اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لعبت الحياة الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين دورًا مهمًا في اختلاف الأساليب والطرز المعماريّة التقليديّة. ولأسباب اقتصادية، لم يتمكن الأشخاص ذوو الدخل المنخفض من بناء نفس المنازل التي يمتلكها الأغنياء. وكانت وظيفة المبنى هي تحديد منطقة المباني وطرازها. لقد أدى اختلاف المناخ والبيئة والموقع إلى ظهور أنماط معماريّة مختلفة، ولكن باستخدام مواد وتقنيات البناء ذاتها. يمكن تقسيم المباني التقليديّة الفلسطينيّة حسب طريقة تحميل السقف إلى: البناء الخالي من الدعامات الداخلية، والبناء ذو الأعمدة، والبناء ذو الرواق، والبناء المسقوف بالقبو. كما يمكن تصنيف تلك المباني بدراسة خصائص المناطق الريفيّة والحضريّة، وعلى النحو التالي:
منازل الفلاحين البسيطة
كانت طريقة البناء التقليديّة في معظم المباني في فلسطين هي منازل الفلاحين البسيطة حتى بداية القرن العشرين. ويتكون هذا النوع من المباني من غرفة بسيطة مكعبة الشكل (الأوضة/ الغرفة). وتختلف بأبعادها وارتفاعها، حيث يمكن أن تُلحق بغرفة أخرى لنفس العائلة. بالنسبة للفتحات، فتتميز هذه المباني بصغرها، نظرًا لعدم مقدرة الفلاحين على شراء الخشب (الذي يُعتبر نادرًا في فلسطين) لإغلاق تلك النوافذ، مما جعل تلك البيوت ذات إنارة سيئة. إلا أن هذه المشكلة حُلت باستخدام فتحات علويّة موجودة بالأسقف، حيث تحمي البيت من الأشعة الحارقة بالصيف ومن الأمطار في الشتاء. وقد انتشر هذا النمط في سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، مع بعض الاختلافات البسيطة، من حيث تقنيات البناء والتوزيع الداخلي، وبعض التفاصيل والمفردات المعماريّة.
بالنسبة للتصميم الداخلي لمعظم منازل الفلاحين البسيطة، فهي مقسّمة إلى جزئين اثنين، كما أن ثلاثة أرباع الفضاء الداخلي مرفوع عن مستوى الأرض، حيث تعيش العائلة في هذا الجزء (يُطلق عليه المصطبة)، بينما تُربى الحيوانات في الجزء المنخفض من البناء (يُطلق عليه قاع البيت). أما بالنسبة للأنواع الأخرى من منازل الفلاحين البسيطة، فيتكون الفضاء الداخلي من غرفة واحدة فقط. قد يضيف الفلاحون إلى هذه المنازل فناءً داخلياً يجمع عدداً من الغرف. ويمكن أن تُضاف غرف أخرى على أعلى الأسقف. ويتم توجيه هذه المباني تبعًا للظروف المناخية. يتبع ذلك عدد ومساحة الفتحات الموجودة بالجدران.
منازل الفلاحين المعقدة
كانت منازل قيادات الفلاحين والتجار منهم سواء في القرى والمناطق الحضرية تمتاز بأنها كبيرة وأكثر تعقيدًا، حيث كانت ذات طابق أو اثنين أو ثلاث، تخدم كمجمع عائلي خاص (كما في القرى)، أو بيت بجانب الآخر أو فوق الآخر (في المدن). كانت تلك البيوت موزعة حول فناءات داخلية بالعادة. تتميز أسقف الغرف المتعددة والموجودة في نفس الطوابق باختلاف ارتفاعها، وهذا ما يؤدي إلى وجود عدد من الدرجات والمستويات بين الغرفة والأخرى. وتتميز مخططات هذه المباني بعدم الانتظام والتناظر. يوجد في الضفة الغربية عدد من القرى الغنيّة التي احتوت قصورًا كبيرة من هذا النوع لعدد من العائلات الفلسطينيّة، مثل عرّابة، دورا، ونعلين. كان في بعض الأحيان يقوم بعض الناس ببناء غرفة فوق إحدى غرف الدار تسمى علّية نظرًا لعلوها عن باقي الغرف، وتُستخدم في النوم في ليالي الصيف الحارة، أو تستعمل مثل صالة حيث ينفرد بها صاحب الدار بزواره من الرجال، ويمكن الصعود إلى هذه العليّة بواسطة درج.
منازل المدينة
تُعتبر المنازل في مدن فلسطين أكثر تطورًا من نظيراتها في القرى. ولقد امتازت غالبيّة منازل المدينة والمباني الكبيرة، كما هو الحال أيضًا في المباني المنتظمة، بالتماثل حول محور وسطي، أي أن يقع هذا المحور حول وسط المدخل الرئيسي للبناء، وتميزت غالبية القصور والمنازل الفخمة بتعقيد تصميم الواجهة الرئيسية وكثافة زخرفتها لتعكس نفوذ صاحبها ووضع العائلة الاجتماعي والاقتصادي، أما واجهات البناء الأخرى فتميزت ببساطة تصميمها وخلوها تقريبًا من الزخارف، إلا أن الواجهات الأربعة كانت تتشابه من حيث روح التصميم ونسب الفتحات وأبعادها. وتتواجد منازل الفلاحين البسيطة والمعقدة في المدن إلى جانب طرز معماريّة أخرى، مثل منازل الفناء ومنازل الليوان.
بالنسبة لمنازل الفناء، فقد بُنيت غالبًا لتعطي خصوصية أكثر، ولإعطاء سهولة في الوصول إلى الغرف المحيطة بالفناء المكشوف. علمًا أنه في بعض الحالات، لا تحيط الغرف بالفناء من كل الجهات، بل يشكّل السور الخارجي جزءًا من المحيط، والذي يفصل الفناء عن المحيط الخارجي. تُعتبر منازل الفناء، وخاصةً تلك التي تحتوي على رواق، من المباني ذات الكفاءة العالية في حفظ الطاقة، والمتكيّفة مع المناخ المحلي، حيث أن الغرف المطلّة على الفناء لا تُوجّه إلى الشمس في الصيف، وهي معزولة من مطر الشتاء، بالإضافة إلى أن الفناء مفتوح للتهوية، ومُظلل في معظم الأوقات.
أما بالنسبة لمنازل الليوان، فقد احتوت على أكثر من غرفة. وتؤدي معظم مداخل المنازل تؤدي الصالة (الليوان)، حيث أن غرفة المعيشة موجودة على طرفي هذه الصالة. وتُستخدم الصالة كغرفة للجلوس. تتميز هذه القاعة بعمقها، وبواجهة خارجيّة ذات عقد مُصلب في العادة ذي واجهة تحتوي على أعمدة ثلاث. تم أخذ اعتبار توجيه هذه المباني في المدينة وفقًا لعوامل المناخ، ولكن في بعض الأحيان يلعب شكل الأرض دورًا رئيسيًا في هذا التوجيه.
لقد تركزت الفلل والمساكن الفخمة في المدن الرئيسيّة، كما في القدس، وخصوصًا الجزء الغربي من المدينة، الذي سيطرت عليه إسرائيل في 1948. وتعكس هذه المباني القديمة تطور الطبقة الغنيّة المقدسيّة التي سكنت خارج أسوار البلدة القديمة، وما زالت تمثُل حتى اليوم بكامل هيبتها قصورًا حجريّة مبنيّة بطراز يدمج بين ملامح العمارة الإسلامية والعمارة الحديثة. وتمتاز القصور العربيّة بجمالية وفخامة نادرتين، وتُعتبر الأقواس علامتها الفارقة، وقبالة كل منها حدائق تزينها أشجار الليمون والرمان والياسمين. ومن تلك القصور بيت رجل الأعمال الفلسطيني الراحل قسطنطين سلامة، وبني في حي الطالبية عام 1930، وهو يتوسط ميدانًا كان يحمل اسم سلامة قبل أن يُهوّد، ويستخدم اليوم مقرًا للقنصلية البلجيكية. وهكذا بيت عائلة طرشة الذي يتميز ببوابة حديدية مزدانة بأعمال فنية نادرة، وهو اليوم مقر القنصلية الإسبانية. وليس بعيداً عنه بيت عائلة سنونو المحاط بحديقة، وبيت هارون الرشيد، وبيت واصف بشارات، وهي مسكونة من قبل يهود بعد تهجير أهلها الفلسطينيين.
فيلا في الخليل
فيلا سلامة (حاليًا القنصلية البلجيكية بالقدس)
منزل أنيس جمال في القدس
فلل وادي الصليب في حيفا
فيلا في رام الله
المباني العامة
بُنيت المباني العامة في القرى الفلسطينيّة بنفس تقنيات المنازل السكنية، وبنفس مواد البناء والتفاصيل. ولا يمكن تمييز تلك المباني عن الأخرى في القرى إلاّ في حالة المباني الدينيّة. تُعتبر غرفة العِلّيّة الأعلى في هذه المباني بالقرى. وتُعتبر معاصر زيت الزيتون في القرى الغنيّة مشابهة لمباني المنازل من الخارج، إلا أنها تختلف عنها كثيرًا من الداخل. لقد كانت المباني العامة في المدن أكثر تطورًا وتنظيمًا في التصميم والوظيفة. تختلف المباني العامة عن المباني الدينيّة، والحمّامات التركيّة، مصانع الصابون، المجمّعات التجارية، معاصر الزيتون، المدارس، الأضرحة، وغيرها.
لقد عُرفت المدارس المملوكيّة والتكيات في القدس بفناءاتها الوسطيّة، وبالحجم الكبير للغرف المحيطة حول الفناء، بينما اتصفت الحمّامات التركيّة بتخطيط ووظائف مختلفة (غرف باردة وحارّة). ولقد بُنيت المحلات التجاريّة بمواد وتفاصيل تقليديّة، ولكن بفتحات مختلفة، بينما كانت الأبواب كبيرة في معظم الحالات، كما بُنيت تلك المحلات بصفوف منتظمة لتشكّل سوق المدينة، كما في البلدة القديمة في الخليل ونابلس وغزة والقدس. يوجد في أعلى تلك المحلات بيوت يمكن الوصول لها من خلف البناء لإعطاء بعض الخصوصيّة. لقد اشتهرت في العصر العثماني ثقافة بناء الشرفات والأقواس، ورغم بقاء كثير من هذه الآثار، فإن جزءًا منها لم يعد موجودًا. لقد لعب المناخ دورًا كبيرًا في تحديد شكل العمارة العامة ونمطها، فقد كان الفناء الداخلي لهذه المباني في العهد العثماني يوفر الجو المريح للسكان، وارتفاعه الذي يمنع أشعة الشمس من التغلغل في المبنى، كذلك سماكة الجدران الكبيرة كانت نتيجة المناخ ليعمل كعازل للحرارة المرتفعة.
الأضرحة والمقامات
هنالك خصائص متكرّرة في مباني المقامات وموقعها في فلسطين. فالمقام أو المزار أو المشهد هو في معظم الحالات بناء رُباعي الشكل، له باب واطئ، ونافذة واحدة على الأغلب، وقد يكون له أكثر من نافذة. وفي أكثر الحالات يكون ذا قبّة. وأما من الداخل فهناك طاقة أو أكثر، غير نافذة تشبه الخزانة الطويلة. وهناك في العادة محراب بجانب القبر الذي يكون وسط غرفة المقام. وفي حين أن أكثر المقامات تقتصر على غرفة أو غرفتين، فإن بعضها يتألف من عدّة غرف فيها مسجد مُلحق بالمقام أو مسكن الشيخ أو الخطيب القيّم على المكان أو مضافة.
كما يوجد نوع آخر من المقامات الكبيرة التي تحتوي على غرف متعددة لإقامة الزوّار والحجّاج. وهذه المقامات هي في العادة للأنبياء كمقام النبي موسى ومقام النبي صالح. وفي كثير من الأحيان كانت المساجد تُبنى عند مقامات الأولياء.
يعود معظم المقامات المتبقيّة في فلسطين إلى ما بعد فترة الحملات الصليبية، وهذه حقيقة تشترك فيها المساجد والزوايا والآثار الاسلاميّة الأخرى التي زالت من جرّاء الكوارث الطبيعيّة والحروب والإهمال. وهي تكون بالعادة على أنواع؛ فهناك مقامات فيها أضرحة، إما داخل مبناها وإما في الساحة المجاورة له. وهناك مقامات بلا أضرحة، وكأنها أُقيمت تخليدًا لوليّ مع الاعتراف الضمني بأنه غير مدفون فيها. كما توجد قبور بلا أي نوع من أنواع الأبنية. وأيضًا كهوف تضم أضرحة أو لا تُقَسّم. ومثالها مغارة الأدهمية في القدس. ويوجد أيضًا مقامات تتألف من سور بسيط محيط بقطعة أرض، ومقامات تقتصر على شجرة أو كومة من الحجارة.