اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تضاربت الآراء في الدولة الفاطميَّة لقلَّة الوثائق والمراجع العلميَّة الحياديَّة، فالأبحاث المُتوافرة اعتمدت إمَّا آراء أعداء الفاطميين والذين شككوا في نسبهم وطعنوا في تصرُّفاتهم، أو آراء المُغالين في التشيع لهم. ومُعظم المُؤرخين نقل المعلومات دون مُناقشة، وقليلٌ منهم من درس التاريخ الفاطميّ دراسةً أكاديميَّةً من بدايته إلى نهايته. لذا فإنَّ الآراء والأقوال المُتعلقة بهم وبدولتهم كثيرًا ما تكون إمَّا مُذمَّة أو كثيرة المدح، وبعضها القليل يقفُ موقفًا وسطيًّا، فيذكر ما للفاطميين من فضل على الحضارة الإسلاميَّة، وما كان لها من عُيوب. وقد بدأت الدراسات التاريخيَّة العربيَّة تُنصف الدولة الفاطميَّة بعض الانصاف بعد التدقيق في تاريخ هذه السُلالة، فعلى سبيل المِثال يقول الدكتور عبد المنعم ماجد، وهو أستاذ التاريخ الإسلامي بكُليَّة الآداب في جامعة عين شمس، أنَّ تاريخ الخلافة الفاطميَّة في مصر كان غامضًا للغاية، إذ كانت مُعظم مصادره التاريخيَّة لا تستقي من منابعها، أو أنها غير موجودة، أو مُزيَّفة أو مُضطربة، أو جافة، أو مُختصرة، فضلًا عن أنَّ مُعظمها مصادر أدبيَّة لا تُعطي فكرة صحيحة عنهم، غير أنَّ الوثائق أو المخطوطات المكتوبة بأقلامٍ مُعاصرة، مكَّنت الباحثين من تكوين فكرة عن التاريخ الصحيح لهذه الدولة.
يتَّجهُ الرأي العام الشيعي القديم والمُعاصر إلى التمجيد بالدولة الفاطميَّة، رُغم أنَّ غالب الشيعة يتبعون المذهب الجعفري الاثنا عشري، عكس الدولة الفاطميَّة التي اتبعت المذهب الإسماعيلي، ففي العهد الفاطميّ بدأ الشيعة يتحرّكون في بلاد الشَّام وينشطون ثقافيًّا وسياسيًّا. وعاشوا فترة حُريَّة واستقرار، نشطت فيها حركة التشيُّع في بلاد الشام. وعن هذه الفترة يقول الإمام جلالُ الدين السيوطي: «غَلَا الرَّفْضُ وَفَارَ فِي بِمِصْرَ وَالمَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ». وقال بعضُ علماء الشيعة بأسبابٍ عديدة تدفع إلى تأييد الدولة الفاطميَّة والخُلفاء الفاطميين والإشادة بهم وبدولتهم، ومنها ما قاله العلَّامة الشيخ علي الكوراني العامليّ، من أنَّ الفاطميين أحيوا سُننًا نبويَّةً كثيرة، ففقرة «حَيَّ على خير العمل» بحسبه كانت في الواقع جُزءًا من الآذان زمن الرسول مُحمَّد وأبي بكرٍ الصدِّيق وخلال قسم من خِلافة عُمر بن الخطَّاب، ثُمَّ أبطلها الأخير بحُجَّة أنَّ الناس قد يتصورون أنَّ الصَّلاة خيرٌ من الجهاد ويتركون فتح البلاد، رُغم اعتراض آل البيت وبعض الصَّحابة والتابعين. وقد زَعَمَ ذلك بعض المُؤرخين الشيعة قديمًا، مثل الفضل بن شاذان الذي ادعى أنّ الإمام أبو يُوسُف ومُحمَّد بن الحسن والإمام أبو حنيفة النُعمان، قَدْ قالوا: «كَانَ الآذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلُ اللهِ وَعَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِن خِلَافَةِ عُمَر يُنَادَى فِيْهِ: "حَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَل"». هذا بالإضافة إلى تمسّك الفاطميين بالعقيدة الشيعيَّة القائلة بإمامة آل البيت من نسل عليّ بن أبي طالب وفاطمة الزهراء للأُمَّة الإسلاميَّة، ورفعهم الشهادة بذلك في الآذان: «أشهدُ أنَّ عليًّا وَليُّ الله» بعد أن فسَّر فُقهاء الشيعة بأنَّ الآية الخامسة والخمسين من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ نزلت بحق عليّ بن أبي طالب.
بالمُقابل، انقسم عُلماء أهل السُنَّة إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ يرى بأنَّ الدولة الفاطميَّة يسري عليها ما يسري على أغلب حقب الحُكم في التاريخ العربي والإسلامي عمومًا. أي لها من الانجازات الكثير، ولها من الخطايا الكثير أيضًا، وأنَّه من الخطأ الكبير أن تكون العصبيَّة والمذهبيَّة هي التي تُملي هذه المواقف الصادمة والجائرة بحق حقبة تاريخيَّة بأكملها والغض عن كُل الإيجابيَّات التي قدمتها الدولة الفاطميَّة، وعدم رؤية إلَّا ما هو سلبي أو التضخيم لبعضها، إلى حد التنكر لهذه الدولة وكأنَّها الحقبة الفاصلة بين تاريخين إسلاميين ولا شأن لها بالإسلام. وقسمٌ آخر يؤيَّد خِلافة الفاطميين ويؤكِّد نسبهم العَلوي ويُدافع عنهم، ومن أبرز عُلماء أهل السُنَّة القائلين بذلك: قديمًا المقريزي وابن خلدون، ومن المُعاصرين: عبَّاس محمود العقَّاد، الذي وصف اتهام الفاطميين في نسبهم بالدعوى المُنتظرة، وأنَّ البواعث إليها كانت مُتعددة مؤكدًا أنَّ ذلك مرجعه إلى أنَّ الفاطميين كان يطلبون الخِلافة ويعتمدون في طلبها على النسب وكانوا يُهددون بمساعيهم في طلب الخِلافة خصومًا كثيرين يملكون الدول في المشرق والمغرب ولا يُريدون النزول عمَّا ملكوه، أو لا يُريدون بعبارةٍ أُخرى أن يسلموا للفاطميين صحَّة النسب الذي يعتمدون عليه. أمَّا القسم الثالث والأخير من عُلماء أهل السُنَّة، فلا يعترفون بشرعيَّة الخِلافة الفاطميَّة، ويعتبرونها قد أضرَّت الإسلام والمُسلمين، فقد اعتبر ابن كثير أنَّ الخُلفاء الفاطميين كانوا من أجبر زُعماء المُسلمين وأظلمهم، وأنجسِ الملوكِ سيرةً، وأخبثهم سريرة، وأنَّه من كثرة خبثهم ونفاقهم ظهرت في دولتهم البدعُ والمُنكراتُ وكثر أهلُ الفسادِ، وقلَّ عندهم الصالحون من العُلماءِ والعبادِ، و«كثر بأرضِ الشامِ النصرانيةُ والدرزيةُ والحشيشيةُ» نتيجة سوء تدبيرهم وإدارتهم، وكان من نتيجة ذلك أن أخذ الإفرنج بيت المقدس. وأورد هؤلاء بطش الفاطميين ببعض عُلماء أهل السُنَّة، ومنهم الإمام أبو بكر مُحمَّد بن أحمد بن سهل الرملي، الشهير بابن النابلسي، الذي قيل بأنَّهُ تهجَّم على المُعز لدين الله وقال له وجهًا لوجه أنَّهُ يجب على المُسلمين قتال الفاطميين كونهم غيّروا دين الأُمَّة وادعوا ما ليس لهم وقتلوا الصالحين، فأمر المُعز أن يُضرب النابلسي ضربًا مُبرحًا، ثُم أن يُسلخ جلده حيًّا. كما يروي أصحاب هذا الاتجاه أنَّ عُبيد الله المهدي لمَّا دخل القيروان أمر بتعليق رؤوس الأكباش والحُمر على الحوانيت عليها قراطيس معلقة فيها أسماء الصحابـة، الأمر الذي أدّى إلى انتفاض وثورة عُلماء المالكيَّة.
وفي الزمن المُعاصر، أصدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربيَّة السُعوديَّة فتوى جاء فيها أنَّهُ بعد الاطلاع على أقوال العُلماء والمؤرخين تبيَّن أنَّ الدولة الفاطميَّة كان لها من الضرر والإضرار بالمُسلمين ما يكفي في دفع كُل ما يرفع لواءها ويدعو بدعواتها، وأنَّها دولةٌ ضالَّة لا يجوز الدعوة إليها، لأنَّ هذه الدعوة غش وخيانة للإسلام وأهله. وجاءت هذه الفتوى ردًا على كلامٍ صرَّح به الزعيم الليبي آنذاك، مُعمَّر القذَّافي، قائلًا أنه ينوي إقامة الخِلافة الفاطميَّة الثانية، حيث ورد عن لسانه: