اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الجليل بن عبد الله المغراوي الأمويّ التنسي التّلمساني ، من علماء القرن التّاسع الهجري، الخامس عشر ميلادي. إمام ومحدث ومقرئ وفقيه مشهور باسم الحافظ التَّنسي . ولد حوالي سنة 820 هـ / 1417 م ( قبل سنة 833 هـ / 1430 م)، بمدينة تنس بالجزائر التي كانت حاضرة و مركزا علميا وميناءا تجاريا هامّا بالمغرب الأوسط في العهد الزياني.
نشأ الحافظ التنسي ببلدته و كان أبوه الإمام العلامة أبو محمد عبد الله التنسي أول شيوخه ثم انتقل إلى تلمسان و استقرّ بها و أخذ عن علماءها و منهم :
كان للتنسي تلاميذ كثيرون، و كان غالبهم يأخذ عنه بالمدرسة اليعقوبية و بالمسجد و كان يدرس أيضا بمنزله بـ"باب الحديد". ومنهم :
كان القرن التاسع الهجري العصر الذهبي لعلماء تلمسان و بلاد المغرب عامة، ظهر فيه الكثير من العلماء الأعلام و "كان التنسي شخصية علمية مشاركا في جميع الفنون" و قد احتل مكانة جد مرموقة بين علماء عصره. و كان بالدرجة الأولى من حفاظ و رواة الحديث و المختصّين بعلومه حتى عرف بـ"حافظ عصره". قال المبارك الميلي :"و انتهت رئاسة الحديث و سائر الفنون في القرن التاسع إلى الحافظ التنسي". و من عنايته بالحديث نسخه بخط يده لـ"فتح الباري شرح صحيح البخاري" لابن حجر العسقلاني.
كما عرف الامام التنسي باهتمامه الكبير بالأدب شعراً ونثراً، وكثير اهتمامه بالتاريخ. وإذا كان معاصروه والمترجمون له، قد انتبهوا لقوة حافظته، ولسعة اطلاعه، ولتبحره في علم الحديث النبوي الشريف، وفي الفقه فإننا نلاحظ أنهم حرصوا كل الحرص، على إظهار ميله إلى التاريخ والأدب، مع أن الاهتمام بالمادتين كما هو معروف، كان قليلا في ذلك العصر الذي تغلبت فيه العلوم الدينية والتصوف على الحياة العلمية، فوصفه أحمد الونشريسي بـ "الفقيه، التاريخي، الحافظ، الأديب، الشاعر".
وقد ذكر أبو العباس أحمد المقري أن التنسي كان ينتقد و يعلق على قصائد الشعراء و منهم الشاعر الأديب ابن الخطيب، فقال : " و كان الفقيه ذو الوزارتين أبو عبد الله بن الخطيب كثيرا ما يوجِه إليه بالأمداح (السلطان أبو حمو موسى الزياني) ومن أحسن ما وجه له قصيدة سينية فائقة وذلك عندما أحس بتغير سلطانه عليه فجعلها مقدمة بين يدي نجواه، لتمهد له مثواه، وتحصل له المستقر، إذا ألجأه الأمر إلى المفر، فلم تساعده الأيام كما هو شأنها في أكثر الأعلام وهي هذه:
ثم قال الحافظ التنسي رحمه الله تعالى بعد سرد هذه القصيدة ما معناه : إن لسان الدين بن الخطيب حذا في هذه القصيدة السينية حذو أبي تمام في قصيدته التي أولها:
و اختلس كثيرا من ألفاظها و معانيها".
وقد اشتهر الإمام التنسي أيضا بالإفتاء كباقي كبار العلماء. ومما يثبت تمكنه من الإفتاء، جوابه الطويل في «قضية يهود توات»، و التي اختلف فيها الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي مع قاضي توات عبد الله بن أبي بكر العصنوني. وقد بسط هذه النازلة الإمام أحمد بن يحي الونشريسي في موسوعته الفقهية "المعيار المعرب" تحت عنوان " نازلة يهود توات من قصور صحراء المغرب الأوسط"، و ذكر الونشريسي جواب الحافظ التنسي في 16 صفحة بدايته :
"و لصاحبنا الفقيه الحافظ الجليل أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الجليل التنسي جواب على مسألة كنائس اليهود المحدثة بالقصور التواتية رأيت إثباته هنا لما اشتمل عليه من الفوائد و نصه"
و قد أظهر التنسي في جوابه موسوعيته و إحاطته و تمكنه من الحديث و الفقه و أقوال العلماء. و أعقبه بجواب الشيخ السنوسي المؤيد لجوابه بعد اطّلاعه عليه و منه ما قاله السنوسي مخاطبا الشيخ محمد بن عبد الكريم المغيلي مشيدا بالتنسي و علمه و شجاعته في قول الحق :
" فاعلم يا أخي أني لم أر من وُفّق لإجابة هذا المقصد و بذل وسعه قي تحقيق الحق و شفي غليل أهل الإيمان في هذه المسألة و لم يلتفت لأجل قوة إيمانه و نصوع إيقانه إلى ما يشير به الوهم الشيطاني من مداهنة بعض من تُتقى شوكته و يُخشى أن يقع على يديه إضرار أو حط في المنزلة سوى الشيخ الإمام القدوة علم الأعلام الحافظ المحقق أبي عبد الله محمد بن عبد الجليل التنسي، بارك الله تعالى له و متعه و متع المسلمين ببقاءه".
لقد احتل الإمام التنسي منزلة رفيعة بين العلماء، تدل على ذلك تلك الألقاب والنعوت التي أطلقها عليه معاصروه و تلامذته و العلماء الذي ترجموا له، فقد سموه بالحافظ، وأصبحت الكلمة التي تدل على إتقانه لعلوم الحديث النبوي الشريف وحفظه، مقرونة باسمه. فلم يدع في كتب التراجم، إلا باسم الحافظ التنسي أو بالإمام. كما اختص التنسي بالوصف بالأديب و الشاعر وبالمؤرخ.
و قد سماه تلميذه أحمد ابن داوود البلوي الأندلسي "بقية الحفاظ، وقدوة الأدباء"، وذكر عن البلوي أنه لما خرج من تلمسان سئل عن علمائها فقال : " العلم مع التنسي و الصلاح مع السنوسي و الرياسة مع ابن زكري".
و وصفه الإمام السنوسي بـ " الشيخ الإمام القدوة علم الأعلام الحافظ المحقق".
و وصفه الونشريسي بـ " الفقيه الحافظ الجليل" و "الفقيه، التاريخي، الحافظ، الأديب، الشاعر".
و قال عنه السخاوي المصري و هو من معاصريه : " مشار إليه بالعلم و له تصانيف".
و وصفه ابن مريم التلمساني في البستان بـ" الفقيه الجليل الحافظ الأديب المطلع كان من أكابر علماء تلمسان الجلة و محققيها".
إن آثار الإمام محمد التنسي تدل على المنزلة المرموقة التي اكتسبها بين معاصريه، في القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي الذي زخر بالعلماء، وبرز فيه عدد كبير منهم في المغرب الأوسط، فقد ترك مؤلفات في علوم متعددة تدل على تبحره و سعة علمه منها:
و هو من أشهر مؤلفاته في فن الضبط وهو علم يعرف به ما يدل على عوارض الحرف، التي هي الفتح والضم والسكون والكسر والشدّ والمدّ ونحو ذلك، ويرادف الضبط الشكل.
وهو موسوعة تاريخية و أدبية كبيرة من خمسة أجزاء، أولها في تاريخ بني زيان و المغرب الأوسط و ذكر دولتهم و ملوكهم إلى زمنه. و الأجزاء الأخرى متنوعة المحتوى و المضمون.
جمع فيه القصائد، التي قالها الملك الأديب أبو حمو موسى الثاني، من أسرة بني عبد الواد، الذي تربع على عرش المغرب الأوسط من سنة 760 هـ إلى سنة 791 هـ (1359/1389م). كما يضم الكتاب القصائد التي مدح بها هذا الملك، بعض معاصريه من شعراء تلمسان. وقد اشتهر من بينهم محمد بن يوسف القيسي الثغري، ومحمد بن أبي جمعة الشهير بالتلالسي. و هذا الكتاب في حكم المفقود أيضا، لكن أحمد المقري نقل منه نقولا و فقرات طويلة في موسوعته الأدبية "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" وفي كتابه الثاني "أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض".
يعتبر كتاب "الطراز في شرح ضبط الخراز" أشهر شروح الضبط للخراز، وأسيرها شرقا وغربا، ولذلك كانت نسخه الخطية متوافرة و بأعداد ضخمة و ذلك يدل على شهرته و أهميته و انتشاره.
وصفه أبو جعفر أحمد بن علي البلوي تلميذ مؤلفه بقوله:
"أجاد فيه وأفاد، وأحسن ما شاء وأراد"
شرح به منظومة مورد الظمآن في رسم أحرف القرآن لأبي عبد الله الشريشي الشهير بالخراز ، وهو أرجوزة في ضبط رسم القرآن الكريم، وما قام بشرحه محمد التنسي هو قسم من أرجوزة طويلة خصص منها صاحبها الخراز 454 بيتا للرسم، والباقي وهو 154 بيتا للضبط، ومنظومة أبي عبد الله الشريشي استهلها بقوله:
وقد شرح الإمام التنسي هذا النظم مستهلا اياه بقوله:
"الحمد لله الذي لا ينبغي الحمد إلا له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بختم الرسالة صلاة وسلاما يخصان ويعمّان أصحابه وآله. و بعد فإني لما رأيت من تكلم على ضبط الأستاذ أبي عبد الله الشريشي الشهير بالخراز، وجدتهم بين مختصر اختصارا مخلا، ومطول تطويلا مملا، فتاقت نفسي إلى أن أضع عليه شرحا متوسطا يكون أنشط لقارئه، وأقرب لفهم طالبه، فشرعت فيه مستعينا بالله تعالى، وسمّيته بـ الطراز، في شرح ضبط الخراز، نسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به النفع العميم، إنه رحمان رحيم، قال رحمه الله:
ثم أخذ في شرح مفردات البيت إلى أن قال:
"والنظم الذي أراد هو ما نظمه أولا، وجعل هذا الضبط موصولا به، فعيب عليه إذ لم يعين فيه ما للمقنع ولا ما للمنصف ولا ما للتنزيل ولا ما للعقيلة، فبدل أكثره حتى يعين ما لكل كتاب منها من الأحكام، وترك الضبط على حاله، لأن أحكامه متفق عليها في الأكثر..."
وعلى العموم فإن كتاب الطراز مطابق لاسمه في كونه طرازا عاليا في مباحث فن النقط والضبط، وقد ناقش مؤلفه أهم مسائله المعتبرة وقارن فيها بين مذاهب أئمة الفن ونبه على القوي والضعيف منها وما تقوم عليه من علة، ولهذا كان عمدة المتأخرين في هذا الشأن، كما اعتمدته اللجان والهيئات المشرفة على طبع المصاحف كما نجد التنبيه عليه في كثير من الملاحق التي ذيلت بها مختلف الطبعات في البلدان الإسلامية.
وقد كتب على الطراز غير واحد من الأئمة وتعددت الحواشي عليه، فمنها:
يعتبر كتاب "نظم الدر و العقيان" موسوعة تاريخية و أدبية كبيرة. أبدع التنسي فيها بإظهار اطّلاعة على التاريخ و أخبار المتقدمين ، كما أظهر موسوعيته الأدبية و اطّلاعه الكبير على النصوص الأدبية و دواوين الشعراء و مختلف السير و الآثار المتقدمة. قال محقق كتابه الطراز : "لا يسعني إلا أن أقول: إن الإمام التنسي كان موسوعية علمية و أدبية بدون منازع، يشهد لذلك مجموعه الضخم، المسمى : "نظم الدر و العقيان". و قد ألفه التنسي للسلطان أبي عبد الله المتوكل الزياني، لأنه كان "من جملة من غمرته آلاءه و توالت عليه نعماءه" فقرر أن يجمع له "تصنيفا يكون ملوكيا أدبيا".
كما يعتبر المصدر العربي الوحيد، لفترة من تاريخ الدولة الزيانية العبدوادية، تزيد على سبعين سنة. وصفه محققه الدكتور محمود بوعياد مدير المكتبة الوطنية الجزائرية والمستشار الثقافي برئاسة الجمهورية الجزائرية بقوله : " وفيما عدا "نظم الدر" لا يتوفر للمؤرخ، مصدر تاريخي عربي آخر شامل الأخبار، لدراسة تلك الفترة الطويلة نسبيا، من تاريخ الدولة و تاريخ المغرب الأوسط، و ذلك رغم تأخر زمنها و قربه من عصرنا".
و جاء الكتاب في مجلدين، مقسما على خمسة أقسام، كل قسم يحتوي عددا من الأبواب.
الأول : في نسب المتوكل ، الثاني: في فضل العرب ، الثالث : في فضل قريش ، الرابع : في فضل بني هاشم، الخامس : في فضل علي و الحسن و الحسين ، السادس : في فضل عبد الله الكامل و بنيه إدريس و سليمان، السابع: في بني زيان و دولتهم إلى المتوكل.
و قد حقق عبد الحميد حاجيات الفصل الثاني من الباب السادس (تاريخ دولة الأدارسة ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، الجزائر 1984 م) وحقق محمود بوعياد الباب السابع (تاريخ بني زيان ملوك تلمسان، موفم للنشر. الجزائر 2011 م)
لا تتوفر معلومات كثيرة عن أسرة التنسي إلا ما ذكر متفرقا في المصادر، كما لا تعرف عائلة من ذريته في الوقت الحاضر بتلمسان أو ضمن المهاجرين إلى المغرب الأقصى، أو باقي المغرب العربي و ممن ذكر من أسرته:
توفي الحافظ التنسي في شهر جمادى الأولى سنة 899 هـ الموافق لفبراير من سنة 1494 م بمدينة تلمسان، بعد أن عاش حياة كرسها لنشر العلم والتأليف والتدريس.