English  

كتب the sultan abdicated the king and returned to him

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تنازُل السُلطان عن المُلك وعودته إليه (معلومة)


شعر مُراد الثاني بِالتعب، ورُبَّما كانت المُشكلات الداخليَّة والخارجيَّة وموت ابنه علاء الدين عليّ، الذي كان يُعدُّه لِخلافته، قد تركت لديه شُعُورًا حادًا بِالسَّأم، فرأى أن يعتزل السياسة، وتنازل عن العرش لِابنه الفتى مُحمَّد، البالغ أربعة عشر عامًا من العُمر، إذ كان أكبر أولاده الذُكُور وأرشدهم، فأرسل إليه كتابًا يستدعيه إليه، وكان في إقطاعة مغنيسية، فوصل إلى خدمة والده وتسلَّم السلطنة، وكان ذلك بعد حوالي شهرين من توقيع مُعاهدة الصُلح مع الصليبيين. بِهذا، أصبح السُلطان مُراد أوَّل سُلطانٍ يتخلَّى عن العرش بِمحض إرادته، ثُمَّ سافر إلى جانب مغنيسية لِلإقامة بعيدًا عن هُمُوم الدُنيا وغُمُومها، وسار معهُ جمعٌ من خواصه، منهم إسحٰق بك بن فيروز وحمزة بك الشرابدار، فاعتزل فيها لِلعبادة وانتظم في سلك الدراويش، وبقي في خدمة السُلطان الجديد الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي، وشهاب الدين شاهين باشا الخادم، والوزير الثاني صاروچه باشا، وقاضي العسكر المُلَّا خسرو مُحمَّد أفندي. وكان مُراد الثاني ينوي العيش في مغنيسية حتَّى يأتيه الأجل، وبناءً على إحدى الروايات، فإنَّ واردات سناجق آيدين وصاروخان ومُنتشا خُصَّ بِهما مُراد الثاني لِتكون راتبًا تقاعُديًّا له، وبِمُوجب رواية أُخرى، فإنَّهُ خُصَّ بِواردات سنجق صاروخان فقط.

كان الأثر المُباشر لِقرار اعتزال السُلطان مُراد يتمثَّل في تجدُّد الحرب، ذلك أنَّ الوضع في العاصمة أدرنة كان مُضطربًا، فقد واجه الصدر الأعظم خليل باشا الجندرلي، الذي كان السُلطان يثقُ به، مُعارضة وُزراء آخرين أكثر ميلًا إلى مُحمَّد، كما أنَّ القيادات المسيحيَّة المسؤولة عن شن الحرب الصليبيَّة عادت ونظرت إلى الموقف بِعين المصلحة الخاصَّة، بِغض النظر عن تلك المُعاهدة التي عُقدت بين مُراد الثاني وڤلاديسلاڤ الثالث، وتزعَّم هذه الحركة الكردينال يوليان سيزاريني، بِإيعازٍ من البابا الذي عطَّلت هذه المُعاهدة طُمُوحه، وغرَّر الكردينال المذكور بِملك المجر وغيره من المُلُوك الأوروپيين وأفهمهم أنَّ عدم رعاية الذمَّة والعُهُود مع المُسلمين لا تُعدُّ حنثًا ولا نقضًا كونهم كفرة (أي المُسلمين)، ومن ثُمَّ فإنَّ البابا يُبطلُ قسم ملك المجر ويجعلهُ في حلٍّ منه. كان الاعتقاد السائد في الدوائر الأوروپيَّة المُعادية لِلعُثمانيين، أنَّ موقف هؤلاء أضحى حرجًا لِلغاية بعد اعتزال مُراد الثاني وتسلُّم ابنه الفتى مُحمَّد زمام الأُمُور، ولا خبرة لهُ في الشُؤون السياسيَّة، وأنَّ دولتهم أضحت مُنهكة، وباتت أطرافها مُعرَّضة لِلاقتطاع من جانب أُمراء الحُدُود، وفي مُقدِّمتهم الأمير القرماني الذي أرسل إلى ملك المجر يُحرِّكه على السُلطان والممالك العُثمانيَّة ويحُثُّه على انتهاز الفُرصة، بِالإضافة إلى ذلك، فقد كانت تُوجد آنذاك قُوَّاتٌ أوروپيَّة مُعسكرة في البلقان يُمكن الاستفادة منها، فضلًا عن أنَّ استمرار العمليَّات العسكريَّة يُمكن أن يُعد حافزًا لِمُلُوك أوروپَّا لِتقديم مُساعدات جديدة وجديَّة.

تدخَّل البابا إيجين الرابع بِنفسه وأخذ يُحرِّض ملك المجر، الذي كان ما يزال حتَّى ذلك الحين مُترددًا في الإخلال بِقسمه الغليظ، على نقض المُعاهدة، فأرسل يقُولُ له: «بِالتَأكِيدِ، إِنَّ النَّصَارَى لَيسُوا مُلزَمِينَ بِالإِيفَاءِ بِوُعُودِهِم مَعَ المُسلِمِين»، وشارك البيزنطيُّون البابويَّة في تحريضها، وقد أملوا في طرد العُثمانيين من أوروپَّا واستعادة أملاكهم السابقة؛ ما أدَّى إلى تنكُّر بعض زُعماء ومُلُوك أوروپَّا لِتلك المُعاهدة التي وقَّعها ڤلاديسلاڤ الثالث، مُقتنعين أنَّ المُعاهدة مع الكُفَّار لا قيمة لها، وأنَّ المصلحة المسيحيَّة العُليا هي التي يجب أن توضع فوق كُل اعتبار. اقتنعت القيادات المسيحيَّة المُعسكرة في البلقان بِهذا التفسير، وتحرَّكت مشاعر ملك إنگلترا هنري السادس وملك فرنسا شارل السابع، وحُكُومات البُندُقيَّة وجنوة وفلورنسة، على الرُغم ما بينها من نزاعات؛ لِلمُساهمة في هذه الحرب الصليبيَّة. ويبدو أنَّ بعض الزعامات في البلقان رفضت المُشاركة في هذا التحالف، كما فعل جُريج برانكوڤيچ الذي أبى الحنث بِاليمين المعقود بين المُتحاربين، وشاركه بعض الزُعماء المحليين، بل إنَّ القيصر الصربي منع إسكندر بك من اللِّحاق بِحُلفائه المجريين، في حين تُشير مصادر أُخرى أنَّ برانكوڤيچ كان من جُملة المُشاركين في الحملة. وقضت الخطَّة العسكريَّة أن يُبحر الأُسطُول البُندُقي باتجاه المضائق ويستولي على مدينة گليپولي، في الوقت الذي يزحف فيه الجيش البرِّي جنوبًا، ويُؤمِّنُ اتصالًا مع هذا الأُسطُول في المدينة المذكورة التي تُصبح قاعدة الانطلاق باتجاه القُسطنطينيَّة، وبِذلك تكون هذه القُوَّات الصليبيَّة قد حقَّقت هدفين في الوقت نفسه وهُما عزل السُلطان عن قواعده في آسيا الصُغرى وفتح طريق القُسطنطينيَّة.

أدَّت كُل هذه المُعطيات والتدخُّلات لدى الملك المجري إلى تخلِّيه عن المُعاهدة، بعد أن مرَّ عليها خمسون يومًا، وهكذا تقدَّمت القُوَّات المُتحالفة، التي يقودها ظاهريًّا ڤلاديسلاڤ الثالث ويُحرِّكُها فعليًّا يُوحنَّا هونياد، باتجاه الأراضي العُثمانيَّة مُتجنبةً مضائق طريق أدرنة الخطرة، وتوجَّهت صوب بحر البنطس (الأسود) عن طريق ڤيدين ونيقوپولس، وبعد أن انضمَّ إليها ڤلاد دراكول أمير الأفلاق وصلت إلى مدينة وارنة (ڤارنا) الواقعة على شاطئ البحر سالِف الذِكر، في 26 رجب 848هـ المُوافق فيه 9 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1444م، وتحرَّك الأُسُطول البُندُقي في الوقت نفسه باتجاه المضائق. كانت العمليَّات العسكريَّة الأولى تُشيرُ إلى نجاحٍ مُتوقَّعٍ لِقُوَّات التحالف، وبِخاصَّةً أنَّ سُفُن البُندُقيَّة تمكَّنت من السيطرة على المضائق مانعةً القُوَّات العُثمانيَّة، في آسيا الصُغرى، من العُبُور إلى الجانب الأوروپي لِلمُشاركة في الحرب. وكان جمعٌ من الصليبيين قد أغار على نواحي نيقوپولس فخرَّبها، وكان واليها مُحمَّد بك بن فيروز من القادة المشهود لهم بِحُسن الانضباط والكفاءة القتاليَّة، فعقب الصليبيين في جمعٍ من الآقنجيَّة وأسر كثيرًا منهم، وأرسل الأسرى مع خبر وُصُول جُيُوش الأعداء إلى السُلطان مُحمَّد. كان الخطر أكبر من قُدُرات السُلطان الفتى، وأدرك وُزراؤه وقادته أنَّ المعركة هي معركة مصير، فاتخذوا قرارًا في اجتماعٍ لِمجلس شورى السلطنة أبلغهُ الصدر الأعظم إلى مُحمَّدٍ بن مُراد، ونصُّه: «لَا يُمكِنُنَا الرَّدُ عَلَى مُقَاوَمَةِ العَدُوِّ، اَلَّلَهُمَّ إِلَّا إِذَا اعتَلَى وَالِدُكَ السُّلطَانُ مَكَانَك. أَرسِلُوا وَالِدَكُم لِيُجَابِهَ العَدُوِّ وَتَمَتَّعُوا بِرَاحَتِكُم. تَعُودُ السَّلطَنَةُ إِلَيكُم بَعدَ إِتمَامِ هَذِهِ المُهِمَّةِ». بناءً على هذا، أرسل السُلطان مُحمَّد في دعوة والده، فذهب وفدٌ من الساسة إلى مُراد الثاني، في عزلته في مغنيسية، وطلبوا منه أن يعود إلى الحُكم ويقودهم، إنقاذًا لِلدولةِ من خطرٍ كبيرٍ مُحدقٍ بها. غير أنَّ مُرادًا - تحاشيًا لِكسر سُلطان ابنه - رفض وأبلغهُ أنَّ الدفاع عن دولته من واجبات ذاته السُلطانيَّة، فكتب إليه مُحمَّد ثانيةً بِأن لا بُدَّ من القُدُوم، فقال: «إِن كُنتَ سُلطَانًا فَظَاهِر أَنَّ عَلَيكَ مُحَافَظَةُ البِلَادِ وَالعِبَادِ، وَإِن لَم تَكُن سُلطَانًا فَيَجِب عَلَيكَ طَاعَةُ السُّلطَانِ وَامتِثَالُ أَمرِه». أمام هذا الأمر، اضطرَّ مُراد الثاني إلى القُدُوم، ولمَّا كانت سُفُن البنادقة قد سدَّت معبر گليپولي، فقد توجَّه إلى معبر قلعة أناضولي حصار حيثُ استقبلهُ الصدر الأعظم في جمعٍ من العساكر لِدفع المانعين من العُبُور، فعبر السُلطان وانضمَّ إلى الجُنُود العُثمانيين الذين فرحوا بِقُدُومه، وترك ابنه مُحمَّد في أدرنة لِمُحافظتها، وتوجَّه في العسكر إلى قتال الصليبيين.

المصدر: wikipedia.org