اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لا شك في أنه يصعب تعريف الفلسفة السياسية – كما يصعب تحديد وتأطير ذاتها، لأنه يمكن أن يضم كل ما يتعلق بالحياة السياسية لمجتمع ما من المجتمعات، له تنظيم معين، وسلطة معينة . وهذا يعني أن مثل هذه الفلسفة تتناول علاقة الفرد بغيره من الفراد ضمن نطاق الأطر السياسية المحددة، وعلاقة هؤلاء بالسلطة الحامية حكماً لهذه الأطر، وكذلك تتناول هذه الفلسفة نوع السلطة المشار إليها ؛ وبعبارة أخري فإن الفلسفة السياسية، إنما هي محاولة فكرية لمعرفة طبيعة الدولة، أي لمعرفة أسسها السياسية . إنها ليست علماً موضوعياً لبحث الظواهر السياسية في الدولة، بل هي محاولة لفهم حياة شعب من الشعوب، وبالتالي فكل فلسفة سياسية فلسفة سياسية لابد أن تتضمن نوعاً من البحث الأنثربولوجي .
ولو أخذنا هذا التعريف ودرسناه علي ضوئه الفكر السياسي عند الفارابي (260هـ-874م/339هـ-950م) لما وجدناه يخرج عنه . فالمعلم الثاني، قد حاول أن يحدد طبيعة الدولة المثالية، والشروط التي يجب توفرها في رئيسها، وأول ما يافت النظر في التفكير السياسي لدي الفارابي هو ربطه بين هذين القطبين اللذين لا يلتقيان علي صعيد الممارسة السياسية إلا نادراً ألا وهما: الأخلاق والسياسة، وهذا هو الإطار الذي نلمسه في كتاب " آراء أهل المدينة الفاضلة" و"نحصيل السعادة" و"السياسة المدنية" و" رسالة في التنبيه علي سبيل السعادة "، بل في " إحصاء العلوم" أيضا .
وقد عاش الفارابي في زمن انعطفت فيه الدولة العباسية نحو الضعف وتفسخت فيه الخلافة، فقد عاش الفارابي في بداية القرن الرابع الهجري، حيث أخذت الدولة العباسية في الانحلال، وزالت هيبتها في نفوس شعوبها بسبب تسلط العنصر التركي على ملوكها ؛ فكان من المحتم أن تصدم هذه الأحوال المتبدلة وعي المفكرين المسلمين عامة إبان عصرهم ذلك، ويظهر أن الفارابي قد أصابه شيء غير هين من هذه الصدمة، فلجأ إلي إقامة فكرة السياسي على أساس البحث النظري أو الخيالي أو المجرد، نتيجة الشعور بعدم الاقتناع أو بعدم الرضا بالأوضاع القائمة، والرغبة في إقامة نظام مثالي يتلافي عيوب النظام الموجود ويحقق المزايا المنشودة.
فالمدينة الفاضلة هي المدينة التي تسير فيها المور بصورة خيرة وسعيدة، حيث لا مجال فيها سوي للفضائل، وحيث الألإراد يشكلون مجتمعاً واحداً متماسكا. فإذا لم يتوفر هذا في " المدينة" بطلت عنها صفة الأفضلية، وأصبحت إما "جاهلية" لا تطمح إلي السعادة، ولا ترغب إلا في نوازل الأبدان والتمتع بها،وجمع الثروة، والتصرف وفق الهواء الشخصية بلا ضوابط ولا قيم، وإما " فاسقة" يعرف أهلها طريق الخير ولكنهم يتبعون طريق الشر؛ وإما "مبتذلة" يسير أهلها أولاً في درب أهل المدينة الفاضلة، ثم ينقلبون علي أعقابهم ، وإما "ضالة" تسير خلف رئيس مخادع يدعي إلهية قراراته .
ويعرف الفارابى المدينة الفاضلة: بأنهاالمدينة القائمة على التعاون على الأشياء التى تنال بها السعادة وهى تشبه الجسم الصحيح الذى يتعاون كل أعضائه على تتميم الحياة وحفظها، وسكان المدينة الفاضلة لهم صفات مشتركة وكل فرد منهم له معارف وأعمال تختلف عن غيره .
ويذكر الفاربي مضاداتها من المدن الأخرى التى قسمها فى أربعة أقسام كبيرة هى: المدينة الجاهلة وهى التى لم يعرف أهلها السعادة الحقيقية واعتقدوا أن غاية السعادة فى اتباع الشهوات والتمتع بالملذات، وهناك المدينة الفاسقة وهى التى يعلم أهلها كل ما يعلمه أهل المدينة الفاضلة ولكن أفعالهم مثل أفعال أهل المدينة الجاهلة، وهناك المدينة المتبدلة وهى التى كانت آراءها فى القديم آراء أهل المدينة الفاضلة ولكنها تبدلت وأصبحت آراء فاسدة، وهناك المدينة الضالة وهى التى يعتقد أهلها آراء فاسدة فى الله والعقل الفعال، ويكون رئيسها ممن أوهم أنه يوحى له وهو ليس كذلك.
ويرى الفارابى أن كل نفس من أهل المدينة الفاضلة علمت الحقيقة والعقل الفعال تكون قد اكتسبت الخلود وخلدت فى السعادة، وأنفس أهل المدينة الجاهلة مصيرها الزوال والعدم وأنفس أهل المدن الفاسقة تخلد فى الشقاء، أما أنفس أهل المدن الضالة فمصيرها الزوال. يتحدث الفارابى فى نهاية كتابه عن رأى أهل المدينة الجاهلة فى العدل فهو قائم عندهم على قهر القوى للضعيف والقضاء عليه واستعباده، وإذا طبق العدل عندهم فى البيع والشراء ورد الودائع فإن مرد ذلك يكون الخوف لا حب العدالة.