اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أدت نكبة فلسطين إلى سلسلة اضطرابات وأعمال شغب في مختلف المدن السورية، استقالت على إثرها حكومة جميل مردم بك وتم تكليفه تشكيل حكومة جديدة غير أنها فشلت في تحقيق أي تقدم لوقف الغضب الشعبي على الهزيمة. طالب بعض السياسيين الرئيس السابق هاشم الأتاسي تشكيل حكومة إدارة أزمة وكلف الأتاسي فعلاً تشكيل الحكومة غير أنه عاد واعتذر عن التكليف بعد عدم توافق رغبته مع رغبات ممثلي الكتل البرلمانية. كلف القوتلي خالد العظم تشكيل الحكومة إلا أنه اعتذر عن قبول التكليف، الذي وجه للأمير عادل أرسلان وزير الشؤون الاجتماعية غير أنه فشل، فأعاد الرئيس القوتلي تكليف العظم الذي قبل هذه المرة ونجح في 16 ديسمبر 1948 تشكيل حكومته الائتلافية الثالثة التي ضمن وزيرين من الحزب الوطني واثنين من حزب الشعب وثلاثة مستقلين، وقد منحت هذه الحكومة الثقة بأغلبية 73 صوتًا من أصل 108 نائب حضروا الجلسة. واجهت حكومة العظم الثالثة مشاكل جمّة تتعلق بأهمية تسليح الجيش وإيقاف أعمال الشغب وإيقاف انهيار الليرة السورية، فضلاً عن التزامها "تحرير فلسطين" كما جاء في بيانها الوزاري. وقد رحبت الصحافة السورية بمختلف أطيافها بهذا التشكيل، خصوصًا بعد نجاح الحكومة بإعادة الاستقرار لليرة وإيقاف أعمال الشغب أما في السياسة الخارجية فقد قال العظم أن العالم بات مقسومًا إلى كتلتين وأنه لا يمكن لسوريا البقاء على الحياد وبالتالي عليها اختيار بين كتلة الولايات المتحدة أو كتلة الاتحاد السوفيتي. خلال تلك الفترة نفسها أقرت الحكومة مشروع الاتفاق المالي مع فرنسا وبدأت تدرس مشروع أنابيب التابلاين، جعلت هذه الخطوات الثلاث الحكومة تنال النقد من حزب الشعب والإخوان المسلمين والبعث العربي الاشتراكي وذلك بتهمة تبعية البلاد للولايات المتحدة. بكل الأحوال، فقد شهدت البلاد في دمشق وحمص وحلب وعدة مناطق أخرى مظاهرات حاشدة ضد اتفاقية التابلاين التي وصفت بالمكلفة وغير المفيدة للاقتصاد السوري ما دفع الحكومة لرفعها عن التداول وتأجيل إقراها. أما من منجزات حكومة العظم الأخرى إبرام صفقة شرء أسلحة فرنسية، وإقرار اتفاق الهدنة لعام 1949 مع إسرائيل وهو ما أثر سلبًا على شعبية الحكومة رغم أن سوريا آخر دولة عربية أبرمت الهدنة، والتصديق على اتفاقية النقد السوري، فضلاً عن تأسيس غرفة الزرارعة الوطنية، وبناء صوامع للحبوب من المنطقة الشرقية ومصنعًا للنسيج الوطني لإنتاج ألبسة وطنية منخفضة السعر بعد ارتفاع أسعارها داخل السوق السورية؛ وأرادت العمل على بناء سد "يوسف باشا" على نهر الفرات، وذلك لمضاعفة المساحة المروية الخاصة لزراعة القطن والقمح في البلاد. في 6 مارس استقال وزير الداخلية عادل العظمة بعد خلاف مع العظم واستبدل بمحسن البرازي. لعل الإجراءات التي حاول بها العظم إيقاف الاحتجاجات المناوئة لاتفاقية التبلاين من إغلاق مؤقت للمدارس وسحب الترخيص من أحد الصحف المعارضة هو ما دفع العظمة للاستقالة.
دعا مجلس النواب العظم لجلسة مناقشة بخصوص الجيش إلا أن العظم رفض معتبرًا بأنه من الواجب إبقاء الجيش خارج مجال التجاذبات السياسية، رغم أن المجلس عقد جلسته دون حضور الحكومة، ووجهت خلال الجلسة انتقادات قاسية للجيش وقيادته شكلت أساس انقلاب حسني الزعيم لاحقًا رغم أن الجلسة المذكورة اكتسبت صفة السرية. لم يطل عهد حكومة العظم الثالثة كثيرًا، فبعد أربع أشهر من تشكيلها وفي 30 آذار 1949 قام الجيش بقيادة حسني الزعيم بالانقلاب على الحكم الدستوري واعتقل رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأودعهما مشفى المزة العسكري، وفي اليوم ذاته استقال القوتلي من رئاسة الجمهورية والعظم من رئاسة الوزراء إثر زيارة فارس الخوري لهما في السجن. نشرت الاستقالة في 6 نيسان، وأطلق سراح العظم لاحقًا. وبعد خلع الزعيم في آب 1949 بانقلاب آخر قاده سامي الحناوي معيدًا الحكم الدستوري، أي بعد ثلاث أشهر، عيّن العظم وزيرًا للمالية في حكومة إدارة الأزمة التي شكلها هاشم الأتاسي في 15 آب 1949.