اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كَانَ العَلَايلِيُّ يَرَى التَّجْدِيدَ قَانونًا كَوْنِيّـًا عَامّـًا؛ فَرَاحَ يَدْعُو إِلَى الإِصلَاحِ فِي السِّيَاسَةِ، وَالاقْتِصَادِ، وَالاجْتِمَاعِ، وَالحَيَاةِ الدِّينِيَّةِ والمَدَنِيَّةِ. فَلَا جَرَمَ أَن يَكُونَ العَلَايلِيُّ مِن طَلِيعِيّي المُنَظِّرِينَ لِفِكْرَةِ "الكِيَانِ اللُّبْنَانِيّ"، وَيُشَارِكَ فِي صِنَاعَةِ تَارِيخِ الجُمهُورِيَّةِ الأُولَى؛ عَلَى قَوَاعِدَ مِنَ السِّيَاسَةِ المَدَنِيَّةِ؛ مُسْتَعِيضًا عَن فِكْرَةِ العَصَبِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ، بِفِكْرَةِ القَوْمِيَّةِ اللِّسَانِيَّةِ، وَالجُغْرَافِيَّةِ، والتَّارِيخِيَّةِ، وَالاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالاقْتِصَادِيَّةِ وَأَخِيرًا الحِزْبِيَّةِ؛ لِيَضَعَ كِتَابَهُ "دُسْتور العَرَب القَوْمِيّ"؛ المَعْدُودَ بِلِسَانِ بَعْضِ تَلَامِذَتِهِ المُقَرَّبِينَ "إِنجِيل القَوْمِيَّة العَرَبِيَّة"؛ مُؤَسِّسًا لِمَرْجِعِيَّةِ الدِّينِ الطَّبِيعِيّ فِي الفِكْرِ القَوْمِيّ؛ كَمُقَدِّمَةٍ لَا بُدَّ مِنهَا إِلَى الأَدْيَانِ الوَضْعِيَّةِ؛ المُعَبَّرِ عَنهَا عِندَ اللَّاهُوتِييّنَ: بِالأَدْيَانِ الإِبْرَاهِيمِيَّةِ الثَّلَاثَةِ: اليَهُودِيَّةِ، وَالمَسِيحِيَّةِ، وَالإِسْلَامِ. بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدِّينَ الطَبِيعِيَّ يَسْتَوْعِبُ ظَاهِرَةَ الأَدْيَانِ الوَضْعِيَّةِ، وَيَصهَرُهَا فِي بُوتَقَتِهِ؛ دَاعِيًا إِلَى إِحْلَالِ الرُّمُوزِ الرُّوحِيَّةِ المُنتَخَبَةِ طَبِيعِيّـًا فِي المُجْتَمَعِ العَرَبِيّ، وَتَرْوِيضِ الكَائِنِ العَرَبِيّ عَلَيْهَا رِيَاضَةً تَجْعَلُهَا طَبْعًا فِيهِ لَا غَرِيزَةً. وَبِهَذَا تَحُلُّ القَوْمِيَّةُ المُتَرَوِّضَةُ طَبِيعِيّـًا، مَحَلَّ الدِّينِيَّةِ المَأزُومَةِ عَصَبِيّـًا. فَلَا الدِّين يُغَلُّ وَلَا هُوَ يُسْتَغَلُّ. إِنَّـهَـا القَوْمِيَّةُ الَّتِي تَــسْــتَخْرِجُ عَنَـاصِرَهَـا مِن كِيَـانِ الأُمَّةِ وَمِن بِيئَتِهَا الذَّاتِيَّةِ؛ فَهِيَ وَاقِعٌ مَادِّيٌّ وَرُوحِيٌّ وَتَارِيخِيٌّ، وَلَيْسَتْ وَضْعًا يَجِدُ القَابِلِيَّةَ فِي كُلِّ مُجْتَمَعٍ لِلتَّطْبِيقِ عَلَى شَاكِلَتِهِ.
وَهَكَذَا اسْتَمَرَّ العَلَايلِيُّ فِي الكِتَابَةِ بِاسْتِمرَارِ الدَّوَاعِي وَالحَوَافِزِ؛ فَأَلَّفَ كِتَابَهُ "العَرَب فِي المُفْتَرَق الخَطِر" عَلَى إِثْرِ الحَوَادِثِ الَّتِي عَصَفَتْ فِي السَّاحَةِ العَرَبِيَّةِ إِبَّانَ الخَمسِينِيَّاتِ مِنَ القَرْنِ المَاضِي؛ لِيَكُونَ بِمَثَابَةِ هَاتِفٍ يَقُولُ لِلْعَرَبِ: لَا تخْطِئُوا الطَّرِيقَ. وَمُحَدِّدًا المُنطَلَقَ مِن كَوْنِ الوَاقِعِ يُفَلْسِفُ الفِكْرَ وَلَيْسَ العَكس.
وَلَمَّا كَانَ الدِّين مِن وِجْهَةِ نَظَرِ العَلَايلِيّ ذَا قِنَاعٍ ترَّهِيٍّ "مِيثِيٍّ"؛ لَا هُوَ هُوَ، وَلَا هُوَ غَيْرُهُ؛ اهْتَمَّ بِالإِضَاءَةِ عَلَى ترَّهِيَّاتِ "مِيثِيَّات" العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَمَا تَرَسَّبَ مِنهَا وَتَسَرَّبَ إِلَيْهِ بَعْدَهُ؛ فَأَفْرَدَ مَقَالَاتٍ، وَمَلَاحِقَ مُعْجَمِيَّةً خَاصَّةً بِهَا؛ لِتَكُونَ هَادِيَةً لِلْبَاحِثِينَ الإِنثْرُوپُولُوجِيّينَ؛ وَلَا سِيَّمَا فِي مَجَالِ عِلْمِ الاجْتِمَاعِ الدِّينِيّ إِلَى فَهْمِ ظَاهِرَةِ نَشْأَةِ الدِّينِ فِي المُجْتَمَعِ العَرَبِيّ.