اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وهكذا فقد استدعى فيلبي ليتسلم منصبه الرسمي في بغداد، وانغمس فوراً في الخلافات الدائرة حول تقرير مصير الحكومة العراقية. وظل هناك ثلاث سنوات. وبينما هو في إحدى الحفلات الرسمية في تلك الفترة، سمعه شخص ما، يقول لمسئول آخر : "لم أسمع ما قلته لي .. ولكن على كل حال فأنا لا أوافق عليه". إن هذه الحادثة وغيرها تدلنا على أن فلبي لم يكن على وفاق مع المسئولين في العراق، وخاصة مع رئيسه في العمل. وأخيرا في يوليو 1921 اتفق فلبي مع رؤسائه، على أن يرحل من العراق. فأخذ إجازة وذهب إلى إيران، واغتنم فرصه سفره مع مراسل صحيفة التايمز، ليكشف أهم الأسرار المحرجة للحكومة البريطانية فيما يتعلق بالإدارة البريطانية في العراق.
لقد كان فيلبي محظوظاً لحصوله على عمل آخر مع الحكومة البريطانية. ففي نوفمبر عام 1921 ذهب إلى عمّان ليحل محل توماس إدوارد لورنس كممثل لبريطانيا في إمارة شرق الأردن المكونة حديثاً وكانت الأوضاع مضطربة. انعدم فيها القانون واضطرب فيها الأمن. حيث أرسل الملك عبد العزيز جيشا يقدر بـ2000 مقاتل بقيادة عقاب بن محيا وزعزع هذا الجيش المناطق الأردنية وسبب الكثير من الخوف والهلع في الأردن.
من القصص التي حدثت بسبب انعدام الأمن يروي أحد الضباط البريطانيين أنه رأى شخصاً شاهراً سيفه يركض خلف رجل آخر، وما أن لحق به وقبض عليه حتى ضرب عنقه وسط السوق. لقد قضي فلبي أوقاتاً ممتعة في عمان ولكنه خلال السنتين اللتين قضاهما، حصل بينه وبين كل من الحاكم المحلي ومرؤوسيه هو شخصياً، مشاجرات لا يمكن تفاديها، وهكذا فقد أصبح فلبي منذ منتصف 1924 بلا وظيفة.
وخلال وجوده في الأردن، التقى فيلبي مع الكاتبة والرحّالة المشهورة روزيتا فوربس، وكانت حينذاك لا تزال في العقد الثالث من عمرها، وقد ذاعت شهرتها من خلال أعمالها الجريئة الرومانتيكية، فقد زارت هذه السيدة وهي متنكرة جداً واحة الكفرة الليبية والتي لم سبق للأوربيين زيارتها من قبل، سوى اللورد نورثكلف، وقد عرض عليها، هذا اللورد مبلغ خمسة آلاف جنية استرليني مقابل سفرها إلى مكة، ولكنها حسب روايتها، رفضت ذلك لأنها كما تقول، قد شعرت في آخر لحظة بتأنيب الضمير لقبولها فكرة الادعاء بالإسلام.
وفي كتابها الثاني وصفت كيف أنها أخمدت تمردا حدث على ظهر قارب شراعي في البحر الأحمر عندما كانت في طريقها لاستكشاف جزء مجهول في الجزيرة العربية، ثم بعد فترة قصيرة سافرت إلى المغرب لكتابة قصة أحد قطاع الطرق المشهورين. ثم عرضت عليها جريدة "الديلي تلغراف" أربعة آلاف جنية استرليني لترافق فلبي في رحلته التي يعبر فيها الربع الخالي، حيث يقوم فيلبي بمهمة البحث العلمي، بينما تتولى هي التغطية الإعلامية على أن لا تحاط السلطات الحكومية التي سيمران بأراضيها، علماً بهذه الرحلة سلفاً. وحتى لا تثار الشكوك من حولهما، فقد قرر فلبي وروسيتا أن يسافرا إلى نجد، كل منهما مستقل عن الآخر، فسافرت هي مع مصور سينمائي إلى الخليج بينما توجه فلبي إلى جدة.
وفي عدن، تقابل فيلبي مع روسيتا، ولكن مشروعهما فشل مرة أخرى، ثم غادرت مع مصورها إلى الحبشة في رحلة استكشافية. ومن هناك استمرت مغامرات روسيتا مع ملكات البلقان، ثم في أمريكا الجنوبية بالإضافة إلى علاقاتها مع أتاتورك وستالين وهتلر وموسوليني، أما فيلبي فقد عاد يائساً إلى لندن.