أنواع الغيب
عالَمُ الغيب ما يكون غائباً عن المخلوقات، وهناك نوعان من الغيب، وهما: الغيب المُطلق، والغيب النسبي، وبيان كلّ نوعٍ فيما يأتي:
- الغيب المُطلق: وهو الغيب الذي لا يعلمه إلّا الله، ولم يطّلع عليه أحدٌ من خلقه، وقد دلّت آياتٌ كثيرةٌ على هذا النوع، كقوله -تعالى-: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)، وهذا الغيب لا يعلمه إلّا الله؛ لقوله -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، وقد بيّن الله هذه المفاتيح، بقوله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
- الغيب النسبي: وهو الغيب الذي يكون معلوماً لبعض الخلق، ولا يكون معلوماً لآخرين، فيكون غيباً بالنسبة للشخص الجاهل به، وهذا النوع من الغيب يمكن معرفته من خلال الوحي في الشريعة الإسلامية.
وذهب بعض العُلماء إلى تقسيم أنواع الغيب بصورةٍ أخرى؛ فالقسم الأول: لم يدركه كلّ البشر، وإنّما البعض منهم؛ كقصة نبي الله يوسف، فلم يشاهدها أو يدركها كلّ البشر بحواسهم، ولكنّ يوسف وإخوته قد عاشوها وأدركوها، والقسم الثاني: ما لم يدركه البشر، وإن كان من الممكن بالعقل إدراكها لو وُجدوا حين وقوعها؛ كالأخبار التي حدثت قبل وجود البشر على الأرض، والقسم الثالث: ما لا يُمكن للحواس إدراكه، ولا للعقل الحُكم عليه أو الإحاطة به؛ كصفات الله، وأحوال يوم القيامة، أما قوله -تعالى-: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا*إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ)، فهو كقوله -سبحانه-: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ)، فهو غيبٌ أراد الله -تعالى- تبليغه ممّا يتعلّق بأمور الدنيا أو الآخرة، فأطْلع عليه الأنبياء لأداء الرسالة، وسمّاه ابن عاشور في التحرير والتنوير: "الاطلاع المحقق، المفيد علماً، كعلم المشاهدة".
للمزيد من التفاصيل عن الإيمان بالغيب الاطّلاع على مقالة: ((مفهوم الإيمان بالغيب)).
خصائص عالم الغيب
إن للغيب وعالمه مجموعةً من الخصائص؛ منها: أنّ الإحاطة به من خصائص الله -سبحانه- وحده، أما البشر فلا يُحيطون به، كترتيبات القضاء والقدر، وعلم الساعة، وغيرها من الأمور الغيبية، قال سبحانه: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا)، ولكن يطّلعون على القليل منه، وهو ما أراد الله أن يُخبرهم به، ولا يتوقّف ذلك على إرادتهم، لتتحقّق لهم الغاية من خلقهم، وأمّا الغيب الذي يُطلعه الله لأنبيائه فهو من قَبيل الاصطفاء والاختيار، ومن خصائصه أنه مختصٌّ بعالم اللا محسوس، وإن كان العقل يدركه.
مصادر معرفة الغيب
يوجد في الغيب أشياء كثيرة؛ كاللوح المحفوظ، والنار، والعرش، وغيرها، ولا يُمكن معرفة هذه الموجودات إلّا بِمجموعةٍ من المصادر، وهي:
- القُرآن الكريم: وهو المصدر الأول للمعرفة الغيبية؛ إذ إنّه قطعي الثُبوت، ولم يُنقل أي اختلافٍ في ثبوته، ويجب الإيمان به، فالإيمان بالله والقُرآن مبنيٌ على العقل، فلو نظر الإنسان إلى الكون ودقة صُنعه لتوصّل إلى وجود الله، وبالنظر إلى العلاقة بين الخالق والخلق لوجد أنّها لا تتكامل إلّا بوجود كتابٍ من عند الله يُبين طبيعة هذه العلاقة؛ وهو القُرآن.
- السُنة الصحيحة: السنة المتواترة، وهي التي ثبتت نسبتها للنبي -صلى الله عليه وسلم- بشكل قطعي* مما رويَ عنه من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، حيث رواها جمع عن جمع يستحيل اتفاقهم على الكذب؛ فشكّلت ضمن هذه الضوابط مصدراً مقطوعاً بصحته للأخذ بها في المسائل الاعتقادية، ومنها الأخبار الغيبية، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّه يؤخذ بالسنة الصحيحة التي ثبتت بخبر الآحاد* في المسائل الاعتقادية إذا كانت معزّزةً بالقرائن والشواهد التي تؤيّدها.
- العقل: ويُستعمل العقل بِمعانٍ مُتعددة، منها: الشيء الذي فضّل الله به الإنسان عن باقي المُخلوقات، وجعله به مُكلّفاً، أو بمعنى المعرفة الفطرية التي يشترك بها جميع العقلاء، أو العلوم النظرية التي تحتاج للنظر والاستدلال، أو العمل الذي يقوم به الإنسان وفقاً للعلم الذي أعطاه الله إيّاه، ويكون مصدراً من مصادر المعرفة للغيب المُتعقّل؛ أي الذي يحتاج في إثباته للعقل؛ كوجود الله، ووحدانيته، وإثبات العقل للغيب إثباتاً مجملاً غير كاملٍ؛ لأنّه عاجزٌ عن إثبات التفصيل إلّا بوحيٍ، فيكون دوره في إثبات المعنى ولكنّه لا يقدر على بيان الكيفية، لذلك بيّن الله بعض الأمثلة من واقع الحياة في القرآن الكريم ليبيّن إمكانية وجودها، مثل: الاستدلال بخلق السماوات والأرض على خلق الإنسان، وإحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة.
المصدر: mawdoo3.com