اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الفَتحُ الإسلَامِيُّ لِمَا وَرَاءَ النَّهرِ أو الغَزْوُ الإسْلَامِيُّ لِمَا وَرَاءَ النَّهرِ (بِالفارسيَّة: فَتْحِ ماوَراءَالنَّهرْ تَوَسُّطِ مُسَلْمانانْ أو فَتْحِ وَرارود تَوَسُّطِ مُسَلْمانانْ؛ وبِالتُركيَّة: Müslümanların Maveraünnehir"i fethi)، وفي بعض المصادر ذات الصبغة القوميَّة خُصُوصًا يُعرفُ هذا الحدث باسم الفَتْحُ العَرَبِيُّ لِمَا وَرَاءَ النَّهرِ (بِالفارسيَّة: فَتْحِ ماوَراءَالنَّهرْ تَوَسُّطِ اَعْرابْ)، هو سلسلة من الحملات العسكريَّة التي قام بها المُسلمون لِفتح بلاد ما وراء النهر تحت راية الخلافة الأُمويَّة أولًا، ثُمَّ تحت راية الخِلافة العبَّاسيَّة بعد انتقال الأمر إلى بني العبَّاس. وبلادُ ما وراء النهر المقصودة هي تلك البلاد والأقاليم الواقعة وراء نهر جيحون، الذي شكَّل تاريخيًّا الحد الفاصل بين الأقوام الناطقة بِالفارسيَّة والتُركيَّة، أي إيران وطوران. كانت بدايات تلك الفُتُوح تهدف إلى القضاء على فُلُول الفُرس الساسانيين الذين التجأوا إلى الإمارات التُركيَّة التابعة أو المُجاورة لِإمبراطوريَّتهم السابقة، والحيلولة دون أن تقوم لهم قائمة بعد ذلك كي لا يُهاجموا المُكتسبات الإسلاميَّة في فارس، وقد بدأت أولى تلك الحملات في خِلافة عُمر بن الخطَّاب عندما فرَّ يزدجرد الثالث شاه فارس من أمام المُسلمين والتجأ إلى خاقان التُرك يستنصره، فتعاون الرجُلان في مُقاومةٍ فاشلة حيثُ جنَّدا جيشًا وهاجما المُسلمين في خُراسان. وانتهى الأمر بفض هذا الحلف وانسحاب خاقان التُرك إلى بلاده مُقتنعًا بما تناهى إلى أسماعه من أنَّ المُسلمين لن يعبروا نهر جيحون، بناءً على تعليمات عُمر.
بعد انقضاء عهد الخُلفاء الراشدين، انشغل المُسلمون لِفترةٍ طويلةٍ بِالفتن والاضطرابات المُتلاحقة التي اجتاحت النصف الشرقي من الدولة الإسلاميَّة، الأمر الذي لم يسمح لهم بِالتوسُّع في فُتُوحاتهم، ولم يتغيَّر الوضع حتَّى تولَّى عبد الملك بن مروان الخِلافة سنة 65هـ المُوافقة لِسنة 685م. ففي عهد الخليفة المذكور تحققت بعض الفُتُوحات في بلاد ما وراء النهر بِفضل قُوَّة الدولة المُختزنة، على أنَّ تلك الفُتُوح لم تكن كبيرة بِسبب أنَّ السياسة الخارجيَّة التوسُعيَّة على الجبهة الشرقيَّة كانت آخر اهتمامات عبد الملك لانصرافه إلى مُعالجة القضايا الداخليَّة، فكان الجُمُود هو الطابع العام لِسياسة الفتح في ذلك الوقت. ولم تنشط فُتُوحات ما وراء النهر إلَّا مُنذُ أن تولَّى الحجَّاج بن يُوسُف الثقفي ولاية خُراسان مع العراق في سنة 78هـ المُوافقة لِسنة 697م، فولَّى خُراسان المُهلَّب بن أبي صفرة، الذي غزا مع أبنائه بلاد ما وراء النهر خاصَّةً مدينة كش، والختل وريخش، وتابع أبناؤه بعد وفاته سياسة الجهاد هذه، إلَّا أنَّ فُتُوحات المُسلمين لِهذه المنطقة لم تأخذ مظهرها الجدِّيّ إلَّا عندما ولَّى الحجَّاج، قُتيبة بن مُسلم الباهلي ولاية خُراسان في سنة 86هـ المُوافقة لِسنة 705م. ولقد مرَّت خُطوات قُتيبة بن مُسلم في فتح بلاد ما وراء النهر - على مدى عشر سنوات (86-96هـ) - عبر مراحل أربع، حقق في كُلٍ منها فتح ناحية واسعة فتحًا نهائيًّا، وثبَّت أقدام المُسلمين والإسلام فيها. وبوفاة قُتيبة بن مُسلم توقفت فُتُوحات المُسلمين على هذه الجبهة عند الحد الذي تركها هو عليه، ذلك أنَّ باقي العُمَّال الذين تلوه قضوا عهودهم يُثبتون أقدام المُسلمين في المناطق المفتوحة ويعملون على وأد الفتن والانتفاضات القائمة فيها. ولم تُستأنف حركة الفُتُوحات في هذه الناحية من العالم إلَّا بعد انهيار الدولة الأُمويَّة وقيام الدولة العبَّاسيَّة على أنقاضها، فحمل أبي مُسلم الخُراسانيّ على أطراف الصين بناءً على أمرٍ من الخليفة أبي جعفر المنصور لاستعادة هيبة المُسلمين في تُركستان، التي تراجعت بسبب انشغال هؤلاء بِالحركة العبَّاسيَّة والنزاع بين البيتين العبَّاسي والأُموي، الذي أفضى إلى سُقُوط الدولة الأُمويَّة. شكَّلت معركة نهر طلاس بين المُسلمين والصينيين آخر حدٍ وصلتهُ الفُتُوحات في ما وراء النهر، فأنهت نُفُوذ الصين في تلك البلاد، التي اصطبغت بِالصبغة الإسلاميَّة مُنذُ ذلك الحين، ودخلت في ديار الإسلام.
وفي الحقيقة فإنَّ ميدان ما وراء النهر كان من أشد الميادين قتالًا بِالنسبة لِلمُسلمين، فلم يكن هُناك من دار حربٍ أشدُّ من بلاد التُرك آنذاك. ومن الجدير بالذكر أن التُرك الذين واجههم المُسلمون في هذه البلاد كانوا أجناسًا، وكان أوَّل جنسٍ قابلوه هو جنس الهياطلة (الهون)، ومنهم عدَّة قبائل سكنت في الجنوب عُرفت بالزابليين، وقد استقروا في إقليم زابلستان، وأعطوه اسمهم. كما كان هناك التُرك البختيون، ويسمون في غير العربيَّة باسم «البكتريين» نسبة إلى إقليم باخترية أو باكترية الذي سكنوه. وعندما دخل المُسلمون في صراعٍ مع التُرك قاتلوا البختيين في نفس الوقت الذي قاتلوا فيه الهياطلة، وكلا الفريقين ينتمي إلى الأتراك الغزيَّة (الأوغوز). كان من نتائج هذه الفُتُوحات أن دخلت أغلب قبائل التُرك في الإسلام، وأصبح هؤلاء - بِمُرور الوقت - إحدى أكبر العرقيَّات المُسلمة في العالم، إلى جانب العرب والفُرس والبربر وغيرهم. كما أصبحت تلك البلاد إحدى أبرز المراكز الحضاريَّة والثقافيَّة الإسلاميَّة في العصر العبَّاسي، وخرج منها مئات العُلماء والفلاسفة والأُدباء، وشكَّلت العديد من مُدُنها مراكز علميَّة وحضاريَّة، مثل بُخارى وسمرقند ومرو وسرخس وغيرها.
قُتل ثالث الخُلفاء الراشدين عُثمان بن عفَّان في 18 ذي الحجَّة سنة 35هـ المُوافق فيه 17 حُزيران (يونيو) 656م، على يد بعض الثائرين الذين كانوا مُستائين من عُمَّاله على الولايات وطريقة إدارته لِلأُمور، وفق ما تُشير إليه مُعظم المراجع العربيَّة والإسلاميَّة، وقد أثقلت هذه الحادثة الخطيرة خِلافة عليّ بن أبي طالب، الذي بُويع بعد عُثمان، بالتبعات الكبيرة والمشاكل الداخليَّة الكثيرة. وكان لا بُدَّ أن تُؤثِّر فتنة مقتل عُثمان وما تلاها من الأحداث في نشاط الفُتوح الإسلاميَّة، إذ لم يكن من الميسور لِلقادة والجُند أن يستمرّوا فيما كانوا آخذين فيه من فُتوح بعد أن شبَّت نيران الفتنة بين المُسلمين، ولا شكَّ أنَّ الإمدادات قد انقطعت عنهم، وتوقعوا أن تحول حُروب الدَّاخل دون إرسال الجُند إلى الأطراف، فتركوا ما بِأيديهم، ولبث بعضهم حيثُ هو ينتظر نتيجة الصراع المُحتدم، وعاد البعض إلى الحجاز والشَّام والعراق لِيُسهم بِنصيبٍ في هذه الفتنة العنيفة. واستمرَّت حركة الفُتوح مُتوقفة طيلة ست سنواتٍ تقريبًا (35 - 41هـ)، وهي الفترة التي ظلَّت خلالها الفتنة قائمة بين المُسلمين، وخِلال هذه الفترة انتفضت بعض مناطق خُراسان وأطراف ما وراء النهر المفتوحة ضدَّ المُسلمين، وكانت مدينة بلخ من المُدن الخُراسانيَّة التي انتفضت حينذاك. تولَّى الإمام عليّ بن أبي طالب الخِلافة بعد عُثمان، وقُتل في العُشر الأواخر من شهر رمضان (وقيل في السَّابع عشر منه) سنة 40هـ، المُوافق في أوائل سنة 661م، على يد الخارجي عبد الرحمٰن بن ملجم، وعلى أثر المُفاوضات التي جرت بين الحسن بن عليّ ومُعاوية بن أبي سُفيان، خلع الحسن نفسه من الخِلافة وسلَّم مُعاوية أمر المُسلمين، وبُويع الأخير بعد ذلك من قِبل الناس، وعُرف هذا العالم بِعام الجماعة لاجتماع الأُمَّة فيه على خليفةٍ واحد. وكان طبيعيًّا أن تعود الفُتوح سيرتها الأولى بعد استقرار الأُمور لِمُعاوية، لأنَّ أنصاره ورجاله كانوا هُم قادة الجُنود ورجال الفُتوح الذين كانوا يترقبون الفُرصة للعودة إليها، وأعان على ذلك أنَّ جُلَّة هؤلاء أصبحوا أعلام الدولة الجديدة، فوجد الأُمويّون في ردِّهم إلى الولاية والقيادة شيئًا من حُسن الجزاء الذي استحقوه بما نصروا قضيَّتهم وأعزوا جانبهم، وإلى هذا تُعزى بعض أسباب النشاط الواسع المدى الذي أبدته الدولة الأُمويَّة في دور الفُتوح الثاني.
لمَّا استقرَّت الأُمُور في عهد مُعاوية بن أبي سُفيان، بدأ المُسلمون يستطلعون بلاد ما وراء النهر عن طريق إرسال السرايا والبُعُوث، كما فعلوا في مُعظم فُتُوحاتهم، ولِكي يُمهدوا لِفتحها اتخذوا مرو الشاهجان قاعدةً لِلفتح، في خُراسان المُقابلة لِبلاد ما وراء النهر، بحيثُ كانت المدينة المذكورة أشبه بِالثغر، فأنزلوها جُنُودهم مُنذُ سنة 45هـ المُوافقة لِسنة 665م. وفي السنة المذكورة، عيَّن مُعاوية بن أبي سُفيان زياد بن أبيه واليًا على العراقين (عراق العرب وعراق العجم)، فعيَّن الأخير الحكم بن عمرو الغفاري عاملًا على خُراسان وجعل معهُ رجالًا على كُورٍ مُتعددة، وأمرهم بطاعته وجباية الخِراج، وفي سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م، غزا الحكم طُخارستان مُجددًا فغنم غنائم كثيرة، ثُمَّ سار إلى جبال الغُور بين هراة وغزنة وغزا أهلها الذين ارتَّدوا عن الإسلام، فأخذهم بِالسيف عنوةً وفتحها وأصاب منها مغانم كثيرة. وغزا الحكم بعض جبال التُرك بِثُغُور خُراسان بما فيها جبل الأشل، إلَّا أنَّ التُرك سيطروا على شعاب وطُرق الجبل المذكور فحاصروا المُسلمين فيها ولم يُمكنوهم من الخُروج، فاحتار الحكم بِالأمر ولم يتمكن من إخراج جُنُوده من هذا المأزق، فولَّى أحد دُهاة المُسلمين شؤون الحرب، وكان هذا الرجل هو المُهلَّب بن أبي صفرة الأزدي، فنصب فخًا استدرج إليه أحد القادة التُرك عن طريق الخدعة وأسره، وهدَّده بِالقتل إن لم يُخرج المُسلمين من هذا الضيق، فنصحهم بإشعال النيران في إحدى الطُرق وتسيير الأثقال نحوه، ففعل ذلك، مما جعل قبائل التُرك المُحاصرة تتوجه نحو ذلك الطريق أملًا بِالقضاء على الجيش الإسلامي، فباغتوهم وخرجوا من الجبل من طريقٍ آخر قبل أن يُدركوهم، فسلموا بما معهم من الغنائم. وفي سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م، قطع الحكم نهر جيحون وعبر إلى ما وراء النهر، فكان أوَّل قائدٍ مُسلمٍ يعبره، وكان أوَّل من شرب من مائه هو أحد موالي الحكم ، فقد اغترف بِترسه من ماء النهر، فشرب وناول الحكم فشرب وتوضَّأ وصلَّى ركعتين، فكان أوَّل من فعل ذلك من المُسلمين. ومن الواضح أنَّ فتح الصغانيان كان سنة 48هـ المُوافقة لِسنة 668م أو سنة 49هـ المُوافقة لِسنة 669م، لِأنَّ الحكم رجع من غزو جبال الغور سنة 47هـ المُوافقة لِسنة 667م، ومات سنة 50هـ المُوافقة لِسنة 670م على أرجح الأقوال، فكانت سنة ثمانٍ وأربعين الهجريَّة وتسعٍ وأربعين الهجريَّة هي المُدَّة التي بقيت من حياته لِلنُهُوض بِفتح الصغانيان، لِأنَّهُ قضى سنة خمسين الهجريَّة - آخر سنيّ حياته - في غزو جبل الأشل، فلمَّا عاد من غزوته هذه مات. أضف إلى ذلك، قال الإمام عبدُ الله بن المُبارك المروزي لِرجُلٍ من أهل الصغانيان: «مَن فَتَحَ بِلِادِك؟»، فقال الرجُل: «لا أدري»، فقال ابنُ المُبارك: «فَتَحَهَا الحَكَمُ بْنُ عَمْرُو الغِفَارِيُّ».
وفي سنة 51هـ المُوافقة لِسنة 671م عيَّن زياد بن أبيه الربيع بن زياد الحارثي عاملًا على خُراسان وكلَّفه بِتوطيد أقدام المُسلمين والإسلام فيها، فنقل الناس عيالاتهم إلى خُراسان، ووُطِّنوا بها. وما أن وصل الربيع إلى خُراسان حتَّى قرَّر استرجاع ما تيسَّر لهُ ما بلاد ما وراء النهر التي خرجت عن الطاعة أثناء قيام الفتن الداخليَّة بين المُسلمين، فغزا مدينة بلخ أولًا وفتحها صُلحًا من جديد وأمَّن أهلها على أنفسهم ومُمتلكاتهم وأموالهم. ولمَّا كانت مدينة بلخ على الدَّوام باب بلاد ما وراء النهر الجنوبي، وكانت باستمرار عُرضةً لِهجمات التُرك القادمين من وراء النهر وممرهم نحو خُراسان لِيغزونها، لِذلك قرَّرت الخِلافة في دمشق فتح بلاد ما وراء النهر لِلدفاع عن بلخٍ بِخاصَّةٍ وخُراسان بِعامَّةٍ، لأنَّ الهُجُوم أنجح وسائل الدفاع، فكان أن أصبحت بلخ القاعدة المُتقدمة لِلمُسلمين في فتح بلاد ما وراء النهر. وفتح الربيع بن زياد قهستان عنوةً، وكانت بناحيتها أتراك، فقاتلهم وهزمهم. تُوفي زياد بن أبيه بِالكوفة سنة 53هـ المُوافقة لِسنة 672م، وكان قُبيل وفاته قد نقل حوالي 50,000 جُنديٍ مُسلمٍ من البصرة والكوفة وأسكنهم وعائلاتهم بِمرو لِجعلها قاعدة انطلاق فُتُوحاتٍ أُخرى نحو بلاد ما وراء النهر، ولِتعليم التُرك والفُرس حديثي الإسلام فيها مبادئ الدين الإسلامي وأُصُوله. وبعد وفاة زياد بن أبيه عيَّن مُعاوية بن أبي سُفيان عُبيد الله بن زياد بن أبيه عاملًا على خُراسان وأوصاه باستكمال عمل والده، فسار عُبيد الله من الشَّام في آخر سنة 53هـ المُوافقة لِسنة 672م مُتوجهًا نحو مقر ولايته الجديدة. وعندما وصل خُراسان سنة 54هـ، قطع النهر إلى جبال بُخارى على الإبل في أربعةٍ وعشرين ألفًا، فكان عُبيد الله أوَّل من قطع من المُسلمين جبال بُخارى في جُندٍ، ففتح «راميثن» و«نسف» وبيكند؛ فأرسلت خاتون ملكة بُخارى إلى التُرك تستمدهم، فجاءها منهم عددٌ كبير، فلقيهم المُسلمون وهزموهم بعد قتالٍ شديدٍ وانتصروا عليهم؛ فبعثت خاتون تطلب الصُلح والأمان، فصالحها عُبيد الله على ألف ألف درهم، ولم يفتتح بُخارى واكتفى بِفتح بيكند وعاد بِرجاله إلى خُراسان. وكان قتال عُبيد الله التُرك من المعارك التاريخيَّة الأبرز في تاريخ خُراسان، نظرًا لِبأسه الشديد ولِضُروب الشجاعة والمهارة التي أظهرها كُلٌ من المُسلمين والتُرك في ميدان القتال، فقد ذكر شاهدٌ عيان فقال: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ بأْسًا مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ! لَقِينَا زَحفُ التُّركِ بِخُرَاسَانِ، فَرَأَيتُهُ يُقَاتِلُ فَيَحمِلَ عَلَيهِمُ فَيَطعَنُ فِيهِمُ وَيَغِيبُ عَنَّا، ثُمَّ يَرفَعُ رَايَتِه تِقطِرُ دَمًا». وبقي عُبيد الله بِخُراسان سنتين، إذ ولَّاهُ مُعاوية البصرة سنة 55هـ، فقدم معهُ البصرة خلقٌ من أهل بُخارى بلغوا ألفان.
بعد عزل عُبيد الله بن زياد، ولَّى مُعاوية بن أبي سُفيان سعيد بن عُثمان بن عفَّان على خُراسان سنة 56هـ المُوافقة لِسنة 675م. وقدم سعيد خُراسان، فقطع نهر جيحون إلى سمرقند، فكان أوَّل من قطع نهر بلخ من العرب. وبلغ خاتون ملكة بُخارى عُبُور المُسلمين النهر، فحملت إلى سعيدٍ بن عُثمان الصُلح الذي صالحت عليه عُبيد الله بن زياد، فأقرَّه لها ولأهل مدينتها. خِلال تلك الفترة، تناهى إلى مسامع أهل الصُّغد وكش ونسف خبر عُبُور المُسلمين مُجددًا إليهم، فأقبلوا إليهم في مائة وعشرين ألفًا، فالتقوا بِبُخارى حيثُ أمل هؤلاء أن يرُدوا المُسلمين على أعقابهم نحو خُراسان. وتشجَّعت خاتون لمَّا رأت الجُمُوع مُحتشدةً لِقتال المُسلمين وندمت على أدائها الأتاوة ونكثت العهد؛ ولكنَّ بعض الجُمُوع المُحتشدة لِقتال المُسلمين انصرفوا، فتضعضعت معنويَّات الآخرين؛ فلمَّا رأت خاتون ذلك، أعادت الصُلح، فدخل سعيد مدينة بُخارى فاتحًا. وطلب سعيدٌ من خاتون أن تبعث إليه بِرهائن ضمانًا لِتنفيذ ما تصالحا عليه، فبعثت إليه بِثمانين من أعيان بلادها ممن كانوا على رأس الخارجين عليها، وممن تخشى غدرهم بها وتهديدهم لِعرشها، فتخلَّصت بِذلك من أشد أعدائها خطرًا على عرشها وحاضرها ومُستقبلها. بعد ذلك، سار سعيد بن عُثمان على رأس جيش المُسلمين، فغزا سمرقند، وأعانتهُ خاتون بِأهل بُخارى، فنزل على باب سمرقند وحلف ألَّا يبرح حتَّى يفتحها؛ فقاتل أهلها ثلاثة أيَّام، وكان أشدُّ قتالهم في اليوم الثالث حيثُ فُقئت عينُ سعيد. ولزم أهلُ سمرقند مدينتهم وقد كثُر فيهم الجرحى، فأتى رجلٌ منهم سعيد بن عُثمان ودلَّهُ على قصرٍ فيه أبناء مُلُوكهم وعُظمائهم، فسار إليهم وحاصرهم. وخاف أهلُ سمرقند أن يفتح سعيد ذلك القصر عنوةً ويقتل من فيه، فطلبوا الصُلح، فصالحهم على سبعُمائة ألف درهم، وعلى أن يُعطوه رهنًا من أبناء عُظمائهم، وعلى أن يدخل المدينة ومن شاء ويخرج من الباب الآخر، فأعطوه خمسة وعشرين من أبناء مُلُوكهم، ويُقال أنهم أعطوه أربعين، وقيل أيضًا ثمانين. وكان من بين القادة المُسلمين يومذاك: المُهلَّب بن أبي صفرة الأزدي وقُثم بن العبَّاس بن عبد المُطلب ابنُ عمِّ الرسول مُحمَّد وأكثر الناس شبهًا به، وهو آخر من طلع من لحده، وقد كان من جُملة المُسلمين الذين لقوا حتفهم خِلال حصار سمرقند، فدُفن بِالمدينة المذكورة ومازال ضريحة قائمًا فيها. وانصرف سعيد بعد ذلك إلى ترمذ ففتحها صُلحًا.
عزل مُعاوية بن أبي سُفيان عن خُراسان سعيد بن عُثمان بن عفَّان سنة 57هـ المُوافقة لِسنة 676م، وأُضيفت إلى ولاية عُبيد الله بن زياد وفق إحدى الروايات. وفي روايةٍ أُخرى، أنَّ مُعاوية ولَّى خُراسان عبد الرحمٰن بن زياد، فلم يصنع شيئًا في مجال الفتح، وكان ذلك سنة 59هـ المُوافقة لِسنة 678م. ومات مُعاوية وعلى خُراسان عبدُ الرحمٰن بن زياد، وتولَّى الخلافة بعده ابنه يزيد، فولَّى خُراسان وسجستان سنة 61هـ المُوافقة لِسنة 680م سَلم بن زياد بن أبيه. ولمَّا سار سلم إلى خُراسان، كتب معهُ يزيد إلى أخيه ع