English  

كتب the baramkeh nakba

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

نكبة البرامكة (معلومة)


اختلف المؤرخون كثيرًا في تعليل الأسباب التي دفعت الخليفة العباسي هارون الرشيد للتنكيل بالبرامكة، وقد أقرأ المؤرخون بهذا الاختلاف، فالطبري يقول: «أما سبب غضبه عليه (أي على جعفر) الذي قتله عنده، فإنه مختلف فيه»، ويقول المسعودي: «واختلف الناس في سبب إيقاعهم بهم»، ويقول أبو الفداء: «وقد اختلف في سبب ذلك اختلافًا كثيرًا»، وقال ابن كثير: «وقد اختلف في سبب ذلك»، ويقول ابن خلكان: «وقد اختلف أهل التاريخ في سبب تغير الرشيد عليهم»، أما ابن الطقطقي فقال: «اختلف أصحاب السير والتواريخ في ذلك»، ويقول اليعقوبي: «إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بن خالد بغير أمر متقدم، وإن أكثر الناس في أسباب السخط عليه مختلفون». وبحسب الروايات التاريخية، فقد شعر البرامكة بنكبتهم، لأنهم لاحظوا بأنفسهم أو بواسطة أناسِ آخرين، زوال حظوتهم عند الخليفة وعدم الرضى عليهم، ومن ذلك ما سعى به علي بن عيسى عند الرشيد في أمر خراسان وطاعة أهلها للفضل، وأنه يكاتبهم ويعمل الوثوب به معهم، فحبسه الرشيد ثم أطلقه بعد تدخل أم الفضل بن يحيى في أمره، فكان ذلك أول ثلمة ثلموا بها. وقد ذكر الطبري عن ثمامة بن أشرس قال: أول ما أنكر يحيى بن خالد من أمره أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغني عنك من الله شيءًا وقد جعلته فيما بينك وبين الله فكيف أنت إذا وقفت بين يديه فسألك عما عملت في عباده وبلاده فقلت يا رب إني استكفيت يحيى أمور عبادك أتراك تحتج بحجة يرضى بها مع كلام فيه توبيخ وتقريع، فدعا الرشيد يحيى وقد تقدم إليه خبر الرسالة فقال تعرف محمد بن الليث قال: نعم، قال: فأي الرجال هو، قال: متهم على الإسلام فأمر به فوضع في المطبق دهرًا، فلما تنكر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه فأحضر فقال له بعد مخاطبة طويلة يا محمد أتحبني قال لا والله يا أمير المؤمنين، قال تقول هذا، قال: نعم وضعت في رجلي الأكبال وحلت بيني وبين العيال بلا ذنب أتيت ولا حدث أحدثت سوى قول حاسد يكيد الإسلام وأهله ويحب الإلحاد وأهله فكيف أحبك قال صدقت وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد أتحبني، قال: لا والله يا أمير المؤمنين ولكن قد ذهب ما في قلبي فأمر أن يعطى مائة ألف درهم ، فأحضر فقال: يا محمد أتحبني قال أما الآن فنعم قد أنعمت علي وأحسنت إلي، قال: انتقم الله ممن ظلمك وأخذ لك بحقك ممن بعثني عليك، قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أول ما ظهر من تغير حالهم.

أسباب النكبة

  • حادثة يحيى بن عبد الله الطالبي: الذي خرج إلى بلاد الديلم ودعا لنفسه هناك، وبايعه كثير من الناس، وقويت شوكته، وذلك سنة 176 هـ، فأرسل إليه الرشيد الفضل بن يحيى، واستطاع الفضل أن يستنزل يحيى بالسلام على أمان له عند الرشيد، وذلك من غير أن تراق نقطة دم، وعُدَّ ذلك من أفضل أعمال الفضل، وبعد فترة ظهر من يحيى ما أوجب عند الرشيد نقض الأمان، فأمر بحبسه عند جعفر بن يحيى، وفي ذات ليلة اجتمع يحيى مع جعفر، وما زال به حتى أطلقه جعفر وزوده بالمال اللازم لخروجه من بغداد، فوصل الخبر للرشيد، وكان ذلك يعد خيانة عظمى عند العباسيين لشدة خوفهم من الطالبيين، فخاف الرشيد من تآمر آل برمك مع الطالبيين من أجل إقصاء العباسيين، فأمر بقتل جعفر وحبس باقي الأسرة.
  • الترف الشديد: كان البرامكة يعيشون في ترف شديد جدًا، حتى أنهم كانوا يبنون قصورهم ويضعون على الحوائط بلاط الذهب والفضة، وبنى جعفر بيتًا له كلفه آلاف كثيرة من الدراهم، وكان الرشيد في سفر ذات يوم، فلم يمر على قصر ولا إقليم ولا قرية إلا قيل له: هذا لجعفر، وعندما عاد الفضل من حربه في الديلم أطلق لمادحيه ألف ألف درهم. هذا السرف جعل الرشيد يتابعهم في الدوواوين والكتابات، فأكتشف وجود خلل كبير في مصاريف الدولة. وذُكر أن الرشيد أمر مسرورًا مولاه أن يضرب الفضل بن يحيى مئتي سوط لإخفائه الأموال عنه، ولما بلغ الرشيد أن ليس لديهم شيءًا من المال والجواهر قال: «وكيف وقد نهبوا مالي وذهبوا بخزائني».
  • الفضل بن الربيع: وكان من موالي العباسيين، وكان شديد العداء للبرامكة، ويقال أنه هو الذي سعى بهم عند الرشيد وأظهر عيوبهم، وغطى محاسنهم، ووضع عليهم العيون، حتى استطاع أن يرصد حادثة هروب يحيى الطالبي عند جعفر، فأخبر بها الرشيد، وزين له أن البرامكة يريدون الخلافة للطابيين. قال ابن خلكان: «أبو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، واسمه كيسان، فلما آل الأمر إلى الرشيد واستوزر البرامكة، كان الفضل بن الربيع يروم التشبه بهم ومعارضتهم، ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم، فكان في نفسه منهم إحن وشحناء، قال عبيد الله بن سليمان بن وهب: إذا أراد الله تعالى هلاك قوم وزوال نعمتهم جعل لذلك أسبابا، فمن أسباب زوال أمر البرامكة تقصيرهم بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد فأوغر قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهم إسماعيل بن صبيح حتى كان ما كان».
  • أصل البرامكة: حاول بعض المؤرخين الربط بين أصل البرامكة وهم مجوس، وبين ما حدث لهم على يد الرشيد، فيما أنهم حاولوا إظهار الزندقة، وإعادة دين المجوس مرة أخرى، وأنهم أدخلوا النار في الكعبة حتى تعبد هناك، والذي ساعد على ترويج هذه الفكرة مصاحبة جعفر بن يحيى لبعض الزنادقة أمثال أنس بن أبي شيخ الذي قتله هارون الرشيد بيده، ولكن هذا السبب بعيد المأخذ، ولا يوجد دليل قوي عليه.
  • جيش البرامكة: أصل هذا الجيش كونه الفضل بن يحيى من جند خراسان وتلك البلاد معروفة تاريخيًا بولائها للعباسيين، ولكن ميلهم أكثر للطالبيين وآل البيت، وتعداده خمسين ألفًا جعل ولاءه له مباشرة دون غيره، ثم استقدم منهم عشرين ألفًا لبغداد وسماهم الكرنبية مما حرك هواجس الرشيد، غير أنه لم يتحرك حتى جاءه خبر من والي خراسان علي بن عيسى بن ماهان أن السبب في اضطراب خراسان هو موسى بن يحيى من بغداد، فتحقق الظن عند الرشيد، واجتمعت عنده كل ما سبق من الأسباب، وعندها قرر الرشيد عند رجوعه من الحج بالإيقاع بالبرامكة.
  • العباسة: وهي أخت هارون الرشيد، وكانت أديبة شاعرة، ومن ربات الفضل والأدب والجمال، فهي من أجمل النساء وأطرفهن وأكملهن فضلا ً وعقلا ً وصيانة، وكان في جبهتها اتساع يشين وجهها فاتخذت عصابة مكللة بالجوهر، لتستر جبينها، وهي أول من اتخذها. روت بعض الكتب روايات توثق قصة زواج العباسة أخت الرشيد من جعفر البرمكي، وأن هذا الزواج أحد أسباب نكبة البرامكة، وروى المسعودي أن العباسة هي من أوصلت جعفر إلى النهاية المشؤومة، ويشير منير العجلاني في كتابه عبقرية الإسلام بقوله: وتغلب جعفر في النهاية على أمر الرشيد، الذي كان يحبه حبًا جمًا حتى زوجه أخته، وكان الرشيد يحب مجلسهما كثيرًا. ولكن الطبري في كتابه الرسل والملوك وابن حزم في جمهرة أنساب العرب وابن خلدون في مقدمته ينفون خبر زواج العباسة بجعفر، يقول ابن خلدون: «أين يطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها، أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فُقدا من بيتها، أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بولي من موالي العجم».

وقد علل ابن خلدون أسباب نكبة البرامكة بكلمة ذكرها في مقدمته:

مقتل جعفر بن يحيى

تعددت الأسباب التي أدت لحدوث نكبة البرامكة، وأدت مجتمعة لحادثة مقتل جعفر بن يحيى، يقول الطبري: أن الرشيد حج في سنة 186 هـ، وأنه انصرف من مكة فوافى الحيرة في المحرم من سنة 187 هـ عند انصرافه من الحج، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرم أرسل مسرورا الخادم، ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبب، وأبو زكار الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في لهوه فأخرجه إخراجًا عنيفا يقوده حتى أتى به المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك.

أضاف الطبري: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضراً، وحول الفضل بن يحيى ليلاً فحبس في ناحية من منازل الرشيد، وحبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجه من ليلته رجاء الخادم إلى الرقة في قبض أموالهم وما كان لهم، وأخذ كل ما كان من رقيقهم ومواليهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرق الكتب من ليلته إلى جميع العمال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلما أصبح بعث بجثة جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتاني وهرثمة بن أعين وإبراهيم بن حميد المروروذي، وأتبعهم عدة من خدمه وثقاته، منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السندي الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصب رأسه على الجسر الأوسط وقطع جثته، وصلب كل قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل، ففعل السندي ذلك، وأمضى الخدم ما كانوا وجهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء في جميع البرامكة: أن الأمان في محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه فإنه استثناهم، لما ظهر من نصيحة محمد له، وعرف براءته مما دخل فيه غيره من البرامكة، وخلى سبيل يحيى قبل شخوصه من العمر، ووكل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهدي صهرهم حفظةً من قبل هرثمة بن أعين، إلى أن وافى بهم الرقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيخ يوم قدم الرقة، وتولى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب، وحبس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دير القائم، وجعل عليهم حفظة من قبل مسرور الخادم وهرثمة بن أعين، ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصير معهم زبيدة بنت منير أم الفضل ودنانير جارية يحيى وعدة من خدمهم وجواريهم، ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمهم بالتثقيف بسخطه، وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد، فضيق عليهم. وقد قتل جعفر بن يحيى في ليلة السبت أول ليلة من شهر صفر سنة 187 هـ وهو ابن سبع وثلاثين سنة، وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة.

مصير البرامكة

ولم يزل يحيى بن خالد وابنه الفضل محبوسين حتى ماتا بالرقة، حيث مات يحيى في شهر محرم سنة 190 هـ فجأة من غير علة، وصلى عليه ابنه الفضل ودفن في شاطيء الفرات. أما الفضل فقد مات في شهر محرم سنة 193 هـ قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو ابن خمس وأربعين سنة، وصلى عليه اخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أُخرج فصلى الناس على جنازته. أما بالنسبة لابني يحيى الآخران: محمد وموسى، فقد بقيا في الحبس بالرقة حتى تولى الخلافة محمد الأمين، فأطلق سراحهما، وبينما التحق محمد بالمأمون، بقي موسى يقاتل في صفوف الأمين، ولم يفارقه حتى قتل، ثم انضم إلى هرثمة واجتمع معه على حرب أبي السرايا، وخاض معه معارك كثيرة، فلما ورد المأمون العراق صار إليه فبرَّه وقدَّمه وانبسط إليه في المشورة والرأي حتى غلب عليه.

نظرًا للدور الكبير الذي لعبه البرامكة في الدولة العباسية، فإن إيقاع الرشيد بهم ترك فراغًا كبيرًا في معظم إدارات الدولة، قال الفضل بن مروان: «إن أمور البريد والأخبار في أيام الرشيد كانت مهملة، وإن مسرورًا الخادم كان يتقلد البريد والخرائط، وأن الرشيد توفي وعندهم أربعة آلاف خريطة». ويقول المسعودي: «إن الرشيد دفع خاتم الخلافة بعد إيقاعهم بهم (أي البرامكة) إلى علي بن يقطين، وغلب عليه الفضل بن الربيع وإسماعيل بن صبيح إلى أن مات واختلت أموره بعد البرامكة، وبان للناس قبح تدبيره وسوء سياسته». وكان الرشيد كثيرًا ما يقول حملونا على نصائحنا وكفاتنا وأوهمونا أنهم يقومون مقامهم، فلما صرنا إلى ما أرادوا منا لم يغنوا عنا شيئًا.

المصدر: wikipedia.org