اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمَّا قُتل عُمر بن الخطَّاب سنة 23هـ المُوافقة لسنة 644م، نقض أهل خُراسان العهد الذي كان بينهم وبين المُسلمين وغدروا بهم، فأرسل الخليفة الجديد عُثمان بن عفَّان والي البصرة عبدُ الله بن عامر بن كُريز العبشمي إلى خُراسان لاستعادة فتحها، فقام بهذه المُهمَّة بِمُساعدة الأحنف بن قيس التميمي سنة 31هـ المُوافقة لِسنة 651م، وفتح بعض مُدن خُراسان عنوةً وبعضها الآخر صُلحًا. وكان لا بُد لابن عامر أن يُؤمِّن مكاسب المُسلمين في هذه البلاد ويحول دون أي انتفاضات جديدة، فأرسل الأحنف بن قيس إلى طُخارستان في سنة 32هـ المُوافقة لِسنة 652م لفتح ما تيسَّر من بلادها وتأمين مُقدمة ديار الإسلام. فسار الأحنف على رأس جيشٍ كبير فمرَّ بِرُستاقٍ من رُساتيقُها يُدعى «سوانجرد» وضرب الحصار عليه، وعندما شدَّد الحصار تقدَّم الأهالي بِطلب الصُلح، فصالحهم الأحنف على ثلاثمائة ألف درهم، وقال لهم: «أُصَالِحُكُم عَلَى أَن يَدخُلَ رَجُلٌ مِنَّا القَصرَ فَيُؤَذِّنَ فِيهِ ويُقِيمُ فِيكُم حَتَّى يَنصَرِف»، فرضوا بِذلك، وكان الصُلح على جميع الرستاق الذي عُرف مُنذُ ذلك الوقت بِـ«قصر الأحنف». ومضى الأحنف إلى مرُّو الروذ فقاتلهُ أهلها، فهزمهم وحصرهم، ولمَّا رأى مرزبانُها أنَّ لا طاقة لهُ بِقتال المُسلمين كتب إلى الأحنف يطلب الصُلح، فصالحهُ على ستُمائة ألف درهم. وسيَّر الأحنف سريَّةً فاستولى على رستاق «بغ» وصالح أهله، واستاق منهُ مواشي. ولم يلبث أهالي بعض المُدن المفتوحة إلَّا أن نقضوا العهد مع المُسلمين مُجددًا، فجمع لهم أهل طُخارستان وجاءهم أهل الجوزجان والطالقان والفارياب، وانضمَّ إليهم أهل الصغانيان من وراء النهر، فبلغوا ثلاثين ألفًا. ولمَّا بلغت مسامع الأحنف أنباء هذا الجمع العظيم، أعلن حالة الاستنفار القُصوى في الجيش الإسلامي الذي بلغ تعداده خمسة آلاف مُقاتل، وسار حتَّى التقاهم، فتقاتل الطرفان قتالًا شديدًا استمرَّ مُنذُ صلاة العصر حتَّى ذهب عامَّة الليل، واستمرَّت المعركة بِضراوةٍ وعُنفٍ شديدين قاتل خلالها الأحنف قتالًا عنيفًا، فقتل من الأعداء ثلاثة ممن معهم الطُبُول، وهاجمهُ ملك الصغانيان يُريدُ قتله، فأهوى لهُ بِالرُمح، فانتزع الأحنف الرُمح من يده وطرحهُ أرضًا، فلاذ بِالفرار وانسحب معهُ أغلب الجيش، واتجه أغلبهم إلى مدينة «رسكن»، وهي على بُعد اثنيّ عشر فرسخًا من قصر الأحنف، فيما لحق بعضهم الآخر بِالجوزجان. رأى الأحنف أن يقسم الجيش لِيقضي على فُلُول الأعداء المُنهزمين الذي تشتتوا في أكثر من جهة، ويفتتح بلادهم بشكلٍ أسرع، فوجَّه الأقرع بن حابس بن عُقال التميميّ في خيلٍ إلى الجوزجان، وقال: «يَا بَنِي تَمِيمٍ، تَحَابُّوا تَجتَمِعْ كَلِمَتُكُم، وَتَبَاذَلُوا تَعتَدِلْ أَموَالَكُم، وابدَؤُوا بِجِهَادِ بُطُونِكُم وَفُرُوجِكُم يُصلِحْ لَكُم دِينَكُم، وَلَا تَغلُّوا يَسلمْ لَكُم جِهَادِكُم». فسار الأقرع فلقيَّ العدُوُّ بِالجوزجان، فهُزم المُسلمون بدايةً، ثُمَّ عادوا فهزموا الجيش الآخر وفتحوا الجوزجان عنوةً، فيما كان الأحنف في ذلك الوقت يفتتح الطالقان صُلحًا، كما فتح الفارياب. ثُمَّ سار الأحنف إلى بلخ عاصمة طُخارستان فصالحهُ أهلها على أربعمائة ألف درهم، وقيل سبعمائة ألف، واستعمل على بلخ أسيدًا بن المُتشمِّس بن مُعاوية التميمي، ثُمَّ سار إلى خوارزم وحاول فتحها، فلم يقدر عليها، فقرر - بعد استشارة أصحابه - العودة إلى بلخ. ولمَّا تمَّ لابن عامر هذا الفتح، قرَّر الذهاب إلى مكَّة لِأداء العُمرة شُكرًا لِله، واستخلف على خُراسان قيس بن الهيثم السلمي، فسار قيسٌ بعد شُخوصه في أرض طُخارستان فلم يأتِ بلدًا منها إلَّا صالحهُ أهلها وأذعنوا له، حتَّى أتى سمنجان فامتنعوا عليه، فحاصرهم حتَّى فتحها عنوةً.