اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ينتسب الحمدانيُّون إلى جدِّهم أبي العبَّاس حمدان بن حمدون التغلبي، فهم من قبيلة تغلب العربيَّة العدنانيَّة، وحمدان بن حمدون هو أقدم فرد في هذه الأُسرة لهُ دورٌ تاريخيّ، فكأنَّ الأُسرة الحمدانيَّة تبدأ به. أنجب حمدان ثمانية أولاد هم: أبو إسحٰق إبراهيم، وأبو علي الحُسين، وأبو السرايا نصر، وأبو الهيجاء عبدُ الله، وأبو العلاء سعيد، وأبو سُليمان داود، وأبو الوليد سُليمان، وعليّ. اشتهر من هؤلاء الإخوة أبو الهيجاء عبد الله الذي أنجب ولدين هُما الحُسين ناصر الدولة، وهو مُؤسس فرع الأُسرة الحمدانيَّة في الموصل، وعليّ سيفُ الدولة وهو رأس الأُسرة الحمدانيَّة في حلب، أمَّا الإخوة الآخرون فلم يكن لهم إلَّا أدوارٌ ثانويَّة في تاريخ الأُسرة. كانت مساكن تغلب في الجاهليَّة هضاب نجد والحجاز وتُخوم تُهامة، ويبدو أنَّ مواطنها قد ضاقت بها بِفعل تكاثُرها، ثُمَّ أنَّ الحُرُوب الطويلة والمُتواصلة التي خاضتها القبيلة مع كُلٍ من بني بكر وبني يُربُوع من تميم وبني شيبان وبني سعد بن تميم؛ أجبرها على النُزوح شمالًا إلى المجرى الأدنى لِنهر الفُرات في ديار ربيعة، وذلك في القرن السادس الميلادي، وتمركزت القبيلة في القرن الأوَّل الهجري المُوافق لِلقرن السابع الميلادي في وسط الجزيرة الفُراتيَّة بين قرقيساء وسنجار ونصيبين والموصل شمالًا وعانة وتكريت جنوبًا، وهي منطقة خصبة تتخلَّلُها أنهار الخابور ودجلة والفُرات، كما تتميَّز بِموقعها المُتوسِّط بين الشرق والغرب، وكوَّنت جسرًا يربط طُرق المُواصلات بين الخليج العربي والبحر المُتوسِّط، ما أتاح لها أن تُشارك في الأحداث المُهمَّة في تاريخ العراق والشَّام.
اعتنق بنو تغلب الديانة المسيحيَّة في الجاهليَّة بِفعل اتصالهم بِالروم، وظلَّ أكثرُهم على هذه الديانة بعد ظُهُور الإسلام وفتح العراق وفارس والشَّام. وبِفعل موقع منازل القبيلة، في منطقة الصراع بين القوى الكُبرى، وقف بنو تغلب إلى جانب الفُرس خِلال الفُتُوح الإسلاميَّة المُبكرة، كما حاربوا الجُيُوش الإسلاميَّة إلى جانب الروم، وحقَّق كُلٌ من خالد بن الوليد والمُثنَّى بن حارثة الشيباني انتصارًا عليهم في معارك عدَّة، وما جرى بعد ذلك من انهيار الجبهتين الفارسيَّة والبيزنطيَّة في العراق والشَّام، انعكس على وضع القبيلة التي خضعت لِلمُسلمين في عهد ثاني الخُلفاء الراشدين عُمر بن الخطَّاب، وعندما أراد أن يفرض على أفرادها الجزية أُسوةً بِغيرهم من الذين اختاروا البقاء على دينهم وعدم الدُخول في الإسلام، أخذتهُم العزَّة، وأرسلوا إلى الخليفة في المدينة المُنوَّرة يطلبون منه أن يُضعِّف عليهم الصدقة التي تؤخذ من المُسلمين في كُل سائمةٍ وأرض، ويستبدلها بِالجزية أو أن يسمح لهم بِاللحاق بِأرض الروم، فقبل أن يُضعِّف عليهم الصدقة وأن يبقوا في ديارهم ويعمروها، وصالحهم على أن لا يصبغوا (يُعمِّدوا) صبيًّا ولا يُكرهوه على المسيحيَّة إن اختار هو الإسلام بِإرادته. وناصر بنو تغلب الخليفة عليّ بن أبي طالب في بداية الأمر، غير أنَّهُم ما لبثوا أن انحازوا إلى الأُمويين، فحاربوا مع مُعاوية بن أبي سُفيان في صفِّين، ولعلَّ مرد هذا التحوُّل أنَّهم نقضوا العهد من واقع تعميدهم لِأبنائهم ما دفع الخليفة عليّ إلى تهديدهم بِالقتل والسبي. وكان كثيرٌ منهم، في خِلافة عبد الملك بن مروان، ما زالوا يُدينون بِالمسيحيَّة، وهو وضعٌ دينيٌّ خاص كان يُحتِّمُ عليهم اتخاذ مواقف مُعيَّنة لِلدفاع عن النفس.
وعندما زالت الدولة الأُمويَّة التي أيَّدها بنو تغلب وساندوها، وحازوا في ظلِّها العطف والرعاية والمناصب المُهمَّة، ضاع هؤلاء كغيرهم من القبائل في خضم الأحداث السياسيَّة والعسكريَّة الكُبرى التي تلت قيام الدولة العبَّاسيَّة، حيثُ ذاب الصراع القبلي بِفعل اعتماد العبَّاسيين على العناصر الأعجميَّة من فُرسٍ وتُركٍ وديلمٍ وفراغنةٍ وبربرٍ، ولم يعُد العُنصر العربي سوى أحد العناصر التي يتألَّف منها الجيش العبَّاسي. والواقع أنَّ الحمدانيين الذين انحدروا من بني تغلب استفادوا من تاريخ القبيلة الحافل بِالنشاط السياسي والعسكري، بِالإضافة إلى الظُروف السياسيَّة التي نشأت في العصر العبَّاسي الثاني، فعمدوا إلى إنشاء قُوَّاتٍ عسكريَّةٍ خاصَّة مكَّنتهم من تأسيس إمارتين في الموصل وحلب.