اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أدى إبرام المعاهدة الأردنية البريطانية في 20 فبراير 1928 إلى موجة عارمة من الاحتجاج عمت المدن والقرى الأردنية في ربيع السنة نفسها. ونظمت المظاهرات في المدن، وأعلنت الاضرابات. ولعب طلبة المدارس دورا كبيرا في هذه الحملة الاحتجاجية، حتى ان مدير المعارف اصدر بلاغا عممه على المدارس هدد فيه كل تلميذ يشترك في الاعمال السياسية أو في المظاهرات أو يضرب عن الدوام بعقوبة الطرد والفصل من المدرسة. وقام زعماء البلاد والمتنورون فيها بارسال البرقيات إلى عصبة الأمم والحكومة البريطانية ، وسلطات الانتداب في فلسطين وشرقي الأردن، يستنكرون فيها إبرام المعاهدة، ويطالبون بما يلي:
وبلغ النشاط السياسي اوجه بالدعوة إلى عقد مؤتمر وطني عام في العاصمة للاتفاق على خطة للعمل الوطني المقبل. عقد المؤتمر الوطني الأردني الأول في مقهى حمدان في عمان فی 25 يوليو 1928. وحضره حوالي مئة وخمسين مندوبا من الزعماء المثقفين الأردنيين. وانتخب المؤتمر حسين باشا الطراونة رئيسا له، كما انتخب لجنة تنفيذية له مثلت العاصمة وألوية الأمارة الأربعة على النحو التالي:
وتبني المؤتمر ميثاقا وطنيا ظل لسنوات عديدة منهاجا سياسيا للمعارضة الوطنية واشتمل الميثاق على البنود التالية:
قدم وفد من المؤتمر هذا الميثاق إلى الامير عبد الله الذي سلمه بدوره إلى المعتمد البريطاني في عمان هنري كوكس، وقام الأخير بالرد على ما جاء في الميثاق في 15 أغسطس 1928. مبينا ان الإدارة الحالية هي خلاصة تجربة تمت بعمل شاق حتى بلغت ما هي عليه من الكفاءة والجدارة، وأن التقدم نحو الحكم النيابي لا يتم الا بعد أن يبرهن الشعب على قدرته لتحمل مسؤوليات أكبر.
وجرى لقاء بين رئيس المؤتمر الوطني والمعتمد البريطاني تباحثا اثناءه في المطالب الوطنية، وتلا هذا اللقاء اجتماع للجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني تداولت فيه ما جرى من حديث بين رئيس المؤتمر والمعتمد البريطاني وجواب المعتمد البريطاني. وصدرت مذكرة عن اللجنة في 16 أغسطس 1928، تضمنت توكیدا بأن اعضاء المؤتمر الرسمي الأردني هم «ممثلوا الأمة الحقيقون في رغائبها ومطالبها الوطنية الحقة»، وأن قرار المؤتمر مبني علی مبدأين هما الفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية ، وتأليف حكومة وطنية حائزة على صفة الشعب وثقة الامير معا، والمبدأ الأخير حق للشعب باعتبار أن « الحكومة التي لا تحوز على ثقة الشعب، لا يمكن العمل والاركان اليها ».
وردت اللجنة التنفيذية في مذكرتها على مزاعم المعتمد البريطاني بأن الشعب الأردني لم يبلغ بعد المستوى اللازم لتحمل مسؤوليات الحكم النيابي، وعبرت المذكرة عن رغبة المعارضة الوطنية في التفاهم مع المعتمد البريطاني: « نحن نعتقد ، يا سعادة المعتمد، بأن بعض القابضين على زمام الأمور هنا هم الذین وسعوا شقة الخلاف بينكم وبين الشعب، وصوره لكم على غير صورته الحقيقية، وجعلوكم تعتقدون بأن البلاد وأهلها في حالة جهل مطبق، ليخلوا لهم الجو، ومثل هؤلاء ليسوا بأهل جدارة وكفاءة في ادارة الحكومة وتقدير مصالح البلاد».
وطالبت اللجنة التنفيذية في مذكرتها بتخفيض مخصصات دار الأعتماد البريطاني وقوة حدود شرقي الأردن ورواتب الموظفين المعارين ونفقات الجيش، رأفة بأحوال البلاد ومواردها الشحيحة، وطالبت ايضا « بتطبيق مبدأ المسؤولية المشتركة على مجلس النظار الذي يحكم الدوائر الحكومية، وتسليم مقدرات البلاد لأهلها».
وقد رد المعتمد البريطاني على هذه المذكرة بكتاب مؤرخ في 22 أغسطس من السنة نفسها، يبين فيه أن القانون الأساسي الأردني الصادر في 26 نیسان 1928 يكفل تحقيق المطالب الواردة في مذكرة اللجنة التنفيذية وأوضح الفصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية كما يلي:
اجتمعت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني، ودرست كتاب المعتمد البريطاني، وردت عليه بمذكرة طويلة، بينت فيها وجهة نظرها في الانتداب وعدته مساعدة نزيهة لصالح الشعوب، عملا بروح عهد جمعية الأمم ومبادئ الرئيس ولسون التي اعترف بها الحلفاء رسميا والوعود الخاصة المقطوعة للعرب، بحيت تحدد تلك السعادة بموجب اتفاقيات تعد على اساس الحقوق المتقابلة والمنافع المتبادلة ». واستناد إلى وجهة النظر هذه تری اللجنة التنفيذية « أن نظام الحكم الأردن يجب ان يقوم على اساس الاعتراف بجهاد العرب وحق تقرير مصيرهم وعلى قواعد حق الامة الاساسي بالسيادة والاستقلال قبل اي اعتبار اخر».
وانتقدت اللجنة التنفيذية رأي المعتمد البريطاني القائل بكفاءة الحكومة وجدارتها، ووصفت الاختلال الإداري والتدهور الذي وصلت اليه البلاد ظهرت آثارهما فيما يلي:
تضايقت حكومة حسن خالد من نشاط اللجنة التنفيذية، ودعا سكرتير الحكومة عارف العارف كل من حسين الطراونة، رئيس اللجنة، وطاهر الجقة، سكرتيرها العام، وطلبت منها الكف عن النشاط المعادي للحكومة وحل اللجنة التنفيذية، باعتبار أن المؤتمر الوطني حزب سياسي غير مرخص له بالعمل. فما كان منهما إلا ان عادا إلى اللجنة التنفيذية وعقدا اجتماعا لها، أسفر عن توجيه كتاب إلى السكرتير العام للحكومة اكدت فيه ان المؤتمر الوطني " ليس من الأحزاب السياسية التي يمكن التسلط عليها والضغط على حريتها، فضلا عن انه لا يمكن فضها الا بالاستناد إلى اسباب قانونية وفي ظروف استثنائية". وطلبت اللجنة في كتابها ان تبلغ رسميا بارادة الأمير بحل المؤتمر الوطني ليمكن لها أن تجيب الأمة التي انتدبتنا وأيدتنا بأننا منعنا من السير في اعمالها ورغائبها لتكون على علم من ذلك، فنكون تخلصنا من المسؤولية الادبية
وحاولت اللجنة التنفيذية الاستنجاد بالرأي العام الأردني والرأي العام العربي لمساندتها في نشاطها السياسي، فنشر علي نیازي التل، معتمد اللجنة التنفيذية، كتابا مفتوحا إلى المجلس التشريعي الأردني على صفحات جريدة الكرمل، اتهم المجلس التشريعي بالخضوع لإرادة المستشارين الإنجليز في البلاد، واصدار قوانین وأنظمة تحجب حرية القول وحرية النشر وحرية التصرف، مثل قانون صيانة الأسلاك والمزروعات وقانون العقوبات المشتركة وهي " قوانین استعباد واستعمار، ولا تنطوي صحائفها على شيء من العدل وحفظ حقوق الاهلين". وانتقد التل قانون انتخاب المجلس التشريعي لأنه يفرق بين الأردنيين ويقسمهم إلى مسلمين ومسيحيين وشراكسة وبدو .
أدلى حسين الطراونة، رئيس المؤتمر الوطني بتصريحات مماثلة لجريدة فلسطين في 9 أکتوبر 1928
اغتنمت اللجنة التنفيذية زيارة المندوب السامي البريطاني السير جون تشانسیلور لعمان في 12 ديسمبر 1928 وقدمت اليه مذكرة تضمنت احتجاجها على المعاهدة الأردنية - البريطانية، وعلی تدخل المعتمد البريطاني في شؤون الحكومة، وعلى قانون انتخاب اعضاء المجلس التشريعي الصادر في الأول في أغسطس 1928، کما تضمنت استنكار اللجنة للقوانين الجائرة والتدابير التي اتخذتها الحكومة الأردنية بحق الزعماء المخلصين وفساد الإدارة.
قاد أعضاء المؤتمر الوطني الأردني الأول حملة واسعة في البلاد لمقاطعة انتخاب المجلس التشريعي الأول وانتقدوا بشدة قانون الانتخاب وكيفية تنفيذه من قبل الحكومة والتعديلات العديدة التي اجريت عليه.
وردت الحكومة على نشاط المعارضة باعتقال عدد من قادتها وفرضت على بعضهم الإقامة الجبرية. وجردت بعضهم الاخر من ألقاب الباشوية التي كانوا يحملونها مثل راشد الخزاعي. وقطعت الاكرامية الشهرية المخصصة لحسين الطراونة. وسنت القوانين الزجرية مثل قانون منع الجرائم الصادر في 7 سبتمبر 1928 وقانون العقوبات المشتركة في 9 سبتمبر 1928، وقانون النفي والابعاد في 8 اكتوبر من السنة نفسها. وفرضت الحكومة رقابة شديدة على الصحف المحلية، وعطلت بعضها ومنعت العديد من الجرائد الفلسطينية والسورية من دخول البلاد.
حاولت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني الأول عرقلة الانتخابات التشريعية بمقاطعتها. حتى أذا اجريت سعت إلى بیان عدم شرعيتها وعقدت لهذه الغاية اجتماعا في عمان في 11 مارس 1929، اسفر عن عدد من القرارات التي كررت فيها رفضها للمعاهدة الأردنية - البريطانية، وعدم اعترافها بالمجلس التشريعي المنتخب لأنه في نظرها لا يمثل بلاد شرق الأردن في شيء، بل هو يمثل اشخاص اعضائه فقط". واستنادا إلى ذلك لا تعبر قرارته " عن رغائب الامة ولا تلزم البلاد في شيء، بل تعتبر قراراته جزءا من اجزاء التسلط البريطاني غير المشروع". وتمسكت اللجنة بالميثاق الوطني الذي صدر عن المؤتمر
وأصدرت اللجنة التنفيذية كتابا بعنوان " الكتاب الأسود في القضية الأردنية العربية " طبعته في دار الايتام الاسلامية في القدس في مارس 1929. وهو عبارة عن ملف كامل للمعارضة الأردنية للانتداب والمعاهدة والقانون الأساسي.
ولما عقد المجلس التشريعي الأردني الأول أول جلساته في الأول من أبريل 1929، أصدر رئيس المؤتمر الوطني الأردني الأول نداء إلى اهالي شرقي الأردن، أعلن فيه عدم الاعتراف بشرعية المجلس وبما يصدر عنه من قرارات إذا كانت مخالفة للميثاق الوطني الأردني، وندد بالمعاهدة الأردنية - البريطانية، وبين مضارها على شرقي الأردن.
ورأى الأعضاء العاملون في المؤتمر الوطني الأردني ان يضفوا على عملهم الصفة الشرعية، فقرروا تشكيل حزب باسم "حزب اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الأردني"، هدفه تنفيذ بنود الميثاق الوطني. وأبلغوا الحكومة بذلك في العاشر من إبريل 1929، وتألفت هيئة الحزب الادارية من حسين الطراونة رئيسا، هاشم خیر نائبا للرئيس، وطاهر الجقة سكرتيرا، وسليم البخيت امينا للصندوق وایوب فاخر محاسبا، وسلیمان السودي الروسان، ونمر الحمود، ومصطفى المحيسن، وعلي سيدو الكردي اعضاء.
تمكن بعض اعضاء المؤتمر الوطني من الفوز بمقاعد المجلس التشريعي الأول، بعد أن خرجوا على قرار اللجنة التنفيذية بمقاطعة الانتخابات، وكان من أبرز هؤلاء شمس الدين سامي ونجيب الشريدة ونجيب أبو الشعر. وقاد هولاء المعارضة السياسية في المجلس التشريعي. وقاوموا بشدة التصديق على المعاهدة الأردنية - البريطانية. كما عارضوا امتیاز روتنبرغ وامتياز املاح البحر الميت.
وقد حرص الأمير عبد الله على اقامة صلات الود مع المعارضة السياسية، لأن المعارضة لم تتخل عن ولائها له والتمسك به رئيسا للدولة الأردنية. وقد امتدح الأمير المعارضة في خطاب القاه في جمع من السياسيين وزعماء البلاد في عمان بمناسبة مغادرته العاصمة الأردنية لزيارة والده الملك حسين في قبرص في يوليو 1929. قال الأمير :
وقد احتفلت اللجنة التنفيذية للمؤتمر الأردني بنواب المعارضة في المجلس التشريعي بعمان في الثاني من أغسطس 1929، ودعت إلى هذا الاحتفال عددا من الشخصيات السياسية والفكرية المرموقة في فلسطين وسوريا ومصر. وقد القى طاهر الجقة وسليم البخيت وسعيد العاص وفایز سبع العيش ونجيب أبو الشعر خطب حماسية في هذا الاحتفال.