اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ظهر في الدكن، قُبيل وفاة أكبر، رجُلٌ حازمٌ وشُجاع هو ملك عنبر الحبشي، وكيل السلطنة والصدر الأعظم للسُلطان بهادُر النظامشاهي صاحب أحمد نگر، وعندما تُوفي هذا خلفه نسيبه الصغير مُرتضى بن عليّ تحت وصاية ملك عنبر الذي استبدَّ بِشُؤون الحُكم، فاستقرَّ في مدينة كھڑكي واستكثر من شراء العبيد الأحباش، فاتَّخذ منهم بطانة ودرَّبهم حتَّى أضحوا قُوَّةً خطيرةً في الدولة النظامشاهيَّة، ثُمَّ راح يستخدمهم في مُحاربة المغول والتوسُّع على حسابهم، واستطاع أن يستردَّ منهم مُعظم الأراضي عند أسيرگاه وما حولها، وهي التي كان استولى عليها أكبر ومنعهُ خُرُوج ابنه جهانكير عليه من التوغُّل عند الجنوب منها. حتَّى إذا ما توالى قادة السُلطان المغولي على الدكن مُحاولين إخضاع الحاكم الحبشي، فصدَّهم عنها وأجبرهم على الارتداد إلى الگُجرات، فأرسل جهانكير جيشًا بِقيادة عبد الرحيم خان خانان اصطدم به، إلَّا أنَّهُ تعرَّض لِلخسارة، وإذ عُدَّ مُقصِّرًا استدعاه السُلطان لِلعودة إلى أغرة. وأدرك ملك عنبر، على الرُغم من انتصاره، أنَّهُ لا قِبل لهُ بِمُواجهة الجُيُوش المغوليَّة في معارك مكشوفة، فلجأ إلى حرب العصابات لِإنهاكها وإضعافها، وقادته بصيرته النافذة إلى الإفادة من المراثيين الهندوس وما عُرفوا به من شجاعةٍ وتهوُّرٍ في القتال، فدرَّبهم على حرب العصابات ومعارك الأدغال، وأمام المُباغتات والوقعات الخاطفة المُتكرِّرة، اضطرَّ المغول إلى الانسحاب من أحمد نگر إلى بُرهانفور في صوبة خاندش، وبِذلك ضاعت أحمد نگر من المغول، وذلك في سنة 1018هـ المُوافقة لِسنة 1609م.
وعندما وصلت هذه الأنباء إلى جهانكير أعدَّ جيشًا كبيرًا وجهَّزهُ بِكُلِّ ما يحتاج إليه، وجعل على رأسه قائدين أحدهما يُدعى «پرويز» والآخر «خان جهان» يُعاونهما الراجا «مان سينگه» الراجپوتي على رأس قُوَّات صوبة «بيرار» في الدكن، وعبد الله خان أوزبك على رأس قُوَّاتٍ من الگُجرات، على أن يلتقوا جميعًا عند أسوار أحمد نگر. ويبدو أنَّ تلك الجُيُوش افتقرت إلى التنسيق، فأسرع عبد الله خان في زحفه، فوصل قبل الجيشين الآخرين، فباغتهُ ملك عنبر وانتصر عليه وأجبره على الرُجُوع، وكان لِذلك تأثيره في الجُيُوش الأُخرى التي كانت تتقدَّم إلى أحمد نگر، فهبطت معنويَّات الجُند وجبُن القادة عن التقدُّم، فأقام پرويز في بُرهانفور واستمرَّ ملك عنبر مُسيطرًا على أحمد نگر وراح يُوطِّد أركان دولته، ويدعم فيها سُلطانه وهو مُطمئن، وتضاعف عديدُ جيشيه فأضحى في سنة 1610م يتكوَّن من نحو 10,000 عبد حبشيّ و40,000 حُرّ من أبناء الدكن.
لم يركن جهانكير إلى الهُدُوء، وهو يرى انهزام قُوَّاته وخُرُوج أحمد نگر من بين يديه، فأعدَّ جيشًا آخر في سنة 1025هـ المُوافقة لِسنة 1616م، وجعل على قيادته ابنه الشُجاع خُرَّم مُحمَّد، فزحف بِاتجاه أحمد نگر، وخرج السُلطان إلى ماندو في مالوة بِوسط الهند لِيكون قريبًا من مجرى الأحداث في الدكن. وصل الشاهزاده خُرَّم مُحمَّد إلى بُرهانفور في شهر ربيعٍ الأوَّل 1026هـ المُوافق فيه آذار (مارس) 1617م، ثُمَّ تابع تقدُّمه بِاتجاه أحمد نگر، وكانت أوضاع البلاد حول ملك عنبر قد تغيَّرت آنذاك، فدبَّ فيها الفساد والفتن من واقع الصراع على السُلطة بين الصدر الأعظم ملك عنبر والسُلطان بُرهان بن مُرتضى النظامشاهي، فخشي ملك عنبر الدُخُول في صدامٍ مع الشاهزاده المغولي ومال إلى الصُلح، ووافق على ما عُرض عليه، وهو أن يُسلِّم مُقاطعة بالاگھاٹ، التي كان قد انتزعها مُؤخرًا من المغول، بِالإضافة إلى قلعة أحمد نگر، ووافق السُلطانين جهانكير وبُرهان على المُعاهدة، وكافأ السُلطان ابنه خُرَّم مُحمَّد ورقَّاه إلى رُتبة قائد لِثلاثين ألفًا وأضفى عليه لقب «شاهجهان»، وهو اسمٌ منحوت من كلمتين: «شاه» أي «ملك» و«جهان» أي «العالم»، فهو يعني «ملك العالم» بِالفارسيَّة، وهو اللقب الذي عُرف به طيله حياته، وسمح لهُ أن يكون الرّجُل الوحيد الذي يجلس في حضرته. ولم يكد خُرَّم يُغادرُ بلاد الدكن حتَّى تجدَّدت الاضطرابات، ويبدو أنَّ ملك عنبر أراد الانعتاق من الطوق المغولي، وكان قد انحنى للعاصفة مُؤقتًا، فلمَّا صفا الجو بِعودة شاهجهان رفع رأسه مُجددًا. ففي سنة 1029هـ المُوافقة لِسنة 1620م، نقض المُعاهدة مع المغول وعقد حلفًا مع الدولة القطبشاهيَّة في گُلكُندة، والعادلشاهيَّة في بيجافور، وهاجم عبد الرحيم خان خانان في قلعة أحمد نگر وحاصرها. وكان الشاهزاده خُرَّم مُحمَّد آنذاك مُنهمكًا في حصار حصن كانگرة، فلم يتمكَّن من التحرُّك الفوري ضدَّ ملك عنبر.