اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عرفت طرابلس على مدى العصور بالعديد من الألقاب التي أطلقها عليها أهلها وحكامها وسيتم ذكرها تباعاً وفق ترتيبها الزمني:
في العصر الفنيقي لقبت طرابلس بـ «متروبول فنيقيا» وبـ «دار الندوة» وبـ «دار الشورى» عندما أصبحت مقراً للاتحاد الفينيقي الذي ضم المدن الثلاث الممثلة لمدن فينيقيا الكبرى: صور، وصيدا، وأرواد التي رأت ضرورة لإقامة مقر لهذا الاتحاد للتداول فيما بينهم بشؤون إدارتهم المحلية، وعلاقتهم مع الدول التي تحكمهم، وفي العام 352-351 ق.م انعقد مؤتمر في طرابلس تقرر فيه ضرورة المحافظة على استقلال مدنهم، ورفع راية الثورة ضد الهيمنة الفارسية.
استحقت طرابلس أن توصف بأرض الرباط لأنها تشرفت باستقبال أعيان الصحابة والتابعين الذين رابطوا فيها وفي محيطها وفي مقدمتهم ابن عم رسول الله (ص) الصحابي الجليل عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الملقب بالطيار القرشي الهاشمي (رض).
استحقت طرابلس في العصر الاموي لقب الفيحاء الصغرى لأنها كانت تحاكي بجمال موقعها، وتقاليد أهلها، مدينة دمشق، ولأنها كانت محل رعاية الحكام، وعناية الولاة، حيث كانت آنذاك قاعدة بحرية، ودار صناعة لتوافر أخشاب الأرز اللبناني، وذلك في عهد معاوية بن أبي سفيان، ومن خلفه من بنيه ومن بني مروان، وفيها بنى معاوية أسطوله العظيم الذي انتصر فيه على البيزنطيين في «معركة ذات الصواري».
وبعد العام 969م تلقت طرابلس دفعاً جديداً عندما بدأ الفاطميون بتطويرها لتصبح مضاهية لمدن الداخل الكبرى، بين جميع مرافئ بلاد الشام، وفي ذلك يقول المؤرخ الدكتور كمال الصليبي: «كانت طرابلس الثغر الوحيد الممكن الوصول إليه بالسهولة ذاتها أكان ذلك من الأجزاء الشمالية أو الجنوبية للبلاد، فمن طرابلس، كانت طريق حلب تمر عبر حمص، والطريق إلى دمشق تمر في بعلبك، وكان بالإمكان بلوغ طرابلس بسهولة من مصر بحراً، ومن فلسطين عن طريق الساحل، لاشك أن ذلك كان السبب في اختيار الفاطميين لها كقاعدة رئيسية لعملياتهم السياسية والعسكرية في بلاد الشام».
في العصر الفاطمي لقبت طرابلس بـ «دار العلم»، لأنها تبوأت مركز الصدارة العلمية في بلاد الشام في عهد بني عمار بحسب رأي المستشرق «فان برشم»، ولذلك يقول المؤرخ ابن فضل الله العمري في تاريخه المسمى «مسالك الأبصار» إن طرابلس كانت تسمى قديماً بـ«دار العلم»، وقال الشاعر شهاب الدين محمود كاتب الدرج بالقاهرة وهو يمدح السلطان المنصور قلاوون، ويهنئه بفتح طرابلس:
كان يوجد في طرابلس كثير من كتب العرب، والعجم، واليونان، وكان هناك كثير ممن يثابرون على استنساخ المصنفات الثمينة، ويروي المؤرخ العربي ابن أبي طي أن عدد هذه الكتب كان أكثر من ثلاثة ملايين كتاب، وعلى رواية أخرى إنها كانت مئة ألف، وصاحب هذه المكتبة، القاضي أبو الحسن طالب (بن عمار)، كان المتولي على طرابلس، وقد الف كثيراً من الكتب النفيسة، وكان يرسل المراسلات إلى أقطار البلاد، ويبذل الأثمان الباهظة، ويجلب الكتب النادرة لهذه المكتبة، وما من مؤرخ عربي إلا وكتب، وبحث بملء الأسف عن ضياع تلك المكتبة الفظيع، أما متصلبو المستشرقين الذين كتبوا تاريخ الصليبيين، فلم نرهم يبحثون عن مكتبة طرابلس البتة، ذلك ليستروا عن الإفرنج ذلك التجاوز الذي لا يمكن تلافيه.
وقال مسند العصر الإمام الحافظ السيد عبدالحي الكتاني الإدريسي الحسني في كتابه «تاريخ المكتبات الإسلامية ومن ألف في الكتب» ما نصه: «وفي أواخر دولة الفاطميين كان بطرابلس الشام خزانة كتب تعرف بدار العلم، قال الشيخ يحيى بن أبي طي حميد النجار الغساني الحلبي فيما نقله عنه ابن الفرات في تاريخه: لم يكن في جميع البلاد مثلها حسناً، وكثرة، وجودة.
وقال: حدثني أبي قال: حدثني شيخ من طرابلس قال: كنت مع فخر الملك بن عمار صاحب طرابلس وهو في شيزر، وقد وصله أخذ طرابلس (الذين أخذوها إذ ذاك عسكر الصليبيين) فأغمي عليه وأفاق ودموعه متتتابعة، وقال: والله ما أسفي على شيء كأسفي على دار العلم، فإن فيها ثلاثة آلاف ألف كتاب، كلها في علم الدين، والقرآن، والحديث، والأدب. وقال: إن بها خمسين ألف مصحف، وفيها عشرين ألف تفسير لكتاب الله.
قال ابن أبي طيء: قال أبي: وكانت هذه دار العلم من عجائب الدنيا، وكان بني عمار قد عنوا بها العناية العظيمة، كان فيها مئة وثمانون ناسخاً ينسخون بالجراية والجامكية (الجامكية: بالفارسية أي مرتبات النساخ)، منهم ثلاثون نفساً لا يفارقونها ليلاً ولا نهاراً، وكان لهم في جميع البلاد من يشتري لهم الكتب المنتخبة، قال: ولما دخل الإفرنج إلى طرابلس أحرقوا دار العلم، وكان السبب في ذلك أن بعض القسس لما رأى تلك الكتب هالته، واتفق انه وقع في خزانة المصاحف فمد يده إلى مجلد فإذا هو مصحف، ثم إلى آخر فرآه كذلك، ثم إلى آخر فوجده مصحفاً حتى عدد عشرين مصحفاً، ثم قال: كل ما في هذه الدار فهو قرآن المسلمين، فلذلك أحرقوها، وتخطف الإفرنج أشياء من الكتب، وهي خرجت إلى بلاد غير المسلمين».