفته السلطان أحمد. فعندما بيعت منطقة الشيخ عثمان على الحكومة البريطانية، حول السلطان فضل بن علي قيمتها إلى خزينة السلطنة، ولم يوزعها على أفراد العائلة الحاكمة...». وبعد وفاة والد القمندان تولى الحكم ابن عمّه أحمد بن فضل محسن العبدلي الذي امتدت فترة حكمه من 1898 وحتى 1914، وكان ابن عم والد القمندان هو الذي كفله وتحمّل رعايته بعد أن توفّي والده وفي فترة من الفترات زوّجه احدى ابنتيه، وبعد أن توفّيت زوّجه الأخرى، وفي مذكراته يسمِّيه القمندان عمّاً له، وعندما بلغ القمندان التاسعة عشر نصبه عمه - السلطان أحمد فضل محسن - قائداً للجيش النظامي للسلطنة ويقول عنه القمندان: «لقد كان عمي السلطان أحمد فضل عالماً متبحراً جياشاً. وهذا ما فكر فيه واختارني لهذا المنصب الكبير»، وأخيه هو السلطان عبد الكريم فضل بن علي محسن الذي حكم من 1915 وحتى عام 1947. وفي عهده تولى القمندان قيادة الجيش للمرة الثانية، وكان للشاعر أخ شقيق آخر وهو "محسن" الذي اضطلع أيضاً في سلطة أخيه السلطان وتولى بعض المهام السياسية ومسؤلية الترقية.
كانت عائلة القمندان تمتلك أراض زراعية واسعة منها ما ملكته بالإرث وأخرى عن طريق شرائها من مالكيها، وباعتبارها الأسرة الحاكمة في السلطنة فقد كان لها نفوذاً واسعاً لا تنازعه أحد من الأسر الأخرى استخدمته في الاستيلاء على أراضي زراعية بوسائل غير قانونية من ضمنها التهديد. هذا ما أمنَّ له العيش حياة رغدة ميسور الحال فيها، وفتح له أبواب المعرفة والثقافة، على الرغم من ذلك لم يرض القمندان بالاضطهاد أو التمميز الاجتماعي ليس فقط في منطقته وإنما في البلاد العربية بشكل عام، ويظهر ذلك جليّاً في مقال له كتبه لاحقاً بعنوان "أمير عربي يصف الجزيرة العربية".
كان لدى عائلة القمندان فتاة بدوية تخدمهم يعرفونها باسم "مريم" ووكلت لها مسؤولية العناية بالطفل القمندان فكانت مربيته، ويتحدث القمندان ويقول أنه كان يرتاح لسماعها تغني له كل ليلة حتى ينام عندما كان أكبر من الثالثة بقليل. نشأ الشاعر في وسط علمي أدبي وثقافي، وأعجب وتأثر بالرقص والغناء الشعبي في منطقته، وقال الشعر منذ الطفولة. ويذكر عن القمندان أنه عندما كان في سن السادسة والسابعة كان أشد سعادةً وابتهاجاً من بقية حياته. وفي شبابه أقبل على قراءة الكتب والمجلات العلمية والأدبية والاجتماعية وما يتعلق منها بالزراعة باللغتين العربية والإنجليزية، ومارس كتابة الشعر وصياغة الألحان باستمرار، وفي صغره أصيب القمندان بالجدري واستطاع الشفاء منه، ولكنه ترك على وجهه آثار خفيفة لا تظهر واضحة للعيان.
تلقى أحمد فضل العبدلي مبادئ القراءة والكتابة في منزل والده السلطان، وتقريباً في عام 1891 عندما كان يبلغ من العمر سبع سنين أدخله أبيه إلى "دار العلم" وكان يتعلم هناك على فترتين الأولى في الصباح حيث كان يدرس فيها القراءة والكتابة والأخرى في العصر يتعلم فيها التجويد وعلوم القرآن، وتلقى تعليمه الأولي هناك، وعلى يد بعض من فقهاء الحوطة وأغلبهم نزحوا من الشطر الشمالي، حيث نال قسطاً من التعليم في المساجد والكتاتيب في مدينته في وقت لم يكن فيه التعليم متاحاً للجميع. وفي هذه الفترة درس هو وأبناء عمومه قواعد اللغة العربية والفقه الإسلامي والحديث على يد "أحمد بن علي السالمي" وهو مفتي لحج في تلك الفترة وكان يحمل معه شهادة من معهد زبيد الديني في النحو والصرف والبلاغة والعلوم الدينية، وتعمق أكثر في الدراسة على يد "علي الأهدل" قاضي لحج انئذِ، وتتلمذ أيضاً على يد اللحجي "قاسم بن عبد الله السالمي" والحضرمي "علوي بن علي الحداد" وأيضاً "طاهر بن شيخان الحبشي" من حضرموت. وفي هذه السبع السنين التي درس فيها حفظ القرآن ودرس علومه وتلقى دروس كذلك في الحديث والعلوم الإسلامية والنحو والصرف والمنطق والبلاغة والبيان والإعجاز والحساب والموسيقى والتاريخ والجغرافيا. ولم يلتحق القمندان بأي من الجامعات في الخارج، ولم تكن بعد قد أُنشئت أيّ من الجامعات اليمنية في زمنه، وكذا فلم يلتحق بأي من المعاهد العالية أو غيرها من المؤسسات التعليمية الأكاديمية. ولكنّه استطاع امتلاك نوع من الثقافة الأدبية والموسيقية وإطّلاع على الأوضاع السياسية في المنطقة العربية وذلك بمطالعة أنواع الصحف والمجلات التي تصدر في البلدان العربية. وكان القمندان شديد الاهتمام بمؤلفات مصطفى لطفي المنفلوطي الأديب المصري الذي عاصره، وأيضاً عدد من الشعراء العرب الجاهليين وبعد الإسلام. وقرأ مقدمة ابن خلدون وديوان المتنبي وديوان الشريف الرضي وكان معجباً بأشعار أحمد شوقي وأبو نواس ورباعيات إلياس فرحات وقرأ كذلك لطه حسين.
تعلم القمندان اللغة الإنجليزية كتابةً ونطقاً في إرسالية في مدينة التواهي بعدن. وتعلمها أيضاً على يد "عبد الحميد رضا رياض" معلم طاعن في السن كان لا يخفي احترامه له، وبعد وفاته في 1897 دفنه إلى جوار جده السلطان وأقام وليمة في جنازته. ودرس الإنجليزية أيضاً هو وأخيه وابن عمه في مدرسة خاصة في لحج على يد "صالح جعفر العجمي" وهو أحد سكان مدينة عدن و"صالح حسن تركي" من الشيخ عثمان.
تدرب القمندان على الآلات الموسيقية وتلقى مبادئ وأصول الموسيقى على يد أربعة من المدرسين نزحوا من مدينة تعز في شمال اليمن واستقروا في الحوطة وتعود أصولهم إلى الشام، وهم الأخوين عبد الحميد ورافع رضا رياض من مدينة حلب وإلى جانبهما "سعيد تقي الدين الأجاصي" و"ضدام الفياض". ويقول القمندان أن لهؤلاء الفضل عليه في إرساء قواعد وأصول الموسيقى اللحجية على الطريقة الحديثة. وأجاد القمندان العزف على الساكسفون والبجل والفنيون والأينو ورغم أنه وجد صعوبة في إتقان العزف على القانون إلا أنه تمكن منه بعد ذلك، وفي وقت لاحق أجاد العزف على آلة القنبوس. ولم يدون القمندان ألحانه بالطريقة المعتادة باستخدام النوتات الموسيقية، ولكن كانت له طريقة أخرى في تدوين الألحان بأن يضعها في صيغ لفظية على كلمة "دان" من دندنة، مثل «دانه على الدانه يا دان يا دانه».
وفي فترة من شبابه بدأت الآلات الوترية بالظهور في المنطقة، وبالتحديد العود الصنعاني قبل أن يظهر العود المصري، فأقبل معظم الموسيقين في المنطقة على تعلم العزف على العود الصنعاني ومنهم القمندان، فاستطاع أن يعزف الألحان الصنعانية إضافة إلى المحلية والتراثية. وعندما حاول أن يصنع الألحان على تلك الأنماط مجموعة ظهر ما عُرف بالغناء اللحجي واعتبر الشاعر القمندان مؤسسه من قبل الكثير من مؤرخيه، حيث تميزت ألحانه بأنها تجمع ما بين القديم والحديث. وعندما تولى قيادة الجيش - الذي قام بتكوينه - كان بحاجة إلى فرقة موسيقية، فنشط في جلب آلات نحاسية موسيقية ومعلمون موسيقيون ضمن محاولاته لإنشاء فرقة خاصة بالجيش. فكان له أن تشكّلت في صيف 1927، بدأت الفرقة بالتدرُّب على عزف مقطوعات إنجليزية، وعلى ألحان تلك المقطوعات قام بتأليف وتلحين قصيدته المشهورة "أي بلبل غنِّ لي واشجني". استمر القمندان في الإشراف على تلك الفرقة حتى بعد تخليه عن قيادة الجيش، وحاول في أحد المرات أن يضم الفنان اللحجي "هادي سبيت النوبي" إلى فرقته ولكنه لم يقبل دعوة القمندان، واستمر في البحث عن مواهب ليضمها إليه إلى أن وقع اختياره على موهبتين شابتين استطاع الشاعر أن يضمهما إلى فرقته، أحدهما أصبح المغني الرئيسي وهو "فضل محمد جبيلي" والآخر تولى العزف على العود والكمان وهو "مسعد بن أحمد حسين". قامت الفرقة بتسجيل النشيد الوطني للسلطنة العبدلية "نشيد محبة الوطن" وكذلك السلام السلطاني "الدعاء السلطاني العبدلي"، وكلاهما من كلمات وألحان القمندان.
تعود علاقة القمندان بالعسكرة إلى عهد عمه سلطان لحج "أحمد بن فضل محسن العبدلي" عندما قلده قيادة الجيش النظامي في عام 1904م تقريباً، وكان يبلغ حينها تسعة عشر عاماً، ومن الأسباب التي دفعت عمه إلى ذلك إجادة القمندان للغة الإنجليزية مما سيسهل عليه التعامل مع القوات البريطانية الحليفة في عدن، والتي تربطها بالسلطنة الكثير من المعاهدات والمواثيق. ومع وفاة "عمّه" السلطان في 10 مارس من العام 1914 بعد معاناته من مرض السُّكري، انتهى عهد تميز بالهدوء نسبياً عدا بعض المناوشات الخفيفة مع قبائل الصبيحة المحيطة وكذلك مع الأتراك في شمال اليمن، ولكن ذلك الهدوء كان بمثابة الهدوء قبل العاصفة التي تمثلت في قيام الحرب العالمية الأولى وتقدم القوات العثمانية بقيادة الجنرال "علي سعيد باشا" نحو الحوطة بعد سيطرتها على الضالع بهدف الوصول إلى عدن قاعدة البريطانيون في اليمن. وتقدم جيش السلطنة بقيادة القمندان إلى قرية الدكيم على مقربة من القوات العثمانية، حيث دارت المعركة هناك وهُزِمَ فيها جيش السلطنة، ولكنه سرعان ما تراجع إلى العاصمة بعد أن أدرك حجم المقاتلين العثمانيين الذين لم يتوانوا في التقدم نحو الحوطة عاصمة السلطنة العبدلية. واجهت القوات العثمانية مقاومة صغيرة في طريقها إلى الحوطة من القرى المجاورة، ولكن ذلك لم يمنعها من السيطرة على العاصمة. وحدث ذلك في فترة حكم السلطان "علي بن أحمد بن علي محسن" الذي لم يدم حكمه غير عام واحد وثلاثة أشهر، حيث دخل الأتراك لحج وسيطروا عليها في غضون أيام من شهر يوليو 1915، وبذلك سقطت سلطنة لحج في أيدي العثمانيين ولجأ العبادل ومنهم الشاعر القمندان إلى حلفائهم البريطانيون في عدن.
توفي السلطان "علي بن أحمد بن علي محسن" في 15 يوليو 1915 في عدن، وخلفه في الحكم "عبد الكريم فضل بن علي" أخ القمندان ونُصِبَ سلطاناً في المنفى في عدن حيث كان سلطاناً بلا سلطنة، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهزام العثمانيين فيها مع حلفائهم من دول المركز انسحبت القوات العثمانية من لحج في نوفمبر 1918، ومع انسحابها عادت لحج إلى حكم العبادل والسلطان. وسبَّبَ جلاء العثمانيين اختلال الأمن في العديد من مناطق السلطنة، مما اضطر السلطان "عبد الكريم فضل بن علي" إلى تشكيل قوة عسكرية نظامية لحفظ الأمن وحماية السلطنة من غارات القبائل المعادية ومحاربة قطاع الطرق. وأوكل هذه المهمة إلى أخيه القنمدان حيث عُيِّن قائد للقوات النظامية يوم الثلاثاء 8 مارس 1920، وهو اليوم ذاته الذي غادر فيه القمندان مسكنه في عدن الذي ظل فيه طيلة فترة حكم الأتراك للحج. غير أنه لم يكن هناك جيش متدرب على النظم العسكرية ولم يوجد سوى بعض القبائل والموالي المستعدين للانخراط في الجيش الحديث التكوين، وفي سبيل تكوين ذلك الجيش، استجلب القمندان عدد من المدربين العسكريين منهم ضابط إنجليزي من الجيش البريطاني في عدن "الكابتن وارد". وفي قصيدته "الدعوة إلى التجنيد" يدعو القمندان القبائل وبعض الأمراء ومواطني لحج والسلطنة إلى الانخراط في الجيش. وشهد عهد أخيه عودة قبائل الصبيحة في منطقة الرجاع إلى مهاجمة القوافل، فتصدى لهم جيش السلطنة بقيادة القمندان حيث حاصر مدينة الرجاع حتى استسلمت القبائل إلى السلطة العبدلية.
من الأسباب التي خففت على القمندان عبء قيادة الجيش - كما يقول هو - تشكيله لفرقة موسيقية عسكرية قام بتكوينها في بداية عام 1346 هـ ما يوافق تقريباً صيف عام 1927، ثم قام بتأليف كلمات النشيد الوطني والسلام السلطاني، قامت الفرقة بتسجيلهما. وما أن أكمل القمندان تشكيل الفرقة الموسيقية حتى تخلى عن قيادة الجيش المستحدث ولكن ظل لقب "القمندان" متشبثاً به، وهو عبارة عن تحريف ل"كوماندر" (بالإنجليزية: Commander) بمعنى قائد عسكري.
قبيل اقتحام القوات العثمانية للحوطة يرسل القائد العثماني "علي سعيد باشا" إلى القمندان يطلب منه أن يسمح له بالعبور إلى عدن ويحاول استمالته إلى جانبه، ولكن القمندان يرفض طلبه ويرد عليه بقصيدة قصيرة من أربع أبيات ويقول في هذا الشأن: «تمر السنون ويأتي ذلك العام المشؤوم ويبعث بكتاب الأميرلاي علي سعيد باشا يطلب مني أن أسمح له بالعبور ليتقدم إلى عدن لطرد الكافر كما زعم». وحتى عندما دخل العثمانيون لحج فلم يتوقف "علي سعيد باشا" من مراسلة القمندان الذي كان وقتها في عدن يعرض عليه تولي منصب كبير في سلطته، لم يقبل القمندان عرضه ورد عليه كذلك بقصيدة ينتقده فيها هذه المرة. وعلى الرغم من ذلك يعود القمندان يمدحه ويصف حكمه الذي دام أربع سنين بالعادل ويقول بأنه كان "يسهر الليل للمصلحة العامة ويواسي الفقراء والمحتاجين" ويذكر أنَّه مع خروج العثمانيون من لحج استقبله هو وأخيه بالعناق وأن "الدموع كانت تقطر من عينيه".
مع دخول العثمانيون لحج أطلق الشاعر الصوفي اللحجي "الحاج أحمد بن إبراهيم الحبيشي" قصيدة يمدح فيها العثمانيون ويذم ويشمت فيها بالعبادل ويصور فيها هزيمتهم وكيف كان النصر حليفاً للأتراك، وبعد ذلك أرسلها إلى عدن إلى السلطان "عبد الكريم فضل" شقيق الشاعر، تلاه القمندان يرد عليه بقصيدة من ستة أبيات تحت عنوان "هبوا لحج التحية والسلاما". وكان العثمانيون يشجعون التصوف في لحج، وهذا ما دفعه إلى الوقوف إلى جانبهم على الرغم من أنّه أحد سكان قرية سفيان على الحدود مع الحوطة.
تزوج القمندان للمرة الأولى في سن مبكرة من "فاطمة أحمد فضل" وهي ابنة عمه وذلك قبل أن يصبح عمه سلطاناً، وتذكر بعض المصادر أن زواجه هذا تم وهو في سن الثالثة عشر مما يعني أنه تزوج تقريباً في عام 1897، بينما تصرح مصادر غيرها أنه عندما تزوج للمرة الأولى كان يبلغ حينها خمسة عشر عاماً فيكون زواجه تقريباً في عام 1899. لم تنجب له زوجته أي أطفال، وبعد زواجه بفترة قصيرة توفي والده السلطان "فضل بن علي" وخلفه في الحكم "أحمد فضل محسن" والد زوجته. وفي فترة من زواجهما أصيب القمندان وزوجته ب"الخامج" (الجدري) اشتد المرض على زوجته وانتهى بوفاتها أما هو فكتبت له النجاة، بعد وفاة زوجته الأولى زوجه عمه السلطان شقيقتها "جمعة" وأنجبت له طفلتين.
ابنتيه "فاطمة" و"خديجة" تعلمتا علوم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة على يد مدرسة من الشطر الشمالي لليمن تدعى "سعيدة". وكانتا تجيدان الغناء، والأولى منهما كانت تجيد العزف على الكمان والأخرى تعزف على العود. ابنته الكبرى "فاطمة" تزوجت من "فضل عبد الكريم" وهو ابن شقيقه السلطان، وتزوجت الأخرى "خديجة" من ابن عمه "أحمد مهدي بن علي". وتجدر الإشارة إلى أنَّ القمندان كان يتمنَّى أن يحظى بإبن، ولم يتحقق له مراده.
بعد زواجه استقر القمندان في مسكن في وسط الشارع الرئيسي للحوطة يتكون من طابقين من الطوب الأحمر حيث كان بيته في الطابق الثاني، وأسفله مباشرة توجد ملحمة يملكها "أحمد حسين"، الذي كان ابنه اليافع "مسعد" ضمن فرقة القمندان الموسيقية. وكان القمندان يخصص جزءاً من بيته لتلاميذه المطربين، الذين أصبح معظمهم ضمن فرقته الموسيقية. وبعد وفاة الشاعر تحول بيته إلى محكمة ثم بعد ذلك إلى مقر لنقابة العمال، وبعد أن تخلّت النقابة عن ذلك المبنى، قامت إدارة الإسكان في الحوطة بتحويله إلى مبنى لتسكين المواطنين بعقود انتفاع. أما اليوم فيشغل الطابق السفلي من المبنى عدد من المتاجر. وتعرض البيت خلال كل تلك الفترة إلى عدد من التغييرات والتعديلات من الداخل، وتعرضت أجزاء منه للهدم، وأُعيد إعمار أجزاء أخرى فيما وصفه البعض بأنه تعد على أحد معالم لحج التراثية. وكان منزله مقصداً للعديد من العلماء والأدباء والسياسيين والمؤرخين اليمنيين دفع فضل عوض عوزر للقول أن منزله كان «بمثابة دار للأبحاث العلمية والاجتماعية والسياسية والأدبية والفنية». وكان دائماً ما يتكرر على زيارته في منزله ضباط من عدن وسياسيين تربطهم بالشاعر علاقة مثل سلطان الحواشب، وتردد على داره الرحالة والأديب اللبناني "أمين الريحاني" الذي ذكره القمندان في قصيدته "يا طير كف النياح". وتحدَّث الريحاني عن زيارته للشاعر في بداية العشرينيات في كتابه "ملوك العرب"، وأبرز خلال ذلك الملامح الشخصية للقمندان وتحدث عن هيئته وأورد كذلك حوار قام بينه وبين الشاعر، وبعضاً من حديثه حول القمندان في كتابه ملوك العرب: «مكثت عدة أيام في منزل الأديب أحمد فضل القمندان بلحج، وناقشته وتحدثنا كثيراً في شتّى المجالات الفكرية والتاريخية والفنّية فوجدته ذو فكر ثاقب وإطلاع واسع وثقافة غزيرة، لطيف المعشر، وإنه ليس علماً من أعلام اليمن فحسب وإنما هو علم من أعلام الجزيرة العربية»، وأعطى له في ذلك الكتاب لقب "شاعر لحج وفيلسوفها" ووصفه بسلك الكهرباء في لحج.
منذ صغره كان القمندان مولعاً بالزراعة وكل ما يتعلق بشئون البستنة، وفي شبابه كان مسؤلاً عن بستان عائلته ودائماً ما كان يقضي أوقاته بين الحقول والبساتين. واستطاع بعد ذلك أن يملك بستان خاص به يعرف ببستان "الحسيني" كثيراً ما كان يتغنى به في أشعاره. وبعد أن ترك القمندان العسكرة وهجر الإمارة نشط في تطوير الزراعة في منطقة لحج والبحث عن السبل والوسائل التي تمكنّه من مضاعفة الإنتاج الزراعي، فكان يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب ومجلات ونشرات عربية أو إنجليزية متعلقة بالزراعة وخاصة ما يتعلّق منها بتحديد التربة الملائمة للزارعة وبمكافحة الآفات التي تُصيب المحاصيل الزراعية بالمبيدات السائلة تدريجياً وأحياناً نهائياً، وحاول كذلك أن يتعمق في القراءة حول تأثير الطقس والمناخ في نمو المزروعات. وفي محاربة الآفات التي تصيب المحاصيل خصص المزارع القمندان جزء من بستانه "الحسيني" من أجل التحقق من مفعولية المبيدات في القضاء على الآفات الزراعية وذلك قبل نقلها إلى البساتين المجاورة وعرضها على المزارعين المحليين، وكان يدوّن في سجلّ خاص نتائج التجارب التي يختبر فيها المبيدات.
ولم يقتصر عمله على هذا فحسب بل قام كذلك بإدخال أنواع جديدة من الفواكة والخضروات ونباتات الزينة، استجلب معظمها من الهند ومصر إضافة إلى دول أخرى، حيث انطلق إلى الهند وزار أربع مناطق هناك: مدراس، وكرجاتا، وسمرا، ونيودلهي. ومن هناك جلب أغلب الفواكة التي أدخلها إلى بستانه الحسيني، وانتشرت منه الثمار والمحاصيل التي نجح في زراعتها إلى بقية بساتين الحوطة. وكانت المحاصيل الجديدة التي استجلبها متوفرة في أسواق الفواكة في كلٍ من: الحوطة، وعدن، والشيخ عثمان، والمعلا، والتواهي. وجميعها مناطق في محيط الشاعر، حيث لم تصل النهضة الزراعية التي ابتدأها إلى خارج تلك المناطق، على الأقل في فترة حياته. ومن الفواكة الجديدة التي استوردها كان هناك: «يوسف أفندي»، «قصب السكر»، «الموز السكري»، «العاط الهندي»، «العمبا الحافوص»، «الرمان»، «الفنص»، «الجامبو»، «البوبية»، «جوز الهند»، «العنب الرازقي». وكذلك فقد جلب عدد من الأزهار العطرة مثل: «الياسمين»، «الفل»، «عباد الشمس»، «الكاذي»، «النرجس»، «القرنفل». وفي الحرب العالمية الثانية توقف استيراد أوراق التمبل من الهند الذي كانت تستخدمه الجاليات الهندية في عدن، فقام القمندان بإضافة التمبل إلى قائمة مزروعاته لتلبية الطلب عليه في الأسواق.
ويعتقد البعض أن بفضل القمندان بلغت الزراعة أوج إزدهارها في الثلاثينيات وحتى منتصف الأربعينيات في منطقة لحج، التي أصبحت تعرف بلحج الخضيرة. وكذلك فقد كان الأمير أحمد فضل هو الذي جلب الفل على الأرجح من الهند إلى بستانه الحسيني في الحوطة، وجعلها أشهر مناطق زراعة الفل وتجارته في جنوب اليمن، ومنها انتقلت وانتشرت إلى بقية مناطق اليمن.
نجح القمندان في وضع تقويم زراعي يبين المواسم الصحيحة لزراعة كل محصول نباتي على حدة، ووضع فيه كذلك طرقاً مبتكرة في الري، حيث كان التقويم الذي وضعه بمثابة المرشد للمزارعين المحليين في منطقته في تلك الفترة. ونسخت المعلومات والإرشادات التي وضعها القمندان في أوراق دوّن عليها التقويم كتابة باليد ولم يطبع أبداً، وبسبب ذلك فقد ضاع ما كتبه إلى الأبد، والمخطوطة الرئيسية التي كانت توجد في منزله فُقدت أيضاً عندما نُقلت ممتلكاته من منزله إلى قصر عائلته بعد وفاته أو ربما في سنوات مرضه الأخيرة.
أنشأ القمندان بستانه الحسيني في عام 1914 قبل انطلاق الحرب العالمية الأولى، ويرجح البعض أن والده السلطان هو الذي أنشأه. وهو يبعد عن مدينة الحوطة مسافة ما بين أربعة إلى ستة كيلومترات ويحده من الجنوب قرية الكدام ومن الشمال قرية الخداد ويقع في منطقة خصبة بين واديين، وتبلغ مساحته 300 فدان بينما تذكر مصادر أخرى أن مساحته لا تتجاوز 75 فداناً، ويصل عدد عماله إلى 120. وبعد وفاة القمندان الذي كان يشرف على البستان ورثه ابن شقيقه "فضل بن عبد الكريم" واستمر ضمن ملكية هذه العائلة حتى بداية عام 1968 عندما قامت حكومة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بنظامها الشمولي بتأميم البستان وذلك حتى عام 1990 عندما تحققت الوحدة اليمنية فعاد إلى ملكية أبناء القمندان. زار بستان الحسيني عدد من الشخصيات العربية البارزة منهم الأديب اللبناني "أمين الريحاني"، و"محمد الغنيمي التفتازاني" من مصر، إضافة إلى الأديب التونسي "عبد العزيز الثعالبي"، وغيرهم "صالح جلبيت" و"علي رضا"، وزارته كذلك بعثة من مجلة العربي الكويتية في نوفمبر من العام 1965 في استطلاعها حول لحج في العدد رقم 48 من المجلة.
في آواخر حياته أُصيب القمندان بالإكتئاب، وخاصة في السنتين الأخيرتين قبل عام وفاته إذ توالت عليه في هذه الفترة الأمراض النفسية والجسمانية، وبعد أن فشل في محاربة الاكتئاب لجأ إلى المشعوذين الذين حاربهم طيلة حياته في مقالاته ومؤلفاته ليخلّصوه بما ألمّ به، وانتهت معاناته بالوفاة بعد إصابته بمرض عجز الأطباء عن شفائه منه. فتوفي في بداية شهر أغسطس من العام 1943م ما يوافق بداية شهر شعبان من عام 1362 في التقويم الهجري، وكانت وفاته في الساعة السادسة مساء في مستشفى في مدينة التواهي بعد أن ظل هناك لفترة طويلة تحت العلاج، ونقل في صباح اليوم التالي إلى الحوطة ليدفن في مسجد الدولة هناك، وشُيِّع جثمانه تشييعاً عسكرياً، وحضر جنازته جمع غفير من المواطنين والصحفيين إضافة إلى ساسة وقادة عسكريين من مدينة عدن إلى جانب أفراد أسرته وأبناء عمومه. وكان من ضمن من نعوه بعد وفاته رئيس وزراء مصر في تلك الفترة "مصطفى النحاس باشا".
أربعين يوماً على وفاته ومن ثم أقامت لجنة تأبينه حفلة حزينة في لحج حضرها العديد من الأدباء والشعراء الذين عرفوا القمندان شخصياً وحضرتها وفود من عدن ولحج كان من بينها سلطان لحج وأخ القمندان "عبد الكريم فضل" الذي ألقى كلمة تحدث فيها عن أخيه، واحتشد الجمع في ميدان الحوطة وأطلقت عدد من القصائد يرثي فيها شعراء لحج مؤسس الغناء اللحجي، وكان من ضمن رثوه: عبد الله هادي سبيت، ومحمد عبده غانم، وصالح عبد الله بامعافى، والأديب يوسف حسن السعيدي، والأمير علي بن أحمد مهدي بقصيدة رقيقة عبَّر فيها عن حزنه لفقدان جده الشاعر، وعبد المجيد الأصنج الذي خاض مساجلات شعرية مع القمندان، وأيضاً صالح فقيه، ومحمد علي لقمان. وقام بعد ذلك الأمير "علي عبد الكريم" بتجميع كل تلك القصائد التي أُلقيت في حفل تأبينه في كتيب صغير، معظم تلك القصائد كانت لشعراء محليون من مسقط رأس الشاعر ولم يبلغوا قدر القمندان من الشهرة. وبعد وفاته بفترة أصدر نادي "مخيم أبي الطيب" الأدبي المتأسس في 1939 كتاباً في ذكرى الأمير القمندان تحت عنوان "أقلام المخيم"، أعيد نشره في 2007 صادر عن دار جامعة عدن ضمن سلسلة مائة كتاب عن عدن في 97 صفحة قام بتقديمها علوي عبد الله طاهر.
معظم القصائد التي ألفها القمندان مضمنة في ديوانه الوحيد «المصدر المفيد في غناء لحج الجديد»، وهذا الديوان يضم ما مجموعه 90 قصيدة بأطوال مختلفة منها ما كُتب باللغة العربية الفصحى وعددها 19 قصيدة تشغل الصفحات من 14 وحتى 19، وما تبقى من الكتاب يضم قصائد مكتوبة بلهجة "لحجية" ريفية وهي خليط بين اللهجة التعزية-العدنية واللهجة اليافعية. وله خمس قصائد لم تنشر في ديوانه. وجدير بالذكر أنَّ في كثير من المواضع في قصائد الشاعر المكتوبة بالعربية الفصيحة نجد هناك مفردات ذات خلفية عامية.
وعلى الرغم من أنّ إسهامات القمندان في الشعر قد لا تبدو ضخمة، إلا أن إسهامه الفعليّ يكمن في حفاظه على التراث الغنائي اللحجي في مواجهة الأغاني الهندية والمصرية التي اجتاحت لحج وعدن، وأصبحت في فترة من الفترات الموسيقى الوحيدة المتداولة. ويحسب له كذلك تأسيسه للفنّ الغنائي اللحجي الحديث، وقيادته لحملة تجديد ونهضة فنّية غنائية أثّرت على كل الشعراء والفنانين اللحجيين بعده. ومن أجل الحفاظ على فنه والغناء اللحجي التراثي فقد شجّع الشاعر القمندان قيام المنتديات الأدبيّة في منطقته، وقام بافتتاح أول مدرسة موسيقية في لحج على نفقته الخاصة، وساعده في ذلك امتلاكه لثروة بحكم انتماؤه الطبقي، وتخرج من تلك المدرسة عدد من الشعراء والملحنين حملوا بصمته، ربما أشهرهم الشاعر عبد الله هادي سبيت والشاعر عبد الكريم عبد الله والمغني والملحن فضل محمد اللحجي.
يخالف البعض الرأي القائل بأن القمندان هو مؤسس الشعر الغنائي اللحجي ويرون بأنه لم يؤسس الأغنية اللحجية فهي قد سبقته بعدة عقود وإنما فقط قام بتطويرها وتجديدها من خلال إدخال التواشيح واللوازم ووضع توازن بينهما في اللحن، وتحمل عبء النهوض بها وإعادة بعثها من جديد، فاشتهرت الأغنية اللحجية بفضله في الثلاثينيات وذاع صيتها في أرجاء اليمن. وكون الشاعر القمندان مؤسس الغناء اللحجي أو فقط مجدد كبير، هو موضوع مفتوح للنقاش بين النقاد والباحثين لجذور الأغنية اللحجية. وكان عمر عبد الله الجاوي يعتقد بأن القمندان شابه الكثير من المغنين والملحنين اللحجيين الذين سبقوه، ولكنه تميّز عنهم بأنه ابتكر ما لم يكن موجوداً بينما اكتفى غيره بغناء وتلحين الأغاني والألحان التراثية نفسها بدون إضافة، لذا فهو يعده مؤسس لفن الغناء اللحجي الحديث. ويشاركه في هذا الرأي محمد عبده غانم، حيث يذكر في كتابه "شعر الغناء الصنعاني" أن الشاعر القمندان ابتكر عدداً كبيراً من الأغاني اللحجية. وتحكم الدراسة المقدمة بمناسبة المؤتمر العام الأول للتراث في 1974 بالمثل، حيث تقرّ بإستاذية القمندان على الفن اللحجي كمؤسس له ومبتكر للعديد من ألحانه ومجدد لبعضها وتذكر في صفحاتها أمثلة على الألحان التي ابتكرها، ومنها قصيدته "دام الهنا يا قمري البانه". ويعارض محمد مرشد ناجي هذا القول، حيث يعتبر أن إسهامات الشاعر اقتصرت على تطوير ما كان موجوداً ولا يضع للابتكار والابتداع مكاناً في الفن حسب قوله، وذلك بدون أن ينتقص من قدره أو إسهاماته.
ويلاحظ في قصائد الشاعر القمندان كثرة إشاراته إلى أماكن في أغلب الأحيان في محيط الشاعر من لحج إلى عدن وأحياناً يصاحب ذلك ذكر للسكان الذي يعيشون في تلك المناطق كذكر أعلامها أو شيوخها أو القبائل التي ترتبط بتلك المناطق. وتتنوع تلك الأماكن من مدن وقرى وبساتين وأودية، ويلاحظ إشاراته المتكررة لمناطق: مدينة لحج، وادي تبن، بستان الحسيني، مدينة عدن، القرى التي تحيط بحوطة لحج، الوطن. وإلى جانب هذا تذكر في قصائده مناطق ومدن غير يمنية معظمها في مصر والهند بسبب أسفاره إليهما. وكان للأماكن الزراعية مثل الحقول والبساتين حضور قويّ في أشعاره، وذُكر بستانه الحسيني في الكثير من قصائده، وتكاد لا تخلو قصيدة منه. وارتبط الشاعر بمدينة عدن، حيث مكث فيها مدَّة، وتظهر مراراً وتكراراً في قصائده وأغانيه.
أجاد القمندان تأليف كل من قصائد الموشحات والأناشيد الوطنية والزراعية، أما الجانب الأكثر شهرة في حياته فهو الشعر الغنائي وبالتحديد الأشعار الشعبية العامية وساعده في ذلك امتلاكه موهبة في التلحين، حيث أن معظم قصائده المغناة لُحّنت من قبله. وتأثر القمندان بالشعر الحميني وأجاده وذلك منذ زيارته لصنعاء ولقائه هناك بعدد من شعرائها. معظم الألحان التي صاغها القمندان وضعها على نفس نمط ألحان التراث الشعبي في لحج ولكن أضاف إليها عناصر خارجية من الغناء الصنعاني والحضرمي واليافعي وأغاني مناطق الريف مكوناً لوناً غنائياً جديداً في اليمن عُرف ب"الغناء اللحجي" واعتبر القمندان من قبل الكثيرين مؤسسه حيث سار على نهجه عدد كبير من شعراء لحج. ومن بين ألوان شعر الغناء اليمني كان الغناء الصنعاني هو الأكثر تأثيراً على ألحان الشاعر، وكانت الموشحة الصنعانية هي الأساس التي وضع عليها القمندان الموشحة اللحجية، وتعد أغنية "صادت عيون المها" - التي صاغ ألحانها القمندان - تعد الأولى التي تجمع ما بين ألحان لحج التراثية والغناء الصنعاني، حيث كانت القصيدة تُغنَّى على بيت من شطرين فقام الشاعر بإضافة شطرين إليها لتصبح رباعية، وكذلك أضاف توشيحاً ولازمة أخذها عن الأغنية الصنعانية "وامغرد بوادي الدور"، والتشابه بين الأغنيتين من حيث الوزن والألحان وطريقة الغناء سهل الملاحظة.
هناك بعض من قصائد القمندان تصُنّف موسيقاها على أنّها "دان الدحيف"، وهو نوع من الأغاني الشعبية المنتشرة على الساحل الجنوبي الغربي لليمن، وتعتبر قصيدة "صادت عيون المها" وخاصة البيوت الأولى منها مثالاً نموذجياً للنوع الموسيقي إلا أن التوشيح والتقفيل للأغنية لا يتناغم مع الأسلوب، وكذلك قصيدة "يا حيد ردفان" و"عسى ساعة هني بين عدن وبمبي" تأتي منسجمة مع دان الدحيف من الصوت القصير. ولم يكن دان الدحيف النوع الوحيد من موسيقى الدان اللحجي الذي أجاد القمندان تأليفه، حيث ينظر إليه كأحد أبرز الشعراء في "دان يا طير كفّ النياح" المشهور لدى العامّة وخاصة الفلاحين، وتعتبر قصيدة "سرى الهوى في الحسيني" من الأمثلة على ذلك النوع. وألّف القمندان الكثير من القصائد في "دان يا مرحبا بالهاشمي" الذي يكثر فيه استخدام الآلات الموسيقية ويتميز بتعدد المقاطع الشعرية والألحان وتعدد أغراضه من الغزل إلى الانتقاد والهجاء وغيره، ومن أشهر تلك القصائد قصيدة "دار الذي تهواه وأيضاً "من لحظك الفتان" و"غزلان في الوادي" وله غير ذلك أربع قصائد مُعَنْوَنة "يا مرحبا بالهاشمي" موضوعة على التوالي من الصفحة 47 وحتى 51 وفق الطبعة الثالثة.
من المعروف عن الشاعر القمندان اهتمامه الكبير بالزراعة الذي يصل إلى حد العشق، وكان يقضي معظم أوقاته في الحقول في فترات الحصاد، حيث كان يعتزل مدينته في تلك المواسم ويغير مكان إقامته فيقيم في بستانه الحسيني، وبعد أن عمّر القمندان "دار العرايس" أصبح يمكث هناك معظم الأوقات في فترات الحصاد وخاصة بين ديسمبر ويناير، ويلقي هناك قصائده حيث يتحول الحصاد إلى مهرجان للفنون الشعبية. وبلغ تأثير الطبيعة في أشعار القمندان مبلغاً كبيراً، حيث أن معظم ألفاظه والصفات التي يلحقها بالمعشوق جاءت من خلفية زراعية، ولا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من تلك الألفاظ. وكان للتغني بجمال الطبيعة النصيب الأكبر من أشعاره، وجزء كبير منها يتمحور حول بستانه الحسيني الذي كان يهتم به أشد الاهتمام وكان مصدر إلهام بالنسبة له، وأيضاً تكثر في قصائده الغزلية العاطفية التشبيهات بالفواكه والمحاصيل الزراعية. وربما من أشهر الأمثلة قصيدة له بعنوان "مليح يازين" قام بغنائها فضل محمد اللحجي ومن بعده الفنان اليمني فيصل علوي يقول فيها:
ومن قصائده الأخرى التي تحمل نفس الطابع هناك قصيدة تحمل عنوان "وسيم الخدود" يتغزل فيها بفتاة يانعة الصبا ويشبه جمالها وقوامها بالثمار الناضجة التي حان وقت حصادها والتلذذ بها. وفي قصيدة "محبة الحقل" التي كتبها بالعربية الفصيحة يتحدث فيها عن الاحتفالات التي تصاحب مواسم الحصاد ويعطي فيها وصفاً جميلاً للحقل. وأيضاً قصيدة "آن الحصاد" التي يمجد فيها الأرض والحصاد. ونجد أيضاً عدد آخر من القصائد الغنائية التي تحمل الطابع نفسه مثل: "آن الحصاد" "حالي واعنب رازقي" "بكير يا تين" "صادت عيون المها" "با تحمم على شاطئ البحيرة" "دام الهنا" "قفيت واناسع القامة ودمعي يسيل".
للشاعر القمندان تاريخ طويل مع العسكرة يبدأ بتسلمه قيادة جيش عمه السلطان عندما كان يافعاً، ثم بعد دمار ذلك الجيش على أيدي العثمانيين خاض تجربته الثانية بتكوينه لجيش السلطنة بعد أن استعادت كيانها ليتسلم بذلك قيادته للمرة الثانية، وانتهت مسيرته العسكرية على يده عندما تخلى عن قيادة الجيش الوليد ليتفرغ للتأليف وقيادة الفرقة الموسيقية التي قام بتكوينها. وعلى الرغم من تخليه عن العسكرة، يبدو بأن تلك التجربة الحافلة تركت أثراً في نفسه وشعره، حيث تتكرر في قصائد القمندان إشارات عسكرية وعبارات ومصطلحات يمكن وصفها بأنها حربية، مثل الألقاب الرسمية أو العسكرية والأدوات الحربية وهي نابعة عن خبرته في الميادين الحربية فهو لم يدرس العلوم العسكرية. ولكن غالباً ما يتم توظيف تلك الألفاظ لغرض جمالي، عدا بعض القصائد التي يصف فيها حروبه مع العثمانيين والمعارك التي خاضها معهم وتضمنت هذه القصائد أنواعاً من التهديد والتحذير ويصور فيها معارك ستحصل إن تقدم العثمانيون نحوه. واستخدام القمندان للألفاظ العسكرية يتعدى القصائد الحربية العسكرية ليصل إلى القصائد التي تتصل بحياته الشخصية العاطفية. حيث يتكرر تشبيهَهُ للحب بأنه ساحة معركة يصور فيها المعشوق بأنه العدو، ولكنه في هذه المرة خاضع تائه منكسر أمام سلطة محبوبه التي ينقاد لها بتواضع تام، على عكس قصائده الحربية الحماسية التي نراه فيها واثقاً من النصر متفائلاً. ويستخدم الشاعر الألقاب والرتب العسكرية والرسمية ليصف بها محبوبه وعادة ما يكون هو في رتبة سفلى أدنى عن رتبة عشيقه فيعبر له عن الطاعة حيث لا يعصي له أمراً، ومن تلك الألقاب التي استخدمها: حاكم، بطل، شاه، سلطان، باشا، لورد، كسرى، دوق، فريق.
من الأمثلة على قصائد القمندان المرتبطة بالعسكرية قصيدة "طلبنا الله ذي يغفر ويرحم" التي قام بتألفها عندما تقدمت القوات العثمانية في عام 1333 هـ - الذي يوافق العام 1915 في التقويم الميلادي، وهي تعد أقدم قصيدة منسوبة إليه - تقدمت نحو حوطة لحج عاصمة السلطنة العبدلية، حيث لم يتوانى القمندان عن التشميت بالعثمانيون وإطلاق التحذيرات والتهديدات نحوهم ويطالب بالوقوف معه ضد الحملة العثمانية، ويبدأ بعد ذلك بتخيل وقائع المعارك حيث يصورهم وهم محاصرون من كافة الجهات. وجدير بالذكر استعمال القمندان في هذه القصيدة للفظة "شوافع" (شافعيون) في سياق طائفي غير معهود عنه، ووضعت عدة تفسيرات تحاول تبرير استخدامه لتلك الكلمة بعيداً عن الطائفية. وله قصيدة أخرى ألّفها في يونيو 1928 تحت عنوان "يا رسولي"، يذم فيها القصف الجوي للقوات البريطانية - المتحالف معها - للضالع بحجة إخراج الزيديون منها. وفي قصيدة "حيد ردفان" يهنئ الشاعر "الأمير نصر بن شايف" بالهزيمة التي ألحقها في صفوف القوات العثمانية ويشيد به لسيطرته على الضالع وإسترجاعها إلى سلطته. وللقمندان كذلك قصيدة بعنوان "الدعوة إلى التجنيد" كتبها بالعربية الفصيحة يدعو فيها مواطني لحج ووادي تبن لأداء الخدمة العسكرية في جيش السلطنة العبدلية الذي كان في بداية نشأته ويكتب في هذه القصيدة:
بينما كان الشاعر نازحاً في عدن بعد دخول العثمانيون لحج حدثت معركة كوت العمارة الثانية في فبراير 1917 في العراق في لواء العمارة خلال الحرب العالمية الأولى بين القوات البريطانية والعثمانية التي انتهت بهزيمة العثمانيين الذين كانوا يسيطرون قبل هذه المعركة على تلك المنطقة، وفي نفس شهر وقوع المعركة أطلق القمندان قصيدة "طلبنا الله ذي ينزل ويرفع" جواباً على قصيدة للشاعر عبد الله بن علي اليافعي يهنئ فيها أخي الشاعر على تولّيه الحكم، ويعتبر في تلك القصيدة المعركة حرباً بين الشعب العراقي والمحتل العثماني ويهنئ أعراب العراق بنصرهم ويصف البهجة والسرور على حسب قوله الذي شاع في كامل جنوب الجزيرة العربية، ومن ثم تنتقل القصيدة إلى وصف الهزائم التي أُلحقت في صفوف العثمانيون، وتضمنت كذلك تحذير مباشر لقائد القوات العثمانية في لحج "علي سعيد باشا" ويتوعده بالهزيمة ويحذره - بحسب قوله - من المصير المحتوم لكل محتل.
إلى جانب النزعة العسكرية في أشعار القمندان التي يمكن ملاحظتها بسهولة من خلال تصفح قصائده، فهناك أيضاً نوع من الشعر السياسي الاجتماعي الذي يستسقيه الشاعر من قضايا الشعب والرأي العام، ويوجد بصورة أقل وبحاجة إلى التدقيق لملاحظته. ويتمثل ذلك بنقد تصرفات المسؤولين والحكام في السلطة العبدلية وإهمالهم في الاهتمام بقضايا شعبية يجدها الشاعر مهمة، ومحاولة لفت اهتمامهم إلى تلك القضايا ودعوتهم للتخفيف من معانات المواطنين. إضافة إلى اشتمال عدد لا بأس به من قصائده على أبيات عن المصاعب التي يواجهها عامّة الشعب، وتصوير للعادات والتقاليد في المجتمع اللحجي، وحالة الفلاحين العاملين في الحقول وغيرها من المظاهر الشعبية في منطقة لحج. ومن الأمثلة عن ذلك القصيدة التي أطلقها في رجب من العام 1344 ما يوافق عام 1926 بسبب ارتفاع أسعار الأسماك وانعدامه في الأسواق، وأعطى للقصيدة العنوان "عندما عُدِمَ الصيد"، وكانت الأسماك وخاصة أسماك (العَيد) أحد الأطباق الرئيسية في المائدة اللحجية، حيث يستفسر في القصيدة عن تلك الأزمة، ويتسائل ساخراً ما إذا جفّ البحر أو أن الجراد هجم على الأسماك هناك. وله أيضاً قصيدة أخرى وضع لها العنوان "في قضية المواتر"، ألّفها في عام 1928 وأرسلها إلى عبد الكريم حسن العجمي الذي كان مقرّباً من أخيه السلطان عبد الكريم فضل، ينتقد في القصيدة إهمال الحكومة في الاهتمام بوسائل المواصلات ويلومهم على الطرق المدمرة والغير مسفلته ويشجب أيضاً الضجيج الناتج عن هذه المركبات وينتقد بشكل لاذع عدم توحيد أجرة المواصلات بين العاملين في هذا المجال وتعرض السيارات للأعطاب بصورة متواصلة، وكان لهذه القصيدة قطعة شعرية مكمّلة لها ألّفها بعد مُضي عام واحد بالضبط من إنشاء القصيدة الأولى يتحدث فيها عن نفس القضايا وأعطى لها العنوان "تابع قضية المواتر"، وجاءت هاتان القصيدتان بعد أن ألغت الحكومة الترام الذي كان يصل بين مدينتي الحوطة والمعلا ويحمل الركّاب والبضائع بين المدينتين، واستبدلته بالسيارات وعلى الرغم من أنها تعتبر وسيلة أفضل وأكثر تطوراً من الترام القديم المهترئ، إلا أن سوء ح