اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت معركة طريف ضربةً قاسيةً لِأبي الحجَّاج يُوسُف خُصوصاً والمُسلمين عُموماً، إذ شكَّلت نذيراً مُخيفاً لِاقتراب نهاية الصراع على مصير الأندلُس. وقد استثمر ألفونسو الحادي عشر انتصاره هذا، فهاجم خِلال السنوات التالية بلاد المُسلمين واستولى على قلعة بني سعيد بِالإضافة إلى الجزيرة الخضراء وطريف، فأضحى هذان الثغران الجنوبيَّان المُشرفان على مضيق جبل طارق في أيدي النصارى، يتحكّمون من خلالهما بِحركة الملاحة إلى المغرب، ولم يبقَ بِأيدي المُسلمين سوى ممرٍ ضيِّقٍ يصلُ المغرب بِغرناطة، وهو الذي يقومُ على مدخله حصن جبل طارق. وقد حاول الملكُ القشتاليّ سالف الذِكر أن يستوليَ على الحصن المذكور أيضاً لِاستكمال عزل مملكة غرناطة وإحكام الطوق حولها من ناحية الجنوب، فضرب الحصار حول الحصن، وصمد المُسلمون بِداخله، ثُمَّ ساعدهم القدر بِانتشار وباء الطاعون الأسود في البلاد الذي أودى بِحياة الكثير من الناس، ومنهم ألفونسو الحادي عشر نفسه وأفراد جيشه المُحاصرين لِلحصن، وذلك في 10 مُحرَّم 751هـ المُوافق فيه 20 آذار (مارس) 1350م. أمَّا أبو الحجَّاج يُوسُف فقد استمرَّ في الحُكم بضعة أعوامٍ أُخرى ساد خلالها السلام والأمن، ولكنَّهُ قُتل يوم 1 شوَّال 755هـ المُوافق فيه 19 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1354م وهو يُصلِّي في المسجد الجامع بِالحمراء على يد شخصٍ مخبولٍ لم يُفهم منهُ شيئٌ عندما سُئل عن دوافعه.
خلف أبو الحجَّاج يُوسُف ابنَه مُحمَّد المُلقَّب بِالغنيّ بِالله، وكان حدثاً يافعاً، فاستأثر حاجبه ومولى أبيه أبو النعيم رضوان بِشُؤون الدولة. وكان لسانُ الدين بن الخطيب مُؤرِّخ الدولة النصريَّة وأعظم كُتَّاب الأندلُس وشُعرائِها آنذاك من بين كُتَّابه ووُزرائه، وقد أرسلهُ سفيراً إلى الدولة المرينيَّة لِيُؤكِّد لِسُلطانها عهد الصداقة والمودَّة جرياً على خطا أسلافه عند تنصيب حاكمٍ جديد، كما ساد الهُدُوء جبهات القتال مع مملكة قشتالة. وطغت، في بداية حُكمه، الأحداث الداخليَّة على المُشكلات الخارجيَّة ذلك أنَّ حُكمه تعرَّض لِلانتكاس بِفعل ثورة أخيه إسماعيل عليه بِمُساندة بعض زُعماء غرناطة، واستطاع إسماعيل أن ينتزع الحُكم منه في 28 رمضان 760هـ المُوافق فيه 21 آب (أغسطس) 1359م، بعد مضيّ خمس سنوات على تولِّيه المُلك، وقُتل أبو النعيم رضوان خلال هذه الثورة، وفرَّ مُحمَّد بن يُوسُف إلى وادي آش، ثُمَّ انتقل إلى المغرب مُلتجئًا إلى المرينيين. اتخذ إسماعيل بن يُوسُف سلسلةً من الإجراءات لِتثبيت أقدامه في الحُكم، فعزل المُوظفين المُوالين لِأخيه، وعيَّن مكانهم رجالاً يثقُ بهم. ولم يشهد عهده أحداثاً تُذكر لِقصره، إذ سُرعان ما قامت ثورة ضدَّه في عاصمة مُلكه كان من نتيجتها أن حوصر في أحد الأبراج ثُمَّ قُتل، وبِمقتله تمكَّن مُحمَّد الغنيّ بِالله من استرداد مُلكه سنة 763هـ المُوافقة لِسنة 1362م، لِتبدأ المرحلة الثانية من حُكمه، وكانت مرحلة ازدهارٍ يسُودها الهُدوء النسبي، ذلك أنَّ الغنيّ بِالله تميَّز بِالصرامة والعدل مع رعيَّته.