اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عملت الإدارة المركزيَّة الإسلاميَّة في دمشق ومن بعدها بغداد على تطوير وتعزيز التحصينات في مُدن بلاد ما وراء النهر نظرًا لِوُقُوعها على حُدود البلاد غير المُسلمة التي ما زالت ديار حربٍ بِالنسبة لِلمُسلمين، ولأنَّ القبائل التُركيَّة الشماليَّة والجُيُوش الصينيَّة أثبتت أنها ستستمر بالإغارة على تلك النواحي في سبيل إعادة ضمها إلى ممالكها كُلما سنحت لها الفُرصة وكُلما انشغلت عنها الخِلافة لِسببٍ ما. ويبدو أنَّ الوُلاة والقادة المُسلمين قد نقلوا قسمًا من التحصينات والأفكار العسكريَّة التعبويَّة والميدانيَّة من الشَّام حيث الثُغُور البيزنطيَّة وطُرُق بنائها وهندستها، وكيفيَّة توزيع المُقاتلين فيها، وأساليب القتال والتعرُّض وتعويق القوى المُهاجمة، وإنذار القوى العسكريَّة الإسلاميَّة الرئيسة، لأنَّ لهم تجربة فريدة اكتسبوا من خلالها خبرة عالية في هكذا مناطق جبليَّة مُتشابهة ومُعقَّدة التضاريس، إلى أساليب التحصينات العسكريَّة حيثُ الربط في بلاد ما وراء النهر، كما ونقل البعض الآخر من الوُلاة في بلاد ما وراء النهر خطط المدينة الإسلاميَّة، ولا سيَّما في التركيب الداخلي للمدينة، من مُدن البصرة والكُوفة والفسطاط، فضلًا عن المُدن التي مصَّرُوها مثل الموصل ودمشق وحلب وحِمص وغيرها كثير. ولمَّا استقرَّ الأمر لِلمُسلمين في ما وراء النهر وأقبل أهلها على الإسلام، أخذت اللُغة العربيَّة تتسرَّب إليهم رُويدًا رُويدًا كونها كانت لُغة العُلُوم والآداب والدين، ويقول الدكتور مُحمَّد أحمد عامر، أُستاذ التاريخ بِجامعة الأزهر أنَّ النهضة العلميَّة التي امتازت بها بلاد ما وراء النهر كانت تعتمد في الأساس على اللُغة العربيَّة، والتي كان إتقانها شرطًا أساسيًّا لِتحصيل العُلُوم وكتابة البُحُوث. وتقول الدكتورة جنان علي؛ أُستاذة التاريخ الإسلامي في الجامعة المُستنصريَّة بِالعراق، أنَّ الحضارة العربيَّة الإسلاميَّة في بلاد ما وراء النهر بلغت أوج عظمتها واتساعها بعد فترة قصيرة من الفتح الإسلامي، وأنَّ الحضارة الإسلاميَّة استطاعت أن تمتزج مع حضارات وتُراث المُدن المفتوحة؛ وأنتجت تطورًا حضاريًّا راقيًا، فنشطت المُدن ثقافيًّا وفكريَّا، وصارت كُل مدينة تُنافس مثيلتها من المُدن في المجالات العلميَّة والثقافيَّة. ويُضيف الدكتور بدر إبراهيم الفرَّاج؛ باحث في التاريخ بِجامعة الإسكندريَّة، أنَّ من أبرز دلائل هذا التأثير الحضاري خُرُوج العديد من المُؤرخين الذين أثروا هذه الفترة ومنهم ابن الطيب السرخي صاحب كتاب «فضائل بغداد وأفضالها»، وكتاب «رحلة المُعتضد في فلسطين»، وأحمد بن طيفور صاحب كتاب «بغداد» وهو من أهم المُؤلَّفات التاريخيَّة التي أثرت التاريخ الإسلامي.