اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو المعين النسفي (بالأوزبكية: Абу Муъин Насафий) يعد واحدا من أهم وأشهر علماء الماتريدية من بعد مؤسسها أبو منصور الماتريدي، وهو المدافع الأول عن آراء الماتريدي، وهو في الماتريدية كالباقلاني والغزالي والفخر الرازي في الأشعرية، كما أن كتبه في الماتريدية تأخذ أهمية كتب الشهرستاني في المذهب الأشعري، وقد ناصر مذهب الماتريدي بقوة، وزاد المذهب شرحا وتفصيلا، واهتم بالدفاع عنه ورد على آراء خصوم الماتريدية من معتزلة وجهمية وكرامية وباطنية وغيرهم، وقد ذكره رفيع الدين الشرواني في الطبقة السادسة في "طبقات أصحاب الإمام الأعظم أبي حنيفة"، ومن أهم كتبه: تبصرة الأدلة، والتمهيد، وبحر الكلام. ولأبي المعين مؤلفات كثيرة إلا أنه اشتهر بين المترجمين له، والمتعاملين مع علم الكلام الأشعري والماتريدي بصاحب التبصرة أو تبصرة الأدلة. وممن ترجم له: عبد القادر القرشي في "الجواهر المضية في طبقات الحنفية"، وعبد الحي اللكنوي في "الفوائد البهية في تراجم الحنفية"، وابن قطلوبغا في "تاج التراجم"، والكفوي في "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار"، وحاجي خليفة في "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، والباباني البغدادي في هدية العارفين، وغيرهم.
ولد أبو المعين وعاش في القرن الخامس وبداية القرن السادس الهجريين، واتفقت كتب التراجم على تسميته ميمون بن محمد بن محمد النسفي، وعلى تكنيته بأبي المعين، لكنهم اختلفوا في أسماء أجداده. والمدرسة التي نما وترعرع في أحضانها، وتتلمذ فيها كانت أسرته، فأبوه محمد بن محمد بن معتمد يروي عنه النسفي كتاب العالم والمتعلم لأبي حنيفة كما يدل النص التالي: "قال أبو الحسن على بن خليل الدمشقي: أنبأنا أبو الحسن برهان الدين علي بن الحسن البلخي عن أبي المعين ميمون بن محمد النسفي عن أبيه عن عبد الكريم بن موسى البزدوي عن الإمام أبي حنيفة". وجده الثاني هو أبو المعالي معتمد بن محمد يروي عن أبيه، ويأخذ العلم عن أبي سهل الإسفراييني، ويروي عنه كتاب أخبار مكة. أما تلاميذه فإن كتب التراجم لا تكشف إلا عن القليل، فيذكر القرشي: أن أبا بكر محمد بن أحمد السمرقندي الملقب بعلاء الدين صاحب "ميزان الأصول في نتائج العقول" في أصول الفقه قد تفقه على الإمام أبي المعين ميمون النسفي، كما تفقه عليه أحمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن مجاهد البزدوي ابن أبي اليسر، عرف بالقاضي الصدر، وهو من أهل بخارى. ومن تلاميذه أبو بكر مسعود بن أحمد الكاشاني، وأحمد بن محمد بن أحمد أبو الفتح الحلمي. ونأخذ من مناظرات فخر الدين الرازي في بلاد ما وراء النهر مع الأحناف الماتريدية أن نور الدين الصابوني صاحب البداية في أصول الدين قد تفقه في علم الكلام على كتاب تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي.
عاش الإمام أبو المعين في القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري في بلاد ما وراء النهر (آسيا الوسطى حالياً) من بلاد المشرق الإسلامي. كان عصره من أزهى العصور الإسلامية علما في الشرق، فقد كثر فيه النبغاء في كل علم وفن والسبب في ذلك أن الدولة العباسية قد شجعت على العلم بمختلف أنواعه لا سيما حرية الفكر والنظر، فكثرت المذاهب واختلفت الآراء وظهرت الفرق، ولعل هذا كان هو السبب في شحذ همة أبي المعين لتأليف عدة كتب في علم الكلام للرد على الفرق المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة.
تعد هذه الفترة ضمن الحكم العباسي في عهود انحلاله، تلك التي بدأت بالخليفة المتوكل (232 هـ - 247 هـ)، واستمرت حتى سقوطه على أيدي التتار سنة 656 هـ فلم يعد للخلفاء العباسيين آنذاك، وهم: القائم (422 هـ - 467 هـ) والمقتدى (467 هـ - 487 هـ) والمستظهر (487 هـ - 512 هـ) من أمر الخلافة إلا الاسم، وقد كان ضعف الخلفاء العباسيين سببا في انقسام العالم الإسلامي إلى ممالك مستقلة، كالدولة الحمدانية بالجزيرة، والدولة البويهية بالعراق، والدولة السامانية في بلاد ما وراء النهر. ونجم عن هذا الانقسام أن اضطربت الأوضاع السياسية بسبب محاولة كل من الدول المستقلة بسط نفوذها على ما تمتلكه الأخرى، فبالنسبة لبلاد ما وراء النهر فقد بقيت تحت سيطرة السامانيين إلى أن انقرضت دولتهم سنة 389 هـ، ثم وقعت بلاد ما وراء النهر في يد أيلك بغراخان الذي قصد بخارى، وأظهر التودد لعبد الملك بن نوح الساماني، ولكنه لم يلبث أن قبض على قواد السامانيين، ثم على عبد الملك نفسه، وحبس معه أخاه منصور بن نوح الذي ولى إدارة السامانيين من قبله، واستمر حكم بلاد ما وراء النهر لأيلك خان وإخوانه من بعده إلى أن خضعت للدولة السلجوقية سنة 482 هـ باستيلاء ملكشاه عليها، ويذكر ابن الأثير أن أهل البلاد هم الذين أرسلوا إلى السلطان ملكشاه ليخلصهم من ظلم الملك القائم.
أما ما عدا بلاد ما وراء النهر فإن هناك قوة كبرى كانت تناوئ الدولة العباسية وهي الدولة الفاطمية فلما نجح الفاطميون في إقامة دولتهم بالمغرب ثم بمصر، واتسعت رقعة مملكتهم حتى وصلت إلى نواحي الفرات، دار في خلدهم أن يمدوا سلطانهم متجهين إلى المشرق حتى يعم بقاع الأرض ملكهم، فوجهوا أعوانهم في المشرق وهم بنو بويه الذين امتد سلطانهم إلى أن بلغ بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وقد كان لسياسة بني بويه أسوأ الأثر في العراق، فقد قامت الفتن الطائفية وثار الجند كل في وجه الآخر، وانتشرت الفوضى وعم الاضطراب وساد الفزع قلوب الأهلين، وأدي تعصب بني بويه للشيعة إلى إرغام السنيين على الاشتراك في أعياد الشيعيين. وقد اتخذ بنو بويه الشيعيون من التقرب إلى الفاطميين وسيلة لإثارة مخاوف العباسيين حتى لا يرتموا في أحضان أعدائهم السلاجقة السنيين. بالإضافة إلى ذلك ما أصاب العالم الإسلامي من الخارج، وهي الحروب الصليبية التي بدأت سنة 490 هـ، وأمتدت إلى سنة 690 هـ، والتي استغل القائمون بها تفكك العالم الإسلامي، وضعف الخلافة العباسية، وكل هذا يوضح مدى الاضطراب السياسي الذي كان يعيشه العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
غير أن الحال لم يدم على ما وصف ففي سنة 449 هـ مات من الجوع خلق كثير، وورد كتاب من بخارى أنه وقع في تلك الديار وباء حتى أخرج في يوم ثمانية عشر ألف جنازة وبقيت الأسواق فارغة، والبيوت خالية، ووقع الوباء بأذربيجان وأعمالها، والأهواز وأعمالها، وواسط والكوفة، وكان سببه الجوع حتى باع رجل أرضه بخمسة أرطال خبز، فأكلها فتاب الناس وأراقوا الخمر وكسروا المعازف، وتصدقوا بمعظم أموالهم، ولزموا المساجد. ولم تصب هذه البلاد وحدها بمثل هذه النكبات بل أمتدت إلى العراق ومصر، ففي سنة 448 هـ كان القحط الشديد والوباء المفرط بديار مصر وكانت العراق تموج بالفتن والخوف والنهب من جماعة طغرليك ومن الأعراب، ثم وقع الغلاء والوباء في الناس، وفسد الهواء وكثر الذباب واشتد الجوع حتى أكلوا الميتة.
ومن مظاهر الحياة الاجتماعية في هذه الفترة ما كان يحدث بين الطوائف الدينية من اقتتال، وخاصة بين أهل السنة والشيعة. ومن تلك الصراعات ما يذكره ابن الأثير من حوادث سنة 407 هـ فقد قتلت الشيعة في جميع أنحاء أفريقية، وانبسطت أيدي العامة فيهم، وأُحرقوا بالنار، وكان عامل القيروان يغري أهل السنة، ويحرضهم على الفتك بالشيعة.
ويذكر ابن كثير أنه في سنة 408 هـ وقعت فتنة عظيمة بين أهل السنة والروافض، قتل فيها عدد كبير من الفريقين. وفي سنة 443 هـ زال الأنس بين السنة والشيعة وعادوا إلى أشد ما كانوا عليه، ونصب الروافض أبراجا وكتبوا عليها بالذهب: محمدا وعليا خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر، فأنكرت السنة إقران علي مع محمد، ودارت الحرب العاصفة بين الفريقين، واضطرمت نار الفتنة، وأخذت ثياب الناس في الطرق، وغلقت الأسواق، واجتمعت السنة جمع لم ير مثله، فهجموا دار الخلافة، فوعدوا بالخير. وثار أهل الكرخ، فالتقى الجمعان، فقتل جماعة، ونبشت عدة قبور للشيعة، وأحرقوا. وتم على الرافضة خزي عظيم، فعمدوا إلى خان الحنفية، فأحرقوه، وقتلوا مدرسهم أبا سعيد السرخسي، وفيها توفي أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن أحمد بن عيسى الفارسي المصري، مسند الديار المصرية. وقال الوزير: إن واخذنا الكُل خربت البلد.
وتوالت الصراعات وتجددت الحرب بين الفريقين في سنة 444 هـ وفي سنة 445 هـ، وكان كل فريق يجتهد في إحراق ما يملكه الآخر، وفي سنة 447 هـ تجددت الفتنة حتى عجزت السلطة أن تحجز بين الفريقين، وفي نفس السنة قامت فتنة بين الأشاعرة والحنابلة ببغداد بحيث أصبح من المتعذر أن يشهد الجمعة أو الجماعة أحد من الأشاعرة. وفي سنة 482 هـ وقعت بين الفريقين فتنة هائلة لم يسمع بمثلها قط، وقتل بينهم عدد كثير، وفي سنة 494 هـ انتشرت دعوى الباطنية بأصبهان وأعمالها وقويت شوكتهم، وكثرت الباطنية في العراق والجبل وزعيمهم الحسن بن صباح فملكوا القلاع، وقطعوا السبيل، وأهم الناس شأنهم، واستفحل أمرهم لاشتغال أولاد ملكشاه بنفوسهم. وإلى جانب الشيعة كانت هناك فرق المعتزلة والمزدكية والجهمية والحنابلة والمشبهة. ففي سنة 420 هـ تلقى يمين الدولة محمود بن سبكتكين أمر الخليفة في خراسان فصلب المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وأحرق كتبهم، وأمر بلعنهم على المنابر. فالشعوب الإسلامية في هذه الآونة كانت تسودها حالة من الفوضى وعدم الاستقرار بسبب الصراعات المذهبية، وتفكك العالم الإسلامي، وكان أبرز ما ظهر على مسرح الأحداث انتشار الباطنية وما أعقب ذلك من فتن وانحرافات.
دائما يقف القلم بجانب السيف وتتصارع الألسنة عندما تتقاتل الأسنة، فلم يكن غريبا أن تقوم نهضة علمية هائلة في الوقت الذي كان فيه الاضطراب السياسي على أشده. فانقسام الدولة الإسلامية إلى ممالك لم يؤثر على الجانب العلمي بل على العكس كان لقيام هذه الدول أثر كبير في تقدم الحضارة الإسلامية، وذلك أنه بعد أن كانت بغداد مركزا لهذه الحضارات ظهرت مراكز أخرى تنافس حضارة العباسيين في الحضارة وفي العلوم والمعارف مثل قرطبة والقاهرة وبخارى وأصبح كل منها قبلة العلماء والشعراء والكتاب الذين تنقلوا بين هذه الحواضر طلبا للعلم أو ابتغاء لكسب الرزق. وهذه الدويلات المتصارعة وإن اختلفت في معتقداتها واتجاهاتها إلا أنها لا تختلف على تشجيع العلم وأهله تثبيتا لدعائمها وهذه المذاهب المتصارعة ينشط علماؤها للدفاع عن معتقداتهم، ولهذا نلتقي في هذا العصر بحشد من العلماء في كل فن. فمن علماء الكلام عبد السلام بن يوسف القزويني المعتزلي (ت 482 هـ) الذي قيل عنه إنه كان يفتخر بالاعتزال وهو في حضرة الوزير نظام الملك، وله تفسير كبير يقع في سبعمائة مجلد. ومنهم أبو بكر البيهقي 458 هـ صاحب الأسماء والصفات والاعتقاد والهداية، وعبد القاهر البغدادي (429 هـ) صاحب أصول الدين والفرق بين الفرق، وأبو المظفر الإسفراييني (471 هـ) صاحب التبصير في الدين، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني (478 هـ) صاحب الشامل في أصول الدين والإرشاد ولمع الأدلة، وأبو حامد الغزالي (505 هـ) صاحب الإحياء والاقتصاد في الاعتقاد والتهافت، نجم الدين عمر النسفي 537 هـ صاحب العقائد النسفية، وابن حزم الظاهري (ت 456 هـ) صاحب الفصل في الملل والأهواء والنحل، والشهرستاني 548 هـ صاحب الملل والنحل.
أما العلوم الفلسفية فيتصدر هذا العصر علم من أعلام الفلسفة الإسلامية، وهو ابن سينا (ت 428 هـ)، ومن أشهر مؤلفاته موسوعته الفلسفية الشفاء والإشارات والتنبيهات والنجاة، والحسن بن الهيثم (ت 430 هـ)، وأبو الريحان البيروني (ت 440 هـ)، وعمر الخيام (ت 515 هـ) وله مختصر في الطبيعة ورسالة في الوجود.
أما علم التصوف فمن أبرز رجاله في ذلك العصر أبو القاسم القشيري (ت 465 هـ) صاحب الرسالة القشيرية، وكان من أشهر دعاة الباطنية الحسن بن الصباح (ت 518 هـ)، الذي أحكم خططه في الدعوة إلى هذا المذهب. ولما كنت الباطنية من أخطر وأقوى النحل التي أقلقت أهل السنة فقد ألف فيها علماء العصر مؤلفات خاصة في الرد عليهم بالإضافة إلى ما أوردوا عليهم من ردود في مصنفاتهم الكلامية، فإمام الحرمين الجويني يؤلف كتاب غياث الأمم في التياث الظلم يخصص الحديث فيه عن الإمامة، والإمام الغزالي يؤلف كتاب المستظهري أو فضائح الباطنية، وحجة الحق، وقواصم الباطنية، ويؤلف الشيخ أبو المعين كتابه الإفساد لخدع أهل الالحاد ويرد في على الباطنية.
وإذا رجعنا إلى بيئة الإمام أبي المعين في بلاد ما وراء النهر وجدنا أن الأمر يبدو قد استقر لأهل السنة وخاصة الحنفية، فشعوب هذه المنطقة من الأتراك وحكامها في عصر الإمام أبي المعين من السلاجقة الأتراك. وقد أصبح السلاجقة كغيرهم من الشعوب التركية متمسكين بعقائد المذهب السني بمجرد تحولهم إلى الإسلام، وقد عرفوا بشدة تحمسهم لهذا المذهب وتمسكوا كغيرهم من الأتراك بعقائد المذهب الحنفي، ومع هذا فلم يخل هذا الاستقرار ممن يعكر صفوه من المذاهب المناوئة، كما يتضح ذلك من مقدمة كتاب التمهيد التي يذكر فيها الشيخ أن طالب الكتاب قد تعقب أهل البدع فخيب سعيهم وأراق دماءهم. هذا وإن كان واضحا أن الغلبة والنفوذ كانا لأهل السنة، وفي بلاد ما وراء النهر قامت نهضة علمية واسعة النطاق فعنها يقول المؤرخ شمس الدين المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بعد أن جعلها هي وخراسان إقليما واحدا يسميه إقليم الشرق: "أنه أجل الأقاليم، وأكثرها أجنة وعلماء، وهو معدن الخير، ومستقر العلم، وركن الإسلام المحكم، وحصنه الأعظم وملكه خير الملوك، وجنده خير الجنود فيه يبلغ الفقهاء درجة الملوك، وهو أكثر الأقاليم علما وفقها، وللمذكرين به صيت عجيب، ولهم أموال جمة، والغلبة في الإقليم لأصحاب أبي حنيفة.
أما بخارى فقد أصبحت مركزا من مراكز الحضارة تضارع المدن الكبرى كبغداد والقاهرة وقرطبة. وأما نسف فقد خرج منها من العلماء في كل فن جماعة لا يحصرون، ويكفي أن نستعرض ألقاب من نسبوا إلى هذه البلاد كالبخاري والنسفي والسمرقندي والشاشي لنعرف مدى ما وصلت إليه من نهضة علمية. ويأتي بعد ذلك الشيخ أبو المعين النسفي ليكون وليد عصره وبيئته، فهو الإمام الزاهد والعالم الفقيه الحنفي المحدث والمتكلم، يدعم آراء أسلافه بالبراهين القاطعة، ويعرض مذاهب خصومه من معتزلة وأشاعرة وحنابلة وجهمية وروافض وخوارج وغيرهم ويستدل على بطلانها بالحجج الدامغة. وينشر العلم بين الناس حتى يقول عنه تلميذه نجم الدين عمر النسفي: "كان عالم الشرق والغرب يغترف من بحاره، ويستضيء بأنوراه".
وبنظرة فاحصة ومتأنية في تراث من جاء بعد الإمام أبي منصور الماتريدي يتأكد ذلك حيث قام الجميع بتلخيص فكره، وعلى رأسهم الإمام نجم الدين عمر النسفي صاحب العقائد النسفية، وعبد الله النسفي في عقائده، ونور الدين الصابوني في البداية في أصول الدين. أما أبو المعين النسفي فقد شرح وأضاف ونظم وناقش وحلل الأفكار، وتعامل مع الجزئيات والكليات بعقلانية وموضوعية، مع استرشاد واع وأمين بالقرآن والسنة. وبعمله هذا وضّح المذهب الماتريدي، مما أدى إلى انتشاره في كثير من بلدان العالم، وبخاصة: تركيا وباكستان وأفغانستان والهند وماليزيا وإندونيسيا وألبانيا ومقدونيا وأوزبكستان وغيرها من جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.
لقد كان أبو المعين النسفي من العلماء الأعلام المشهود لهم بغزارة العلم وكان أصوليا فقيها متبحرا في العلوم والمعارف، ويعد من أهم وأبرز علماء علم الكلام على مر العصور. فقد حظي بمكانة عالية في علم الكلام والمناظرة ومؤلفاته تشهد بذلك كتبصرة الأدلة والتمهيد وبحر الكلام. واعترف معاصروه بفضله، وكان همزة الوصل بين السلف والخلف، نقل عن السلف كالماتريدي والأشعري، وأخذ عنه الخلف كالإيجي والتفتازاني وغيرهما.
يفتتح أبو المعين كتابه تبصرة الأدلة بالحديث عن معنى العلم وعن مصادر المعرفة، ويعرض آراء المعتزلة والأشاعرة لمعنى العلم، ونقد تلك التعريفات. فهو يذكر تعريف الكعبي البلخي من المعتزلة لمعنى العلم بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به، وينقد ذلك التعريف بأنه يبطله اعتقاد العامي بحدوث العالم دون أن يكون هذا الاعتقاد علما لأن العلم المحدث لابد أن يكون ضروريا كالعلم الثابت بالحواس والبديهة والاستدلال، وليس مع العامي استدلال. ولقد زاد أبو هاشم الجبائي على تعريف الكعبي بأن العلم اعتقاد الشيء على ماهو به من سكون النفس إليه. لكن زيادة أبو هاشم على التعريف لا تخلصه من الإلزام السابق وذلك لأن العامي ساكن النفس إلى هذا الاعتقاد مطمئن إليه.
ويذكر تعريف أبو علي الجبائي بأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة أو دليل، وهذا التعريف في رأيه أيضا فاسد في التحديد، إذ هو تقسيم العلم المحدث دون تحديده، فما كان في العلوم ضروريا لا يكون استدلاليا وما كان منه استدلاليا لا يكون ضروريا والحد ليس جامعا للقسمين، فلو اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة علما لأن اعتقاد الشيء على ما هو به عن ضرورة لخروج الاستدلال عن كونه علما لخروجه عن الحد، ولو بقى علما مع خروجه عن الحد لخروجه عن أن يكون جامعا، فالحد بذلك لا يجمع بين العلم الضروري والعلم الاستدلالي لأنه يجمع بين قسمين مختلفين. وأيضا تعلق التعريف بالشيء يفسد التعريف، وذلك لأن المعدوم ليس شيئا لكونه معلوما، وذلك لأن ما يستحيل وجوده من الشريك والصاحبة والأولاد لله تعالى يعلم استحالته. وذلك ليس بشيء بالإجماع لأن اسم الشيء عند المعتزلة يقع على معدوم هو جائز الوجود لا على ما يستحيل وجوده. ويحاول أبو المعين أن يبطل كون العلم اعتقاد، فيذكر أنه لو كان العلم اعتقادا لكان العالم معتقدا، إذ هو اسم مقدر من المعنى، والله سبحانه استحال أن يوصف بكونه معتقدا استحال أن يوصف بكونه عالما وهذا محال.
ويتهم أبو المعين من يقول بأن العلم اعتقاد يريد أن ينفي علم الله تعالى لاستحالة كونه تعالى معتقدا. لكن الدكتور علي عبد الفتاح المغربي يقول في كتابه الفرق الإسلامية الكلامية أن أبا المعين مغال في هذا الاتهام لأن هناك فرق بين العلم الإلهي والعلم الإنساني والمعتزلة لا ينفون العلم الإلهي مع قول بعضهم العلم اعتقاد وعلى كل حال فلقد لاقى تعريف بعض المعتزلة العلم بأنه اعتقاد لقى معارضة من فريق من المعتزلة وقد ذكر تلك الاعتراضات القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة.
ويعرض أبو المعين لتعريفات بعض الأشاعرة وينقدها فيذكر تعريف الباقلاني بأن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به. ويرى أبو المعين أن هذا التعريف فاسد لأن العلم لو كان معرفة لكان العالم عارفاً، والله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف. ويرى أن هناك فرق بين المعرفة والعلم فيذكر أن المعرفة اسم للعلم المستحدث لا لمطلق العلم أو هي الانكشاف عن شيء بعد لبس وتوهم، والعلم اسم شامل على ما يتعلق بالمعنى في الجملة وما يتعلق به في التفصيل، أما المعرفة فاسم لما يتعلق بالمعنى في التفصيل، ويبدو أن هذه التفرقة لا تفصل المعرفة عن العلم بل هما متداخلان. ويذكر تعريف ابن فورك بأن العلم صفة يتأتى بها من القادر أحكام الفعل وإتقانه، ويرى أن هذا التعريف فاسد لأن هذا التحديد لا يطرد، فإن علمنا بالقديم تعالى بصفاته وبالمحالات ولا يتأتي بهذا العلم إحكام الفعل وإتقانه. ويذكر تعريف بعض الأشاعرة بأن العلم هو درك المعلوم على ما هو به، وينقد ذلك التعريف لأن الله يُعلم ولا يُدرك، إذ الإدارك عبارة عن الإحاطة بحدود الشيء ونهايته. ويذكر تعريف بعض الماتريدية للعلم بأنه تبين المعلوم على ما هو به، وهذا التعريف في رأيه فاسداً لأن الله تعالى يقال له عالم ولا يقال له متبين، ولأن لفظة التبين مشتركة ومن خاصية الألفاظ المشتركة بقاء الالتباس عند سماعها إلى أن يعين المراد بها. ثم يذكر تعريف أبو الحسن الأشعري للعلم ويدافع عنه، وتعريف الأشعري للعلم بأنه ما أوجب العالم أي حقق له الوصف بأنه عالم ولقد عبر بعض أصحابه عن هذا المعنى فقال: العلم صفة تشتق لم قام به الوصف بأنه عالم، وتارة يقولون: العلم هو الوصف الذي من قام به كان عالما وهو في رأي أبي المعين تعريف يحيط بجميع المحدود ويمنع ما وراءه عن الدخول تحته فهو في رأيه جامع مانع. وتعريف أبو المعين للعلم هو نفس تعريف الأشعري فهو يقول في تعريفه: "حقيقة العلم أنه يوجب كون من قام به عالما أو هو وصف الذي قام به كان عالما"، وذلك لأن العالم ما كان عالما إلا لقيام العلم به وهذا حقيقة العالم وكذلك العلم إذا تأملنا فيه فعلمنا أنه يوجب كونه من قام به متحركا ولا ساكنا ولا مجتمعا ولا مفترقا. فعلمنا أن حقيقته أنه يوجب كون من قام به عالماً، إذا لا أثر إلا هذا وهو بالرغم من موافقته لتعريف الأشعري إلا أنه لا يعارض تعريف أستاذه أبو منصور الماتريدي للعلم ويرى أن حد هذا التعريف صحيح ولا يرد عليه بشيء من الاعتراضات.
يرى أبو المعين أن مصادر المعرفة هي الحس والخبر والعقل، وهذه المصادر صادقة.
المعرفة الحسية خمسة وهي البصر والسمع والشم واللمس والتذوق وهذه حواس ظاهرة لا تحتاج إلى برهان ودليل لأن وجودها أوضح من كل برهان وصدق هذه المعرفة ضروري، وتبطل دعاوي الشكاك في الاعتراض على صدق هذه المعرفة. ولكل أداه من أدوات المعرفة الحسية موضوعه الخاص به وتتنوع المعرفة الحسية بتنوع أدواتها. والمعرفة الحسية هي أصل المعرفة العقلية وأساسها، إذ لا سبيل للعقل إلى إداراك ما غاب عنه بالحواس الظاهرة والتفكر فيها وعلى هذا فالعلوم الحسية تتقدم العلوم النظرية لأنها أساسها. ولقد نص القرآن على المعرفة الحسية وجعلها من الأدلة على وجود الله تعالى وهي تمثل أحد مصادر المعرفة الدينية.
التي طريقها الخبر كالمعرفة التاريخية عن أخبار الممالك والبلدان وهي صادقة لأنها معرفة متواترة تتناقلها الناس، وكذلك المعرفة الخبرية التي تأتي عن طريق الرسل وخبر الرسل أكثر تصديقا لأنها مؤيدة بالمعجزة، لكن المعرفة الخبرية لابد من الوثوق من صحتها وذلك عن طريق البحث في صدق الرواة والتأكد من أنهم ثقات وأيضا النظر العقلي في خبر الرسول المؤيد بالمعجزة والتفرقة بينها وبين السحر. ويهتم أبو المعين بالرد على منكري الخبر ونفيهم كون الخبر من أسباب المعارف وهم السمنية والبراهمة وهم يقولون بأن الخبر قد يكون صدقا وقد يكون كذبا فكان في نفسه مختلفا ولا يدري الصدق من الكذب فلا يثبت به العلم، ويرد عليهم بأن قولهم هذا خبر وهم لا يقرون الخبر فمقالتهم هذه باطلة ويقول إنه مما يبطل موقف السمنية هو تمسكهم بالمعرفة الحسية وحدها في حين أن هناك معرفة وراء الحس وهي المعرفة الخبرية والعقلية، فكيف عرفوا أنه ليس هناك طريق للمعرفة سوى الحس؟ أنهم لا يعرفون ذلك بحاسة من الحواس وهذا يدل على أن هناك معرفة تعلو الحس. ويرى أبو المعين أن إنكار الخبر تعطيل لقوى الإنسان التي تميزه عن الحيوان وكفر بنعمة الله على الإنسان. ثم إن قولهم إن الخبر يتفرع إلى صدق وكذب فأنه يمكن الرد عليه بأن ما يحتمل الكذب لا يوجب العلم، وإنما يوجب العلم ما لا يتصور كونه كذبا وهو ما تواتر من الأخبار، إذ أن المتواتر يستحيل كذبه وكذلك الخبر المتواتر عن الرسول لا يتصور كذبه هو يوجب العلم ومؤيد بالبرهان وبالمعجزة.
التي تتم بطريق العقل هي معرفة صادقة وتقوم على استدلال نتائج معينة من مقدمات معينة بناء على ترتيب وقواعد معينة وصدقها يقيني إذا صدقت المقدمات التي تقوم عليها. والمعرفة العقلية هي أساس علمي الحس والخبر إذ أن صدقها يتم عن طريق المعرفة العقلية. ويدافع أبو المعين عن المعرفة العقلية ويرى أن العقل من أسباب المعارف وأن المعرفة العقلية البديهية ضرورة الصدق، كعلم الحواس فإن العلم بأن الشيء أعظم من أي جزء من أجزائه معلوم ضرورة، وأن النظر طريق العلم وأن من استوفى شرائط النظر أفضى به إلى العلم ضرورة. وأن من يقول بتناقض النظر العقلي وبذلك يكون النظر فاسداً فيرد عليه بأن قضايا العقل قد لا تكون متناقضة وأن الوقوع في الخطأ يكون لتقصير الناظر في النظر أو النظر في بعض المفردات بهواه دون عقله فيقع له ظن فيعتقد ذلك ويظن فظنه أنه علم، فأما لو استوفى شرائط النظر في كل مقدمة وعلم صحتها فلا يقع في ضلال ولا يكون نظره فاسداً. ورأي أبو المعين هو نفس رأي أستاذه الماتريدي وهو أيضا يمثل رأي عامة المتكلمين مع الاختلاف في بعض التفصيلات.
المراد من لفظة العالم كما يذكر أبو المعين عند المتكلمين جميع ما سوى الله تعالى من الموجودات من الأعيان والأعراض، وهو مكون من جواهر وأجسام وأعراض. لكن أبو منصور الماتريدي يرى أنه منقسم إلى قسمين: أعيان وأعراض، لأن الأجسام هو جواهر لأنها متركبة منها وهي القسمة التي يقول بها أبو المعين لكنه يخالف أستاذه في القول بأن الجواهر قائمة بنفسها، لكن الماتريدي يرفض هذا التعريف لأنه لا قائم بنفسه سوى الله تعالى لكن أبو المعين يقول بأن الجواهر قائمة بنفسها وأنه يصح وجودها عن غيرها، فلا ضير في التعريف بهذا المعنى. فالأعيان (الجواهر) هي ما تقوم بنفسها وهي إما مركبة وهي الجسم أو غير مركبة وهي الجزء الذي لا يتجزأ، والأعراض ما لا قيام لها بذاتها وتحدث في الجواهر والأجسام وهي كالألوان والطعوم والروائح.
وأبو المعين ينهج نهج أستاذه الماتريدي في عدم البحث عن أصل الأشياء وحقائقها لأن هذا لا يدخل في معرفة أصل الدين فبعد أن يذكر تعريف المعتزلة وأبو الحسن الأشعري للجسم وينقل تلك التعريفات يميل إلى رأي الماتريدي الذي يثبت أن الجسم مركب وذلك لاستحالة ذلك على الله سواء أكان اسما لإطلاق التركيب أو لمخصوص التركيب فهو لا يبحث المسائل الطبيعية في ذاتها ولكن يبحث فيها بالقدر الذي ينفع في أمر دينه وإثبات عقيدته فليس الغرض هو تفسير العالم بل الغرض إثبات أن العالم محدث (مخلوق) وأن له محدثا (خالق) ومعنى الحد