اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يهود يثرب كانوا يقيمون في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بمدة طويلة ويثرب مدينة في غاية الحسن، وعليها سور قديم وحولها نخل كثير وتمرها في غاية الطيب والحلاوة ولها مخاليف وحصون، ويرى بعض المؤرخين بأن يثرب أنشأها اليهود.
هجرة اليهود إلى يثرب كانت على دفعات متتابعة في أزمان مختلفة ولا يعرف على وجه الدقة متى كان سكنى اليهود في يثرب أول الأمر، فقد ذكر السمهودي قولان في ذلك إلى أن الوجود اليهودي في يثرب يعود لزمن النبي موسى وفي قول آخر إلى زمن نبوخذ نصر. ثم حصلت بعد ذلك هجرة أخرى إلى يثرب فيقول ياقوت الحموي (( ثم إن الروم ظهروا على الشام فقتلوا من بني إسرائيل خلقا كثيرا فخرج بنو قريظة والنضير وهدل هاربين من الشام يريدون الحجاز الذي فيه بنو إسرائيل ليسكنوا معهم)).
ذهب البعض ومنهم ولفنسون إلى أن يهود يثرب من العنصر الإسرائيلي، في حين ذهب البعض الآخر ومنهم فيليب حتي إلى أن يهود يثرب كانوا بالأكثر من القبائل العربية التي تهودت مع كون نواة هذه الجماعة إسرائيلية صرفة.
ذكر السمهودي بأن قبائل اليهود في يثرب كانوا نيفاً وعشرين قبيلة، منهم بنو عكرمة وبنو ثعلبة وبنو محمر وبنو زعورا وبنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل وبنو عوف وبنو القصيص وبنو ماسلة، سكن هؤلاء المدينة وأطرافها.
وقد عرف بنو قريظة وبنو النضير من بين اليهود بـ "الكاهنين"، نسبوا ذلك إلى جدهم الذي يقال له "الكاهن". و"الكاهن" هو الكاهن بن هارون بن عمران.
وأما قبيلة بني قينقاع فذكر السمهودي ((قال الحافظ ابن حجر: وهم من ذرية يوسف الصديق عليه السلام)).
وأما قبيلة بني هدل فقد جاء في نسبهم ((بَنِي هَدَلٍ لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَلَا النّضِيرِ نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ هُمْ بَنُو عَمّ الْقَوْمِ))، وعلى هذا ربما يكون بنو هدل من نسل داود لأن ذرية داود فيه مُلك ورياسة اليهود إلى اليوم وهو أعلى رتبة من ذرية الكاهن.أو ربما هم من ذرية الكاهن كذلك إلا أنهم أعلى في النسب وذلك بسبب الفرق في المكانة والمنزلة كما كان التمايز بين النضير وقريظة في الدية. أو ربما قصد بأن جدهم الذي ينتسبون إليه أعلى في المرتبة الزمنية كما ذكر السهيلي ((وَذَكَرَ فِي نَسَبِ قُرَيْظَةَ وَالنّضِيرِ عَمْرًا، وَهُوَ هَدَلٌ)).
وبنو ثعلبة وهم رهط ملكهم الفطيون، وقد ذكر ابن الأثير بأنهم من بني إسرائيل. وعلى هذا يحتمل بأن يكون بنو الفطيون من نسل داود إذ أن المُلك في اليهودية لا تجوز إلا في نسل داود كما نص الكتاب المقدس ((لأن الله قال الملك الذي يجلس على عرش إسرائيل يكون دائماً واحداً من نسل داود)).
في الحجاز وبوادي الجزيرة العربية نشأت أشكال من السلطة والتنظيم السياسي، يقول البستاني ((فكان فيها قبائل وإمارات يهودية مستقلة بمثابة ممالك قائمة بنفسها في الحجاز واليمن)) وذهب بعض المستشرقين من أنصار فستنفلد إلى الاعتقاد بأنه قد ظهرت في يثرب دولة يهودية امتد سلطانها السياسي حتى شمل شمال الحجاز بأجمعه، وكان لليهود ملك على يثرب يلقب بـ"الفيطوان" أو "الفيطون" أو "الفطيون"، قال ياقوت الحموي ((ولما استولى اليهود في الزمن القديم على المدينة وتغلبوا عليها كان لهم ملك يقال له الفطيون)) وقال كذلك ((وكان ملك بني إسرائيل يقال له الفيطوان، وفي كتاب ابن الكلبي: الفطيون، بكسر الفاء والياء بعد الطاء، وكانت اليهود والأوس والخزرج يدينون له))، وذكر الاخباريون أسماء نفر ممن كانوا يلقبون بالفطيون وكان آخر ملوكهم الفيطوان جوني بن شريف بن كعب، وأفل حكمهم في زمن ملك الغساسنة الحارث بن جبلة. وقيل أن الحجاز فيما مضى كانت من توابع مملكة يهوذا، يقول ابن خلدون ((قال المسعودي: وكانت الحجاز إذ ذاك أشجر بلاد الله وأكثرها ماء فنزلوا بلاد يثرب واتخذوا بها الأموال وبنوا الآطام والمنازل في كل موطن، وملّكوا أمر أنفسهم، وانضافت إليهم قبائل من العرب نزلوا معهم واتخذوا الأطم والبيوت وأمرهم راجع إلى ملوك المقدس من عقب سليمان عليه السلام.)).
وكانت يثرب تقع على طريق القوافل بين الشام واليمن، وكانت واحة حقيقية ذات تربة صالحة للزراعة وقد أصبحت المدينة من أمهات المراكز الزراعية على أيدي يهودها بني النضير وبني قريظة، كذلك اشتغل اليهود بالتجارة وخاصة في تجارة المجوهرات والذهب، وقد مارس اليهود مختلف الصناعات، كالصياغة وصناعة الأسلحة، وسيطروا بذلك على زمام الأمور الاقتصادية في المدينة، لا سيما وأنهم قد امتهنوا الصيرفة والإقراض بالفائدة الفاحشة.