اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو العباس أحمد بن يوسف الراشدي الملياني، من أشهر مشايخ الصوفية بالجزائر و ببلاد المغرب في بداية القرن العاشر الهجري / السادس عشر ميلادي. ، ساهم في بداياته بنشر الطريقة الشاذلية و الزروقية، ثم بدأ بنشر طريقتة الخاصة به المعروفة بالراشدية. انتسبت إليه عدة طرق صوفية من بعده أبرزها الطريقة اليوسفية المعروفة أيضا بالشّرّاقة والعكاكزة المثيرة للجدل بالمغرب الأقصى. و كانت له أدوار سياسية هامة إذ اشتهر بمعارضته لحكام الدولة الزيانية بالمغرب الأوسط وتحالفه مع الإخوة بربروس و البحارة الأتراك بعد ظهورهم بمدينة الجزائر، كما كانت له مراسلات مع حكام الدولة الوطاسية للدفاع عن أتباعه بالمغرب الأقصى وكانت لبعض أتباع طريقته هناك مواجهات مع حكام البلاد المختلفين لزمن طويل بعد وفاته.
أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن يوسف الراشدي، ولد حوالي سنة 840 هـ/ 1437 م بقرية رأس الماء قرب قلعة بني راشد المعروفة أيضا بقلعة هوارة، التابعة آنذاك للدولة الزيانية بأراضي المغرب الأوسط (بلدية القلعة تابعة حاليا لدائرة يلل بولاية غليزان غرب الجزائر).
أبوه أبو عبد الله محمد و أمّه آمنة بنت يحيى بن أحمد بن علي الغريسي، و ذكر البعض أن يوسف أبو يعقوب هو أبوه وليس جدّه الأعلى. اختلفت الروايات في تحديد نسبه وأصله، ذكر ابن الصباغ القلعي وهو أول وأهم من ترجم لأحمد بن يوسف بأنه راشدي النسب والدار أي أنه من قبيلة بني راشد فرع من زناتة الأمازيغية يستوطنون معسكر و غليزان، و كان يتحدث غالبا بالزناتية إحدى لهجات الأمازيغية و هي لغته الأم. و ذكر غيره بأنه من دامود أحد قصور واحات توات يسكنه فرع من قبيلة مغراوة الزناتية. و ذكر آخرون بأن جدّه الأعلى هو يوسف بن عبد الجليل بن يمداس بن منصور... ينتهي نسبه إلى الأدارسة، انتقل أجداده من مراكش إلى نواحي فيجيج و سجلماسة في مجال قبيلة بني مرين الزناتية وانتقل سلفه منها إلى قلعة بني راشد ولذلك عرف بالمريني. وذكر بعض المؤرخين أن بعض المتأخرين هم الذين ابتدعوا نسبه إلى الأشراف الأدارسة.
تزوج أحمد بن يوسف على الأقل 4 نساء كان له منهم ذرية ويعرف من أزواجه وأبناءه:
و كانت له ابنة أخرى اسمها عائشة من زوجة أخرى.
و ذكر الوزان أن له أربع زوجات و عدة إماء، أنجبن له عدة أولاد ذكورا وإناثا، وكان له الكثير من الخدم، وقد تزوج أولاده أيضا وأنجبوا له أحفادا و بلغ مجموع أهله أكثر من مئة وخمسين نسمة يعولهم جميعا.
توفي في صفر سنة 931 هـ / ديسمبر 1524 م بقرية الخربة (العامرة حاليا) بنواحي مدينة عين الدفلى. و تروى وقائع وفاته ودفنه على منوال الكرامات إذ أمر قبل وفاته أتباعه أن يضعوه على بغلته ويدفنوه حيث توقفت، فسارت به إلى مدينة مليانة و بركت به أمام قمامة اليهود وماتت، وهي الخاتمة التي تنبأ له بها شيخه زروق ودعا عليه بها أيضا أحد أعداءه من أولياء القبائل المجاورة، فدفن هناك بالمكان الذي صار يعرف بزاوية سيدي أحمد بن يوسف.
لا يعرف الكثير عن الحياة المبكرة لأحمد بن يوسف بقرية برأس الماء، وربما يكون قد تعلم مبادئ القراءة و الكتابة و حفظ بعضا من القرآن في كتاتيب قريته أو بقلعة بني راشد، و يذكر البعض أنه أخذ عن علماء تلمسان و وهران. رحل إلى مدينة بجاية حيث التقى بالشيخ أحمد زروق البرنسي ، أحد مشاهير الصوفية، ولد بفاس و توفي بمصراتة ، أقام مدة ببجاية أين أسس زاوية سيدي زروق سنة 884 هـ/1479 م. تتلمذ أحمد بن يوسف على يد الشيخ زروق، وهو الذي أدخله الخلوة و ألبسه الخرقة الصوفية. و أخد عنه علوم القرآن و السيرة النبوية و التصوف.
وصف أحمد بن يوسف مغادرته لبجاية على طريقة كرامات شيوخ الصوفية فقال : «ثم رجعت لبجاية فرأيت حلقة عظيمة و الناس مجتمعون، فقصدتهم، فإذا بشيخ لابس عباءة عاري الرأس و هو في وسط الحلقة يذكر الله يقال له سيدي قاسم البسكري نفعني الله ببركاته آمين، فقال لي : ادخل الخلوة و لا تردّ ما يعطاك و اذهب لأهلك في رأس الماء، و لم يعلم أحد من تلك الحلقة لمن يقول ذلك، لأني كنت لا يعرفني أحد ثم ذهبت كما أمرني سيدي أبو القاسم فدخلت الخلوة إلى الليل، أتاني رجل بحفنة دراهم و ناولنيها من بين الحائط و الباب و ذهب.»
عاد أحمد بن يوسف إلى قريته رأس الماء الواقعة قرب وادي فرقوق بين قلعة بني راشد و معسكر، و بنى نوالة أي كوخا من الأخشاب وظل كذلك لا يعرفه أحد. ثم بدأ يتردد على سوق مدينة معسكر يصلي بالناس ويلقي المواعظ وينشر الطريقة الزروقية وظهر أمره وأعجب الناس به وكثر أتباعه. عارضه في بداية أمره بعض الفقهاء ووصفوا دعوته بالبدعية، مثل عمرو بن أحمد المشرفي التراري، الذي غير رأيه به بعد ذلك وزوجه ابنته. كما قام آخرون، مثل الشيخ عبد الرحمن القلامي وعثمان بن عمر، بمناظرته وامتحانه، فأعجزهم واعترفوا له بالعلم. و بعد ان اشتهر وكثر أتباعه بدأ بالدعوة إلى طريقته الخاصة التي تستمد تعاليمها من الزروقية. قام أحمد بن يوسف بعد وفاة أبيه بالرحيل من قرية راس الماء إلى مدينة القلعة و كانت إحدى الحواضر المهمة بالمنطقة، حيث أسس زاويته التي قال عنها «زاويتنا كسفينة نوح من دخلها أمن من الخوف». و رغم تزايد أعداد مريديه وأتباعه إلا أنه لقي معارضة كبيرة من نخبة الفقهاء والعلماء لمدينة القلعة.
يعتبر أبو عبد الله الصباغ القلعي أول من ترجم لأحمد بن يوسف في كتابه " بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار ومعدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الرّاشدي النسب والدّار"، و رغم أن المؤلف لا يكاد يفصل في كتابه بين التاريخ والوقائع و الحكايات والأساطير، إلا أنه يمثل المصدر الرئيسي للتراجم والدراسات التي تناولت حياة أحمد بن يوسف وسيرته الدينية وطريقته الصوفية، و التي كانت كثيرة من بعده، يقول أبو القاسم سعد الله : «و لعل أحمد بن يوسف الملياني هو أكبر شخصية صوفية خصها المؤلفون بالتقاييد و التآليف و الأشعار. فأنت لا تكاد تجد عملا في التصوف لا يشير إلى ترجمة الملياني و حياته الروحية.». و يعد كتاب بستان الأزهار مصدر معظم أخبار أحمد بن يوسف وأقواله، مثل قوله بأن الله أعطاه علم الظاهر و الباطن و أنه نائب عن رسول الله ، قد أحيى به الله طريق التحقيق. و أعطاه كرامات عديدة، مثل الشفاعة في من التقى به وأكل و شرب معه يوم القيامة، و أن من رآه لا تأكله النار إلى عشرة، و أنه خرج سالما من النار التي أمر السلطان بإلقاءه فيها بتلمسان، و إغاثته لمن يستغيث به من مريديه، مثل رجل أراد قطع وادي مينا وهو في حالة فيضان فاستنجد بالشيخ فأتت به الملائكة وووضعته قنطرة يمر عليها الرجل إلى الضفة الأخرى، واستيقظ مبلل الثياب وأخبر زوجته سْتّي بأنه أحس بحوافر الدابة في ظهره. و يبدو أن سياق كرامات أحمد بن يوسف في أغلبها يتناسق مع كرامات مشاهير و أقطاب الصوفية من قبله مثل إبراهيم الخواص و أبو مدين شعيب و أبي العباس السبتي و أبي الحسن الشاذلي و عبد الرحمن الثعالبي و أحمد زروق. و قد سمى أتباعه من مريديه و تلاميذه "بالفقراء"، و كانوا يظهرون له مظاهر الاحترام والتبجيل و الوفاء وكانت له سلطة عظيمة عليهم، إلى درجة القبول بالتضحية بأنفسهم في ما يعرف بقصة المذابيح لإرضاءه، و كانوا يرافقونه بعد تأزم علاقاته مع السلطة الزيانية، وتنقله بزاويته في نواحي بني راشد وسهول الشلف
كان لأحمد بن يوسف أنصار من فقهاء إقليم بني راشد، و قد ذكر ابن الصباغ القلعي أن الإمام السنوسي (1426-1490) قال لمن كان يغتاب أحمد بن يوسف :«تتقول في سلسلة الذهب سيدي أحمد بن يوسف .» مع أن هذا القول مستبعد لأن السنوسي توفي سنة 1490 قبل اشتهار أمر أحمد بن يوسف و كان له أنصار من الوجهاء والاعيان كذلك. و كان له أعداء أيضا مثل بعض متصوفي وفقهاء المنطقة كالشيخ علي الندرومي والشيخ قدار و بعض أصحاب السلطة والتجار، و أعيان بعض القبائل وشيوخها مثل سميان المناصري، الذي كان من زعماء بني مناصر، و كان أيضا فقيها وحذره من الاتصال بقبيلة بني فرح وهو الذي دعا عليه بالإقبار في "زُوبية" (قمامة) اليهود.
كان لأحمد بن يوسف العديد من الأتباع والمريدين و التلاميذ من أهمهم :
في المغرب الأوسط:
في المغرب الأقصى:
من أوائل من نشر الطريقة الراشدية في المغرب الأقصى تلميذا أحمد بن يوسف عمر بن سليمان (أحمد بن عبد الله المنزول) شيخ اليوسفية و عبد الله الخياط بزاويته بزرهون. و من تلاميذه أيضا:
نسبت إلى احمد بن يوسف بعض المؤلفات و الرسائل منها:
من أهم الدراسات في تاريخ أحمد بن يوسف الراشدي و سيرته الدينية و الصوفية كتاب عبد الله نجمي المسمى "التصوف والبدعة بالمغرب طائفة العكاكزة، ق 16-17م" ، و الذي خصص القسم الأول منه لإعادة دراسة سيرته من ثلاث نواحٍ في ثلاثة أبواب، الأول في ظهروه كولي صالح، و الثّاني في عرفانيته و عقائده الصوفية و الثّالث في بدعيته و مخالفته لمحيطه العلمي و الصوفي المغاربي. و يفصّل المؤلف في كتابه حياة الشيخ و آراءه و دعائم طريقته.
تمثلت بداية أحمد بن يوسف و طريقته في رحلته إلى بجاية و التحاقه بدروس الشيخ أحمد زروق بمعهد الشيخ العيدلي بقرية تمقرة، إلى جانب عدد من أعلام القرن العاشر الهجري مثل محمد بن علي الخروبي. وافق الشيخ زروق على انتساب أحمد بن يوسف إليه و بدأ بمراحل التلقين الصوفي لتلميذه، فأخذ منه العهد، و هو الاتفاق و التعاقد بين المريد و شيخه، ثم لقنه الذكر على مراحله التدريجية ثم أمره بالخلوة. و بهذا تم انتساب أحمد بن يوسف إلى الشيخ زروق و طريقته و لعل ذلك لم يستغرق مدة طويلة لافتراض تفوقه في العلم و التصوف قبل لقائه بشيخه و اهتداءه إليه. و داوم أحمد بن يوسف على حضور دروس المجلس العلمي لشيخه و كان من زمرة تلامذته النجباء الذين يبقون مع شيخهم بعد الفراغ من المجلس، فكان يقرأ عليه و يناقشه في كثير من القضايا الصوفية، و هذه المذاكرة و المناقشات سمحت لزروق بالاطلاع على المواهب الفكرية و الآراء العلمية و الصوفية لتلميذه و التي اكتسبها قبل أخذه عنه،«فأصبح أحمد بن يوسف من المقربين للشيخ أحمد زروق، و الذي تعهده بالرعاية و خصه بالعناية،و فضله على بقية تلامذته و مريديه». و بذلك اتصل سنده الصوفي بأسانيد الشيخ أحمد زروق المتصلة بعدة طرق صوفية في المغرب و المشرق، على رأسها أبو الحسن الشاذلي و طريقته الشاذلية، و محمد بن سليمان الجزولي و طريقته الجزولية المتفرعة عن الشاذلية، و عبد القادر الجيلاني و طريقته القادرية، بالإضافة إلى ثلاث طرق أخرى مستقلة هي العروسية و الجشتية و السهروردية. عاد بعدها احمد بن يوسف إلى وطنه بني راشد، و استطاع أن يظهر و يؤسس زاوية متكاملة قامت بعدة أدوار، مثل واجباتها الدينية التي أهمها التعليم و استقبال الطلبة و الأساتذة و عقد المجالس العلمية برئاسة شيخها، كما قامت بواجباتها الاجتماعية أيضا، مثل توفير الغذاء و المسكن للطلبة و المدرسين و الزائرين، و إطعام الفئات المحرومة من الفقراء و الإغاثة في أوقات المجاعات، و توفير المأوى و الإشفاء على يد الشيخ للمرضى سواء في الاوقات العادية أو في حالة انتشار الأوبئة و الجوائح. كما اضطلعت بأدوار سياسية هامة أبرزها مواجهة حكام الدولة الزيانية و مواجهة أعراب سُويد جنوب الوطن الراشدي، كما قامت بدور الشرطة في مواجهات السرقة و قطاع الطرق.
و الطريقة الراشدية رغم قيامها على أسس الشاذلية الزروقية و كونها من فروعها، إلا أن سبب اشتهارها و توسعها من وطن بني راشد بالمغرب الأوسط إلى باقي المناطق المغاربية و ظهورها و امتيازها عن باقي عديد الطرق الصوفية المعروفة آنذاك هو آراء أحمد بن يوسف المتميّزة و أفكاره العميقة و الجديدة على المجتمع الديني المغاربي من الفقهاء و المتصوفة في مناقشة قضايا المعرفة و العرفانية الصوفية المتعلقة بالله و الوجود و الإنسان «في جراءة منقطعة النظير في بقية التيارات الصوفية المعاصرة له». و هو مع ذلك لم يدّع ابتداع هذه الأفكار و الآراء و الإسهام بجديد فيها و إنما أكد اتباعه لسنن التصوف الإسلامي من قبله و أن جوهر مذهبه إحياء و تجديد مذهب أبي يزيد البسطامي و رواد الحب الإلهي. و كان أحمد بن يوسف يدرس مذهبه الفكري و آراءه الخاصّة لنخبة تلاميذه و صفوتهم ممن لديهم القدرة لإدراك هذه المفاهيم النظرية المجردة التي مجالها الشعور و الوجدان و غايتها القصوى أن تظل سرا بين الخلق و الخالق. و كان حرصه شديدا على قصر مذهبه على الخاصّة من أتباعه دون العامّة ممن ليس لديهم القدرة على استيعاب مفاهيمه الدقيقة و مقاصده. رغم ذلك فقد تسرّب هذا المذهب من المجالس العلمية الخاصّة للشيخ إلى العامّة الأقل ثقافة و علما و منها إلى الجماعات العلمية و الفقهية التقليدية، «فتعرض هذا المذهب لمحنة سوء الفهم و فساد التاويل و عانى من الانحراف و تجني المنكرين و المعترضين». و قد كان المذهب الصوفي الذي دعا إليه أحمد بن يوسف غير مرغوب فيه من قبل غالبية مشايخ الصوفية في ذلك العهد، لأنهم كانوا يرون فيه سببا للفتن و الانحرافات و كانوا يحذرون الناس من ذلك المذهب و مشايخه و المؤلفات المنسوبة إليه. و آراء أحمد بن يوسف العميقة و الجريئة في مناقشة القضية الرئيسية في التصوف و هي العلاقة بين الله و الإنسان و الوجود، أدت بأنصاره و أعداءه و من اتخذ موقفا بينها، جميعهم، بالسكوت تماما عن تراثه الصوفي كعارف و غنوصي و لولا جمع الصباغ القلعي لفكر شيخه و مذهبه في كتابه لضاع و اندثر.
أدت هذه الأفكار الجديدة على المجتمع الديني المغاربي بأحمد بن يوسف و طريقته الراشدية إلى مواجهات كثيرة مع فقهاء و متصوفي عصره، تمثلت في محيطه بالمغرب الأوسط في مناظرات شفهية و كتابية، و تمادت أحيانا ألى مواجهات جسدية مسلحة، و في المغرب الأقصى في مراسلات و مساءلات، فقهية و عقائدية في علم التوحيد و أصول الدين و التصوف. و أنكر بعض معاصريه تشكيل حلقات الذكر بالغناء (سماع) و الآلات الموسيقية و منهم من عارض طريقته و عقيدته و اتهمه بالإلحاد. ممن عارضه أيضا في المغرب الأوسط أحمد بن الحاج الورنيدي من أعلام تلمسان، و زميله القديم محمد بن علي الخروبي تلميذ الشيخ زروق بزاوية العيدلي، و تزعم تيار معارضته بالمغرب الأقصى شيخان معروفان من معاصريه من تلامذة ابن غازي المكناسي هما عبد الوارث الياصلوتي، مؤلف رسالة المسلك القريب الموصل إلى حضرة الحبيب في انتقاده و طريقته و عبد الله بن عمر المضغري، الذي سبق أن زاره بزاويته ببني راشد، ثم رحل قبل أن يلتقي به و تحول عنه إلى الشيخ أبي فارس عبد العزيز القسنطيني. و شن الفقهاء و المتصوفون حملة مواجهة شديدة لأحمد بن يوسف و أفكاره و أتباعه بالمغرب الأقصى، مما أدى بحكامه الوطاسيين إلى التدخل ضدهم.
أدت هذه الحملة الهجومية على أحمد بن يوسف إلى رد فعل دفاعي من طرفه شخصيا تمثل في المناظرات و المراسلات، مثل رسالته إلى أهل توات التي ينهاهم فيها عن اضطهاد أتباعه، و رسالته إلى السلطان الوطاسي بفاس، و من طرف تلاميذه و الجيل الأول من أتباعه. ففي المغرب الأوسط، كان تلميذه محمد بن أحمد الصباغ القلعي المدعو بن معزة يدافع عن شيخه بالأشعار. و ألف تلميذه علي بن العباس التمزغراني كتاب مناقب تاج الأوتاد و مصباح البلاد سيدي أحمد بن يوسف الراشدي في سيرته و مناقبه. و في المغرب الأقصى انتصر له عبد الله الهبطي انتصارا تاما و دافع عن مذهبه و آراءه لتقاربها مع آراءه و مذهبه الصوفي. كما دافع عنه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الخياط الرفاعي و كان ممن تتلمذوا عليه. و من أهم من ساهم بنشر مذهب أحمد بن يوسف و طريقة الراشدية بالمغرب الاقصى تلميذه محمد بن علي الأندلسي المدعو الحاج الشطيبي المقيم بقرية تازغدرة بشمال المغرب و الذي تعرض لمواجهات كثيرة من معاصريه من الفقهاء و المتصوفة و أمضى حياته منعزلا بقريته. و استمرت الحملة الهجومية و التضييق على أحمد بن يوسف و مذهبه طوال حياته و تواصلت بعد مماته، فتَجنّد الجيل الثاني من أتباعه للدفاع عنه و تبرئة ساحته بالتآليف و دعوة المخالفين إلى الحوار و التباحث في مذهب شيخهم و الاجتهاد في تأويل هذا المذهب وفق المنظور السني. من أبرزهم في المغرب الأوسط قاضي قلعة بني راشد أبو عبد الله محمد بن محمد الصباغ القلعي ابن تلميذه بن معزة الذي ألف كتابا كبيرا يشتمل على سيرته و أقواله و أفكاره و مذهبه الصوفي و يذكر أتباعه المخلصين و من انحرف منهم عن مذهبه، سمّاه بستان الأزهار في مناقب زمزم الأبرار و معدن الأنوار سيدي أحمد بن يوسف الرّاشدي النسب و الدّار. و عميدهم في المغرب الأقصى مفتي فاس و كبير علماءها أبو عبد الله محمد بن جلال التلمساني و كان قد رآه و أخذ عنه في أول شبابه و كان أبوه أبو زيد عبد الرحمن بن جلال التلمساني من كبار أتباعه. و قد اعتمد كل من الصباغ و ابن جلال طريقة واحدة للدفاع عن أحمد بن يوسف، تمثّلت في العمل على اتجاهين، فمن جهة عملا على الدفاع عن مذهب شيخهما و الاعتذار عن ما صدر منه من أقوال و شطحات و الاجتهاد في تأويل أقواله و أفكاره بما يتناسب مع السنة و دعوة المخالفين إلى الحوار و محاولة تقريب الراشدية قدر المستطاع من محيطها الديني و الصوفي المغاربي. و من جهة أخرى، عَمِلا على مواجهة تيّار الخصوم الداخليين في الطريقة ممن انحرفوا عن مبادءها و اتجهوا إلى الغلو في الشيخ و إظهار البدع و المخالفات، و دَعَوَا إلى ضرورة مواجهتهم و التشديد عليهم و إن أفضى ذلك إلى استعمال القوة لعقابهم. و ما كاد ينتهي القرن 10 هجري / 16 ميلادي حتى انصهرت الراشدية بباقي محيطها الصوفي المغاربي و تغيرت صورة أحمد بن يوسف لدى الفقهاء و النخب العلمية من ثائر فكري و مبتدع مذهب متأثر بالتصوف الفلسفي إلى ولي صالح من وجوه و أقطاب التصوف السني المغاربي، و صُنفت "اليوسفية" أو "الشرّاقة" كطريقة ضالة مستقلة و بعيدة كل البعد عن الطريقة الراشديّة الأم.
و قد دافعت عن أحمد بن يوسف، بعد وفاته، الأجيال اللاحقة من المؤرخين و الفقهاء و نسبوا الانحرافات التي وقعت في طريقته إلى أتباع اليوسفية. قال ابن عسكر الشفشاوني (1529-1578) :«جليل القدر كبير الشأن، من أكابر مشايخ الصوفية، فتح عليه في علوم أسماء الله تعالى و تصريفها،و كان عارفا بالله تعالى.»، و قال أيضا في تبرء الشيخ من غُلُوّ بعض أتباعه فيه :«من قال عنا ما لم نقل يبتليه الله بالقلّة و العلّة و الموت على غير ملّة.». و قال عنه ابن القاضي المكناسي (1553-1616) :«الولي الصالح المقطوع بولايته.»، و يقول أيضا مدافعا عنه من انحرافات أتباعه :«و إليه -رحمة الله عليه- تنسب الطائفة اليوسفية بالمغرب الملعونة، و حاشاه أن يقول بمقولتهم.». و أثنى عليه أيضا ابن أبي محلي السجلماسي (1560-1613). و سماه محمد بن أبي بكر الدلائي (1560-1636) «شيخ المشايخ سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني». و قال محمد بن سليمان الصائم التلمساني (1605- بعد 1656) :«الشيخ الرباني سيدي أحمد بن يوسف الملياني، و هو أيضا من تلامذة سيدي أحمد زروق، و له عناية مع الله عظيمة و عوائده معه كريمة، ظهرت على يده الخوارق و شهدت له الحقائق.». و قال محمد المهدي الفاسي (1624-1698) «الشيخ الإمام الهمام العارف الكبير الكامل الحجاج الفذ المنفرد أبو العباس احمد بن يوسف الراشدي الملياني». و سماه الحسن اليوسي (1631-1691) «شيخ الطوائف المغربية». و قال الحسين الورتيلاني (1713-1779) في رحلته :«سيدي أحمد بن يوسف الذي كانت ولايته ظاهرة شرقا و غربا و كراماته و خوارق عادته -نفعنا الله به آمين و رضي عنه- لا تحصى .». و ترجم له أيضا كثير من المعاصرين، قال محمد بن جعفر الكتاني (1857-1927): «كان -رحمه الله- من أعيان مشايخ المغرب و عظماء العارفين، أحد أوتاد المغرب، و أركان هذا الشأن، جمع الله له بين علم الحقيقة و الشريعة، و انتهت إليه رياسة السلكين و تربية المريدين بالبلاد الراشدية و المغرب بأسره.»
و قد اهتم بسيرته بعض المعاصرين أيضا، فقد نسب إليه المؤرخ علي فهمي خشيم نوعا من الازدواجية في نشر مذهبه بممارسة دعوته لطريقته على اتجاهين الأول موجه للخاصة و أهل العلم من أتباعه و يرتكز بالأساس على منهج زروق و طريقته و الثاني موجه للعامة من الأتباع و المريدين يتخذه كوسيلة سهلة للاتصال بالجمهور بإظهار الجذب و الانفعالات و القول بالشطحات التي يتلقاها هؤلاء بالترحيب و الإكبار. و ناقش المؤرخ عبد الوهاب بن منصور الخلاف الديني و العقائدي حول شخصية أحمد بن يوسف الملياني، و انتقد بعض أقوالة المعروفة بالشطحات عند الصوفية، فقال بشأن آراءه في صفات الله العليا :«و الحق أن لأحمد بن يوسف المترجم جراءة في عرض أفكاره و معتقداته فيما يخص الذات الإلاهية و النفس و الوجود.»، و قال منتقدا أقواله بوحدة الوجود و ادعاء المهدوية :«كما كانت تصدر منه أقوال لا يقره عليها مسلم حنفي كقوله في توضيح علاقته مع الله "أنا جالس في حجر الحق سبحانه يفعل بي ما شاء" و قوله "المولى جل جلاله مدّني بمدّه، و وصفني بأوصافه، أنا هو و هو أنا" و قوله "و الله لولا خفت أن أعبد من دون الله لأظهرت لكم الحق عيانا".»، كما انتقد قوله لأتباعه بأنه رسول و أمره لمن استأذنه في الحج بأن يطوف به ثلاث مرات فتكتب له حجة. و استخلص أن الطريقة الراشدية التي أسسها أحمد بن يوسف انحرفت عن الزروقية المتفرعة عن الطريقة الشاذلية التي لا تتعارض مع مبادئ أهل السنة و أنها قد تسرّبت إليها الكثير من الأفكار الشيعية و الوثنية، و أضاف قائلا : «و إذا صحّ ما نسب إلى مؤسسها من أقوال، و ما كان يأخذ به أتباعه من أفعال، وجب أن يقال جهارا إنه من المبتدعة الذين فرقوا الدين و صيّروا أهله طوائفا و شيعا.». من ناحية أخرى، ذكر المؤرخ أن العديد من العلماء و الفقهاء و المؤرخين برّأوا أحمد بن يوسف مما ابتدعه أتباعه و نسبوه إليه فقال : «... سيرا مع الحق و أداءا للأمانة التاريخية، و هي أن العديد من علماء المغرب و فقهاءه و مؤرخيه ينكرون أن يكون أحمد بن يوسف ابتدع شيئا من البدع و الكبائر التي تتسم بها طريقته أو وافق عليها، و يضعون أوزارها على عاتق الغلاة من أتباعه.». و علّق على إحدى رسائله المثبتة في كتاب بستان الأزهار في الجذب المتعلق بنظرية المعرفة الصوفية قائلا : «فلم أرها تختلف عن الرسائل التي كتبها قبله شيوخ المتصوفة و كتبوها بعده، و ليس فيها ما يقدح في دينه أو سلوكه.».
جدول السند الراشدي للمشايخ والطرق و الزوايا المتفرعة عنه:
نسب معظم المترجمين لأحمد بن يوسف الانحرافات التي وقعت في طريقته لطائفة معينة عرفت باليوسفية أسسها أحمد بن عبد الله المنزول، و المنزول هو أحد كبار أصحاب أحمد بن يوسف و يسمى عمر بن سليمان العلوفي، استقر ببني يزناسن بناحية وجدة و هو الذي ادّعى المهدوية بعد ذلك، و كان رحيله لتلك المناطق وتأسيسه للطريقة بإذن شيخه و الذي ظلت تربطه به علاقات حسنة. و قد اشتهرت هذه الطائفة بغلوها في محبة أحمد بن يوسف و رفع منزلته إلى مرتبة الرسول. و قد تعرض اليوسفيون إلى محاكمات و نكبات كثيرة في المغرب الأقصى على يد سلاطين الدول المتعاقبة عليه منذ بداية القرن السادس عشر، و أفتى في قضيتهم الفقهاء و القضاة. و رغم ذلك ظلت اليوسفية منتشرة بعدة مناطق من المغرب و الجزائر إذ يقول يحيى الشاوي الملياني (1620-1684) في وصف مختلف فرق الطائفة اليوسفية :«أما المدية فثلثا أعرابها على هذه العقيدة ألوهية الشيخ أحمد بن يوسف و أنه لم يلد و لم يولد» و قال «و أكثر هؤلاء بأطراف المغرب الأقصى بفاس و هم العكاكزة و غيرهم و بأطراف مليانة منهم كثير». و قد اشتهروا منذ بداياتهم باليوسفية، لكنهم عرفوا خلال المراحل المختلفة لحركتهم بعدة أسماء منها الأحمدية و الملاينة و البضاضوة و الشراقة و العكاكزة. و قد استمر وجود هذا المذهب إلى القرن 20 و اهتم الأنتروبولجي الفرنسي أوغيست موليرا (Auguste Mouliéras) بظاهرة اليوسفية عند قبيلة الزكارة الزناتية بناحية وجدة، و رغم ملاحظته لتبجيلهم لأحفاد الشيخ أحمد بن يوسف، إلا أنه قام بوضع عدة فرضيات لأصل مذهبم الديني مثل إمكانية كونها معتقدات قديمة تنتمي إلى ديانة وضعية سابقة للإسلام و معادية له، . كما قام فرناند بونوا (Fernand Benoit) بربطها بمعتقدات قديمة تسبق الوجود القرطاجي و الروماني بشمال إفريقيا.
لا يعرف تاريخ محدد لعودة أحمد بن يوسف إلى بني راشد، و يرجح تواجده ببجاية حوالي سنة 891-892 هـ / 1486-1487 م، و قد عاد منها مباشرة إلى وطنه. و تصادف هذه الفترة أواخر سنوات حكم السلطان الزياني أبي عبد الله الثابتي. و قد حاول بعد أوبته إلى وطنه ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ زجر رجلا هرب بامرأة و صار يعاشرها من غير زواج فتعصب عليه بأهله و عشيرته، فاشتكاه لقاضي بني راشد الذي أعرض عنه و لم يعره أيّ اهتمام.
بعد ظهور أمره ببني راشد و تكاثر أتباعه، تغيرت الأمور لصالحه و صارت له مكانة اجتماعية محترمة مكنته من الشفاعة و التوسط للعوام و الأعيان عند قائد إقليم بني راشد المعيّن من طرف السلطان، حتى أنه شفع لقاضي بني راشد نفسه، وكانت كلمته مسموعة عند القضاة و القادة. و يبدو أن علاقته بالزيانيين كانت جيدة في أول أمره، فقد أقروه على نفوذه و جاهه و جعلوا من زاويته حرما لا يُخلص إلى من لاذ إليها من المطلوبين.
توفي السلطان الثابتي و تولي ابنه أبو عبد الله الخامس الحكم سنة 910 هـ / 1504 م. و هو الذي بدأ في أول عهده الخلاف بين أحمد بن يوسف و الدولة الزيانية. و يعد السبب الرئيسي لهذا الخلاف تمكين السلطان لليهود لوظائف هامة في دولته مثل قبض الضرائب. و اشتعلت هذه المواجهة بعد زيارة قام بها أحمد بن يوسف إلى مدينة وهران، حيث استقبله أهلها استقبالا حافلا شارك به حتى العمال الرسميون للملكة، فقال أحد تلاميذ أحمد بن يوسف و اسمه سعيد أعراب لقائد المدينة :«هذه السلطنة ليست كسلطنة اليهود»، أسرّ قائد وهران غضبه و أرسل من فوره إلى السلطان بتلمسان يقول له :«إن رجلا بأرض هوارة يُخشى منه الملك»، فحذره بعض أصدقاءه من حاشية قائد وهران فعاد إلى زاويته برأس الماء. و وصل جواب السلطان قائلا:«ابعثه إلي أو اقتله»، فبعث قائد وهران بالجواب إلى قائد إقليم بني راشد أحمد بن غانم فنصح هذا الأخير أحمد بن يوسف بالرحيل فقال عن بني زيان: «شوّشونا شوّشهم الله من البر و البحر»، و ارتحل بأهله و أتباعه و زاويته إلى بني غدو فرع من بني توجين قرب يلل.
و بعد هذه الأحداث بمدة قصيرة هاجمت إسبانيا سواحل المملكة و نجحت في احتلال المرسى الكبير في 13 سبتمبر 1505 بدعم من الكاردينال دي ثيسنيروس ، ثم احتلت وهران في 20 مايو 1509 بقيادة الكاردينال دي ثيسنيروس نفسه و الجنرال بيدرو نافارو. ويذكر أبو راس الناصري احتلال المدينتين من طرف الإسبان و احتلال تلمسان من طرف عروج و الأتراك مؤكدا في روايته على كرامات أحمد بن يوسف و دعوته المستجابة بعد دعاءه على بني زيان، و اتصال ذلك بدعوة الإمام الهواري من قبله على بني زيان و أهل وهران.
استطاع السلطان أبو عبد الله الخامس إلقاء القبض على أحمد بن يوسف و ابنه محمد بن مرزوقة، و يروي أتباعه هذه الوقائع على طريقة الأساطير و كرامات الصوفية، إذ أمر السلطان بإحضار ألفي حمل (حزمة) من الحطب من جبل بني ورنيد قرب تلمسان و إشعال نار كبيرة، قرب عين وانزوتة في طريق ربض العُبّاد، و إلقاء الشيخ فيها لكنه خرج سالما منها، كما أمر بإعدام ابنه، و قد نجا كلاهما من الموت و خرجا من السجن و لا يعرف بالتحديد بأي طريقة حدث ذلك.
ترك أحمد بن يوسف قريته رأس الماء (الواقعة على وادي فرقوق بين معسكر و قلعة بني راشد) بتاريخ قريب من 911 هـ / 1505 م، و نزل أولا عند بني غدو قرب يلل. عاد بعدها بزاويته إلى قرية مصراتة قرب قلعة هوارة. ثم ارتحل بعدها إلى تانصرت (ببلدية مديونة حاليا) القريبة من مازونة. و انتهى به المطاف بنواحي مدينة البطحاء المندثرة بسهول وادي الشلف.
و قد زار الرحالة الشهير الحسن الوزان الشهير في أوروبا باسم ليون الإفريقي زاوية أحمد بن يوسف بسهول الشلف أواخر سنة 921 هـ/ 1515 م ضمن ركب الحج الفاسي و نزل عنده ضيفا. و قام الوزان بتقديم وصف مفصل للزاوية الراشدية و مواردها و ساكنيها يقول فيه:
أن أحمد بن يوسف نزل مع أتباعه و مريديه سهلا شبه مهجور فقام باستصلاحه و حرث الأراضي و زرعها، و بلغ عشر أراضيه 8000 كيل من القمح في السنة. و كانت له عشرة آلاف رأس من الغنم و ألفي رأس من البقر و خمسمائة من الخيل ذكورا و إناثا. و أنه يتلقى سنويا من جهات عديدة نذورا و صدقات تتراوح ما بين 4000 و 5000 مثقال من أناس مختلفين من المغرب و المشرق لانتشار صيته بينهم. و أنه لا يقدم أتاوات للدولة أو الأعراب القريبين منه.
أن عدد أتباعه المقيمين معه بصفة دائمة بلغ 500 مريد يتكفل بإطعامهم و إيواءهم، و يساعدونه بدورهم في مختلف الأشغال. و أن له قرابة المئة خيمة بعضها للغرباء و الضيوف و بعضها لأتباعه و بعضها لعائلته.
أن له أربع زوجات و عدة إماء، انجبن له أولادا ذكورا و إناثا، و كان أهله جميعا يرتدون ثيابا أنيقة فاخرة. و قد تزوج أولاده أيضا و أنجبوا له أحفادا و بلغ مجموع أهله أكثر من مئة و خمسين نسمة يعولهم جميعا.
بدأت أول مواجهات أحمد بن يوسف مع أعراب سُويد من بني هلال في رحلته إلى بني غدو إذ اعترضه نفر منهم ثم تابوا على يده و صاروا من أتباعه. و إن كان الحسن الوزان قد ذكر بأن الكثير من الأعراب يظهرون الاحترام للشيخ بمستقره الأخير بالشلف، إلا أنّ فترة تنقله بزاويته قد صادفت مرحلة ضعف الدولة الزيانية و بداية حركة القبائل الهلالية من جنوب هضبة و سهول السرسو إلى إقليم الشمال. أدّت هذه الحركة إلى صراعات في المنطقة بين القبائل الزناتية الأمازيغية ذات طابع العيش القروي المستقر الذي أساسه الفلاحة و تربية الأنعام و الحرف و التجارة مثل هوارة و بني راشد و بني توجين و مغراوة من جهة و الهلاليين من سُويد و أحلافهم ذوي طابع العيش البدوي المتنقل الذي أساسه الرعي المتعودون على الإغارة و النهب من جهة أخرى. و كان مسرحها الوطن الراشدي و الشلف و الونشريس. و صارت زاويته طرفا في هذه المواجهات و قام الشيخ بدور قيادي فيها. و كانت علاقته بقبائل سُويد و رؤساءهم تتميز بالعداء، فكانوا يداهمون قافلته و يغيرون على مراعيه و يسلبون أنعامه و ينهبون المطامير التي يدّخر فيها حبوبه و يلقّبونه أبو الخوص. و رغم تواضع إمكاناته الدفاعية مثله مثل المجتمعات القروية المحيطة به و تفوق الأعراب من الناحية الهجومية و تعودهم على الحروب و الغزو إلا أنه كان يرد غاراتهم بالقتال و حمل السلاح و يواجه من يتعرضون إليه و يتعقب من ينهبون أمواله منهم. و كان أحيانا يميل إلى السلم و يتفاوض معهم في إرجاع الغتائم التي انتهبوها منه، فإذا فشلت مساعيه يلجأ إلى الشيخ أبي عبد الله بن واضح المغراوي المدعو أبو عبد الله المغوفل الذي يعتقدون في ولايته ليساعده على استرداد أمواله و أموال أتباعه. و ينسب إليه بيت شهير من الشعر يقول فيه:
اكتملت في المرحلة الأولى من ظهور أحمد بن يوسف كل عناصر الحركة المهدوية، لكنها لم تتعد مرحلة التمهيد و لم تبلغ مرحلة الإعلان بها. و روي في سيرته وقوع رؤيا لأحد أكابر أصحابه في الفاتح من شعبان سنة 919 هـ / 2 أكتوبر 1513 رأى فيها الرسول يبلغه سلامه للشيخ و يبشره بأنه سلطان الوقت. و إن كان لقب السلطان قد ظهر قبله ابتداءا من القرن 7 هـ / 13 م و لقب به غيره من المتصوفين مثل عبد القادر الجيلاني و ابن الفارض فإن نقطة اختلافه عن سابقيه تظهر في كونه سلطان الوقت. و تميزت تلك المرحلة سياسيا بضعف السلطة المركزية للدولة الزيانية و تزايد الانشقاقات الداخلية و كثرة الاضطرابات و ظهور التهديدات الإسبانية بعد احتلال إسبانيا للمرسى الكبير و وهران. و قد صادفت فترة حياة أحمد بن يوسف في القرن العاشر الهجري قرب حلول العام الألف هجري و اعتقاد الناس بقرب فناء العالم و اقتراب يوم القيامة و انتشار الأخبار حول خروج المهدي في آخر الزمان. و قد اجتمعت فيه كثير من أوصاف المهدي فهو «صاحب الوقت و قطب الزمان و الفلك و غوث الأمة و البلاد»، و يدعم ذلك كثير من أقواله التي يمكن تأويلها كتمهيد للمهدوية مثل قوله :«زاويتنا كسفينة نوح من دخلها أمن» و بأنه «فارس العقبة»، كما وصفه أعداءه و المبغضون له بالدّجّال و هو وصف يطلقه غالبا المنكرون على مدعي المهدوية. و يبدوا أن هذه الحركة المهدوية قد اختفت و تعطلت قبل الإعلان عنها رغم اكتمال المراحل التمهيدية لها و ربما يعود ذلك إلى ظهور الأتراك كقوة جديدة في المغرب الأوسط.
ترجع علاقة أحمد بن يوسف بالإخوة عروج و خير الدين بربروس إلى أولى أيام عملياتهم بغرب البحر المتوسط، إذ كان مقيما قرب وهران بقرية كريشتل الساحلية حين نزل بميناءها عروج بربروس و ترجمانه. و اتفق الملياني و أتباعه على تأييده لعروج و الأتراك و تعهد عروج بدوره بعدم التعرض للشيخ و عائلته و أتباعه. و في مصادر أخرى أن هذا اللقاء مستبعد و أن الاتصال و التحالف الحقيقي بين أحمد بن يوسف و عروج بدأ عندما تمكن هذا الأخير من حكم مدينة الجزائر فعليا سنة 1517.
و قد قام الأتراك منذ بدايتهم بالتعاطف مع المرابطين و رجال التصوف و استمالة رجال الدين و شيوخ الزويا الذين يتمتعون بنفوذ كبير في البلاد من أجل دعمهم و توفير حاضنة شعبية لهم مثل أحمد بن يوسف و تلاميذه و معاصريه مثل محمد بن عبد الجبار الفجيجي التلمساني و محمد بن شعاعة و أبو عبد الله المغوفل المغراوي.
استمر هذا التحالف طيلة الوجود العثماني بالجزائر، فقد أكرم خير الدين بربروس محمد بن مرزوقة ابن الملياني بالهدايا لما وفد عليه بالجزائر و أقره خليفة على زاوية أبيه و طريقته بعد وفاته و عينه على رأس ركب الحج إلى البقاع المقدسة و حمله صرة الصدقات لتوزيعها بالحرم. و استمرت إمارة ركب الحج الجزائري في ذريته خاصة القاطنون منهم بوادي الحامول بنواحي المدية و ذلك إلى نهاية الحكم العثماني بالجزائر. و قد شيد الباي محمد الكبير (1734-1797) حاكم بايلك الغرب في فترة (1779-1797) ضريحا و مسجدا فاخرين على ضريحه القديم بمليانة. و كانت إحدى حفيدات الملياني زوجة للداي حسين آخر دايات الجزائر. كما أعفوا أبناءه و نسله و أتباعه و أحفادهم من الضرائب. و عينوا أحد أصحابه و هو محمد الشريف الزهار نقيبا للأشراف بمدينة الجزائر، و بنو قرب ضريحه مسجدا سمي باسمه بقصبة الجزائر بعد وفاته بها سنة 948 هـ/ 1541 م، و استمرت نقابة الأشراف في ذريته طيلة العهد العثماني و كان النقيب في عهد الداي حسين الحاج أحمد الشريف الزهار و في عهد الاستعمار الفرنسي حفيده الحاج محمود الشريف الزهار الذي كان آخر النقباء بعد إلغاء المنصب.
تولى أبو حَمُّو موسى الثالث عرش تلمسان سنة 1516 متحالفا مع الإسبان فدعى أهل تلمسان عروج إلى المدينة. انطلق عروج بربروس من الجزائر في حملة عسكرية إلى تلمسان، و استولى في طريقه على قلعة بني راشد، ثم هزم جيش أبي حمو في سهل أربال (حاليا ببلدية تامزوغة بدائرة عين الأربعاء بولاية عين تموشنت) و دخل تلمسان و أعاد أبا زيان إلى الحكم ثم أعدمه بعد مدة قصيرة. و قد أعلن أحمد ين يوسف و أتباعه مؤازرته لعروج و الأتراك في هذه الحملة، و لا يستبعد دخوله مع جيش الجزائر إلى قلعة بني راشد ثم بعدها إلى تلمسان و قد كان من أنصار أبي زيان و الداعين إلى دعمه.
استعان أبو حمو الثالث بالإمبراطور شارلكان حاكم إسبانيا لاسترجاع عرش تلمسان. فانطلق من وهران و هاجم أولا قلعة بني راشد معقل أتباع احمد بن يوسف و قام بمحاصرتها ثم اقتحامها بعد ذلك، و قتل في هذه المعارك عدد من سكان قلعة هوارة، منهم كثير من أتباع الشيخ و حلفاء الأتراك على رأسهم كبير أتباعه و فقراءه و مرافقيه محمد الصباع القلعي المدعو ابن معزة و أيضا محمد بن سعيد القلعي و قاسم بن سعيد القلعي. بعد سقوط قلعة هوارة توجه أبو حمو و الإسبان إلى تلمسان فحاصرها ثم اقتحمها و عاد إلى عرشه. و كان أحمد ين يوسف حينها بتلمسان فاستعدعاه السلطان و بعث إليه بالأمان، فلما تمكن منه سجنه بالقرب منه في قصر المشور. و تذكر سيرة الشيخ هذه الفترة على منوال كرامات الصوفية، إذ أن أبا حمو أراد اختباره