اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مات مُجَّاعة بن سعر بِمكران بعد سنةٍ من توليته ثغر الهند، فاستعمل الحجَّاج مُحمَّد بن هٰرون بن ذراع النمريّ على المنطقة، وأعطاه كامل الاختيار في الأوامر والنواهي، وأوصاه حول جباية أموال الديوان وإخضاع العلافيين الذين خرجوا على المُسلمين وانضموا إلى ملك السند كما أُسلف، لا سيَّما بعدما قُتل الوالي سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي على أيديهم لِثأرٍ قبليّ. استمرَّت ولاية مُحمَّد بن هٰرون خمس سنوات تمكَّن خلالها من إخضاع مكران فعليًّا، وتتبع العلافيين وقاتلهم وبعث بِرؤوس من قتلهم إلى الحجَّاج في العراق، وفتح عدَّة فُتُوحات في البرِّ والبحر. كما عمل مُحمَّد بن هٰرون على تطوير العلاقات مع مُلُوك الهند والدُول المُجاورة لِولايته باسم الخليفة في دمشق، فكانت بين الدولة الأُمويَّة وبين المُلُوك الهُنُود علاقات وديَّة وروابط تجاريَّة، وكان من أهم هؤلاء المُلُوك ملك «جزيرة الياقوت»، التي يغلب الظن أنها جزيرة سرنديب (سريلانكا المُعاصرة). وبِحسب المصادر العربيَّة والإسلاميَّة، فإنَّ ملك سرنديب المذكور، أرسل إلى الحجَّاج سفينةً مُحمَّلةً بِالتُحف والهدايا من الدُّرِّ والياقوت والجواهر الثمينة والغلمان والعبيد الأحباش، كما أرسل لِدار الخِلافة - إضافةً إلى ذلك - تُحفًا وطرائف مكنونة لا نظير لها، وتوجَّهت نساءٌ مُسلمات مع الهدايا لِزيارة البيت الحرام ولِيُشاهدن دار الخِلافة الإسلاميَّة. ويقول البلاذري أنَّ أولئك النسوة كُنَّ بنات تُجَّار مُسلمين أقاموا في سرنديب وتزوَّجوا وأنجبوا بها، ثُمَّ وافتهم المنيَّة، فأراد ملك الجزيرة التقرُّب من المُسلمين من خِلال تلك البنات اليتيمات، فأرسلهنَّ إلى بلاد المُسلمين، كما يُحتمل أن يكون بعض أيتام التُجَّار هُم من أرادوا العودة إلى بلاد آبائهم، فطلبوا ذلك بِأنفسهم. ويُقال أيضًا أنَّ ملك سرنديب أرسل خطابًا وديًّا إلى الخليفة الأُمويّ في دمشق وإلى واليه على العراق، الحجَّاج بن يُوسُف الثقفيّ، مع بعض التُجَّار المُسلمين العائدين إلى ديار الإسلام، ومعهم أرامل ويتامى من كانوا قد تُوفوا في بلاده من المُسلمين. تُجمعُ المصادر العربيَّة والإسلاميَّة أنَّ السُفن السرنديبيَّة لمَّا وصلت ساحل بلاد كازرون هبَّت رياحٌ هوجاء وقذفتها إلى سواحل الديبُل، فهاجمها جمعٌ من القراصنة يُقالُ لهم «نكامره» وقتلوا بعض رُكَّابها وبحَّارتها وأخذوا الباقين من النساء والرجال والأطفال أسرى وعبيدًا، كما صادروا جميع الموجودات من التُحف والجواهر والأموال، ولم ينجُ من تلك الغارة إلَّا فئة قليلة، سارعت بِالتوجُّه إلى العراق حاملةً الخبر إلى الحجَّاج بن يُوسُف. ويُقال إنَّ امرأةً من بين الجمع صاحت بِأعلى صوتها: «يا حجَّاج يا حجَّاج أغثني أغثني»، وبحسب البلاذري كانت تلك المرأة من بني يربوع، ولمَّا وصلت هذه الحادثة إلى مسامع الحجَّاج عن طريق الذين فرُّوا من السفينة، وعن طريق تُجَّار الديبُل، وعلِم باستغاثة المرأة به، نهض وقال: «يا لبَّيكِ». إضافةً إلى هذه الرواية هُناك روايةٌ أُخرى، تُفيد أنَّ الخليفة عبد الملك بن مروان كان قد بعث لهُ وُكلاء إلى بلاد الهند لِيشتروا لهُ غلمانًا وجواري، وفي أثناء رحلة العودة هاجمتهم سُفن القراصنة بِالقُرب من الديبُل، فقُتل عددٌ من المُسلمين وأُخذ الباقون أسرى، ولم ينجُ إلَّا من نقل خبر تلك الكارثة. ورواية تقول بِأنَّ أولئك القراصنة هاجموا سُفن بحَّارة المُسلمين وهي تحملُ حُجَّاجًا قادمين من جزيرتيّ محلديب وسرنديب. وفي جميع الأحوال فإنَّ الحجَّاج كتب إلى الراجا داهر يطلب منهُ تخلية النسوة، فقال: «إِنَّمَا أَخَذَهُم لُصُوصٌ لَا أَقدِرُ عَلَيهِم». فأرسل الحجَّاج عُبيد الله بن نبهان لِيغزو الديبُل، فقُتل أثناء حصارها. وكتب الحجَّاج إلى بُديل بن طهفة البجليّ، وهو عاملهُ على عُمان، يأمرهُ أن يسير إلى الديبُل، فلمَّا لقي العدوّ هُناك، نفر به فرسه، فطوَّقهُ العدوّ وقتله. هُناك تبدَّى لِلحجَّاج مدى الإهانة التي تلحق بِهيبة المُسلمين وخُطُورتها إن هو سكت على هذا الأمر، فما زال بِالخليفة حتَّى أذن لهُ بِتسيير الجُند لِفتح السند.
يستبعدُ المُؤرِّخ الهندي مُمتاز حُسين پاثان قصَّة سطو القراصنة على سُفُن المُسلمين، وقال بأنها رواية مُصطنعة اختلقها المُؤرِّخون المُسلمون لِتبرير حملتهم العسكريَّة على بلاد السند. والسبب الحقيقي عند پاثان مسألة ذات شقين: الشق الأوَّل هو ما يتعلَّق بِتمرُّد العلافيين واحتمائهم بِملك السند الذي آواهم وأكرمهم، فما كان أمام الخليفة وواليه على العراق إلَّا إرسال حملة لِغزو الراجا داهر لِعقابه ومن في دياره من عُصاة المُسلمين. أمَّا الشق الثاني حسب رأي پاثان فهو السياسة التوسُّعيَّة التي انتهجها الحجَّاج. ردًا على هذه الرواية، قال بعض المُؤرخين المُسلمين المُعاصرين أنَّ أسباب فتح السند فتحًا مُستدامًا تتلخَّصُ في:
ما أن وصلت رسالة الخليفة إلى الحجَّاج حتَّى عاد الأخير وكتب إلى الخليفة رسالةً أُخرى يطلب فيها ستَّة آلاف مُقاتل من أشراف الشَّام وأبنائهم مع عدَّتهم الكاملة من السلاح والعتاد، كما طلب ذِكر أسمائهم فردًا فردًا حتَّى يعرفهم شخصيًّا، ويصمدوا في الحرب رجالًا أشدَّاء. ولمَّا وصلت تلك الجُنُود إلى الحجَّاج أضاف إليهم مجموعة من المُتطوعين من العراق عامَّةً والبصرة خاصَّةً، ووقف الحجَّاج يوم الجُمُعة في جُمُوع المُقاتلين وقال:«إنَّ الأَيَّامَ ذَاتَ دُوَل وَالحَربُ سِجَالٌ، يَومٌ عَلَينَا وَيَومٌ لَنَا، فَعَلَينَا أَن نَصمِدَ فِي اليَومُ الذِي هُوَ عَلَينَا وَنَشكُرَ البَارِي فِي اليَومِ الَذِي هُوَ لَنَا، حَتَّى يَزِيدَ الله النِّعمَةَ عَلَينَا، وَعَلَينَا دَائِمًا أَن نَذكُرَ الله وَنَشكُرَهُ عَلَى نِعمَائِهِ وآلَائِهِ، وَأَنَّ نِعَمَ الله أَبوَابُهَا مَفتُوحَةٌ لَنَا، وَلن يُغلَقُ أَيُّ بَابٍ بِوَجهِنَا مَا دُمنَا مَعَ الله وَفِي سَبِيلِ الله، وَمَا زَالَ فُرَاقُ بُدَيلَ يَحِزُّ فِي نُفُوسِنَا وَيَستَصرِخُ ثَأرَنَا، وَأَنَا أَقُولُ دَائِمًا لَبَّيكِ لَبَّيكِ يَا بُدَيل، والله لَو أَعطُونِي أَموَالَ العِرَاقِ كُلَّهَا عَلَى أَن لَا أَنتَقِم لِهَذَا العَارٍ لَمَا قَبِلتُ وَلَن تَنطَفِئ لَظَى نَارُ غَضَبِي.» اختار الحجَّاج ابن عمِّه مُحمَّد بن القاسم، وكان بِفارس وقد أُمر بِأن يسير إلى الري، فردَّهُ إليه وعقد لهُ على ثغر السند، وضمَّ إليه الجُنُود الشوام الستة آلاف ومُتطوِّعة العراق، وجهَّزهُ بِكُلِّ ما احتاج إليه من العتاد، حتَّى الخُيُوط والمسال، وأمرهُ أن يُقيم بِشيراز حتَّى يتتام إليه أصحابه ويُوافيه ما عُدَّ له. ولمَّا أنهى الحجَّاج خطبته سالِفة الذِكر، أركب مُحمَّد بن القاسم فرسه ووزَّع الصدقات على الفُقراء والأموال على أتباعه، وبارك لِمُحمَّد بن القاسم غزوه وسفره وترحاله، وأنشد قائلًا:
سار مُحمَّد بن القاسم إلى شيراز وعسكر بها ريثما يصله المدد. ثُمَّ أمر الحجَّاج أن يُجمع كُلُّ ما هو موجود من المجانيق والسِّهام والرِّماح ووضعها في السُفُن الحربيَّة، وعيَّن خُريم بن عمرو المرِّي على رأس القُوَّة البحريَّة وأوصاه إذا حصل خللٌ في السُفُن أن يُجاهد ويجتهد في إصلاحها. وعمد الحجَّاج إلى القُطُن المحلوج، فنُقل بِالخلِّ الحاذق، ثُمَّ جُفِّف في الظل، فقال: «إِذَا صِرتُم إِلى السِّندِ فَإِنَّ الخَلَّ بِهَا ضَيِّقٌ، فَانقَعُوا هَذَا القُطنَ فِي المَاءِ، ثُمَّ اطبُخُوا بِهِ واصطَبِغُوا». أُرسلت المُؤن والعتاد إلى شيراز بِواسطة قافلةٍ كبيرةٍ من الجمال ذات السنامين، وكتب الحجَّاج إلى والي ثغر السند مُحمَّد بن هٰرون بن ذراع النمريّ أن يلتحق بِالحملة مع جميع من كان معهُ من الرجال، والقائد العام لها مُحمَّد بن القاسم. بناءً على ذلك، تجمَّعت تحت إدارة مُحمَّد بن القاسم قُوَّاتٌ تُقدَّرُ بِحوالي خمسة عشر إلى عشرين ألف رجُلٍ تقريبًا. وفي أواخر سنة 92هـ المُوافقة لِسنة 711م، سارت الحملة من شيراز، مُتجهةً من الشرق، وسالِكةً الطريق نفسها التي سلكها الإسكندر الأكبر أثناء رحلة العودة من حملته الشرقيَّة المشهورة، أي عبر الصحراء الگدروزيَّة، حيثُ سارت، كما يبدو، مُحاذيةً لِمياه بحر العرب، حتَّى لا تكون بعيدة عن السُفُن الإسلاميَّة التي سلكت هي الأُخرى البحر، بِالقُرب من اليابسة، على مرأى من القُوَّات البريَّة.
زحف مُحمَّد بن القاسم مع مُحمَّد بن هٰرون حتَّى وصلا بلدة فنزبور، فوجدا أهلها قد جمعوا لهم، فحاربوهم شُهُورًا حتَّى افُتتحت بلدتهم، وغنم المُسلمون منها وسبوا. ثُمَّ تابعوا الزحف حتَّى وصلوا أرمائيل، فحاربوا حاميتها العسكريَّة أيَّامًا حتَّى فتحوها. ويذكر ابن مُنظر البحري أنَّ مُحمَّد بن هٰرون لاقى مصاعب ومشقَّات كثيرة من عناء السفر وعناء الرُكُوب، فما أن وصل إلى أطراف أرمائيل حتَّى زُهقت روحه، فدُفن هُناك. وحدَّد البلاذري موضع دفن مُحمَّد بن هٰرون، فقال أنَّهُ دُفن بِقُنبُل، بين أرمائيل والديبُل. ولمَّا فُتحت أرمائيل، وصلت مُحمَّد بن القاسم رسالةً من الحجَّاج، وكانت تتضمَّن وصايا حربيَّة هامَّة أشار فيها إلى أنَّهُ إذا وصل المُسلمون منازل الديبُل وسوادها، أن يحذروا تلك المنازل ويحفروا الخنادق أينما وصلوا لِتكون ملاذًا وحمايةً لهم، وأن يُكثروا من تلاوة القُرآن والدُعاء وطلب النصر من الله. وأوصى الحجَّاج أيضًا أن يحفر المُسلمين الخنادق بِعرض اثنيّ عشر ذراعًا وبِعُمق ستَّة أذرع، وأن يتريثوا عند مُقابلة العدوّ، وإذا رفع أولئك عقيرتهم بِالصياح والقول البذيء وخرجوا لِلقتال، فلا يُقابلهم المُسلمون ولا يُقاتلوهم حتَّى يصلهم أمر الحجَّاج، فيتصرَّفون بِما يُمليه عليهم حتَّى تتكلَّل مُهمتهم بِالنجاح والتوفيق.
بعد تمام فتح فنزبور وأرمائيل، توجَّه مُحمَّد بن القاسم بِجيشه الجرَّار إلى مدينة الديبُل، وهي هدفه الأكبر. وكان آنذاك «جيسيه بن داهر» أميرًا على النيرون، فكتب رسالةً إلى أبيه يُخبره بِقُدُوم المُسلمين، ويسأله السماح له بِقتالهم. استدعى داهر أعيان العلافيين العرب واستشارهم في الأمر، فقالوا له إنَّ مُحمَّد بن القاسم هو ابن عم الحجَّاج، وقد جاء بِجيشٍ قوامه الشُجعان من أبناء الشَّام، وقد جُهِّزوا بِكُلِّ أنواع السلاح، وإنَّهم قادمون لِقتاله، وأنَّهم (أي العلافيين) يُفضِّلون ألَّا يتقابلون معهم. فلمَّا سمع داهر أقوال العلافيين، منع ابنه جيسيه من مُقاتلة مُحمَّد بن القاسم وأتباعه. بعد خُرُوج مُحمَّد بن القاسم من أرمائيل، جعل مُحمَّد بن مُصعب بن عبد الرحمٰن على مُدِّمة الجيش، وجهم بن زحر الجعفي على مُؤخرة الجيش، وعطيَّة بن سعد العوفي في الميمنة، وموسى بن سنان بن سلمة الهذلي على الميسرة، ثُمَّ جلب باقي المُقاتلين من الرُماة والخواض والسيَّافين معهُ إلى قلب الجيش حتَّى جاء يوم الجُمُعة من سنة 93هـ المُوافقة لِسنة 712م. ويبدو أنَّ مُحمَّد بن القاسم بقي في أرمائيل مُدَّةً طويلة لأنَّهُ قد وافته فيها إمداداتٌ بريَّة وعلى رأسها جهم بن زحر الجعفي سالف الذِكر، كما وصلته الإمدادات البحريَّة التي فيها الرجال والسلاح، وعلى رأسها خُريم بن عمرو، ومعهُ عددٌ من كبار الأشراف والأعيان، منهم: عبدُ الرحمٰن بن سُليم الكلبي الذي عُرف بِشجاعته ورُجُولته وتجاربه القتاليَّة، إذ كان قد تولَّى بيروت وإمارة ساحل الشَّام وردَّ غارةً بيزنطيَّة على مدينة طرابُلس الشَّام، وكان مع عبد الملك بن مروان ضدَّ عمرو بن سعيد بن العاص حين عصى الأخير بِدمشق سنة 69هـ، كما كان مع الحجَّاج في حربه مع ابن الأشعث في وقعة دير الجماجم سنة 82هـ. ومنهم أيضًا سُفيان بن الأبرد الكلبي المشهور بِالجَلَد وسداد الرأي والعفَّة، وقطن بن مُدرك الكلابي المعروف عنهُ المُعاونة في الشدائد والمُدلهمات وصدق القول، والجرَّاح بن عبد الله الحكمي صاحب الخبرة الواسعة في فُنُون القتال والحرب، ومشاجع بن نوبة الأزدي.
وصل المُسلمون سواد الديبُل خلال شهر رجب سنة 93هـ المُوافق فيه شهر نيسان (أبريل) 712م، فأمر مُحمَّد بن القاسم بِحفر خندقٍ كما نصح الحجَّاج، ورفع الرايات والأعلام وأنزل الناس على راياتهم، وأخرج المجانيق ونصبها، وكان منها منجنيقٌ ضخم خاصٌ بِالخليفة تُعرف بِـ«العروس»، قيل أنَّ نصبه احتاج إلى خُمسُمائة رجل. وكان في وسط الديبُل معبدٌ بوذيٌّ كبير فيه تمثالٌ هائلٌ لِبوذا (المعروف في المصادر الإسلاميَّة بِـ«البُدّ») بلغ ارتفاعه أربعين ذراعًا، وكان لِلمعبد قبَّة عالية تُرفرف عليها راية خضراء ترتفعُ أربعون ذراعًا أيضًا، ولِلراية هذه أربعةُ ألسُنٍ تتطايرُ في الهواء. حاصر المُسلمون الديبُل وأخذوا يقذفونها بِالحجارة والنيران، وقاتلوا حُماتها بِشدَّة، فخرجوا إليهم ولكنَّهم انهزموا ورُدُّوا إلى البلد. وكان لِمنجنيق العروس أثره البالغ في النيل من الروح المعنويَّة لِلمُدافعين، حيثُ كسرت إحدى قذائفه دقلًا كبير الحجم كان يحملُ رايةً حمراء. ويُروى أنَّ مُحمَّد بن القاسم دعا أمير جُند منجنيق العروس، وهو جُعُونة بن عقبة السُّلمي، وقال له أنَّهُ سيُعطيه عشرة آلاف درهم إن كسر رأس معبد البُدّ وعمود الراية التي تُرفرف فوقه، وفي اليوم التاسع من الحصار استدعى مُحمَّد بن القاسم جُعُونة المنجنيقي وأعطاه الأوامر بِضرب المعبد والعدوّ، كما أنَّهُ هيَّأ الجيش لِلقتال، على أن يبدأ الرُماة أولًا ثُمَّ يرميهم الفُرسان. وبدأ جُعُونة بِضرب المعبد بِالمنجنيق، فرماه بِالحجر الأوَّل فطارت رايته وبعض قاعدته، ثُمَّ رمى الحجر الثاني فأصاب قبَّة المعبد فانهارت تمامًا، وفي الحجر الثالث أصبح أنقاضًا مع الأرض سواء، ثم قُرعت الطُبُول في الديبُل، وبدأ هُجُوم الجيش الإسلامي هجمةً واحدة، وثلم المنجنيق سور الديبل فوصل المُسلمون إلى أعلى السور وأبراجه، ورفعوا راية التوحيد في أعلى قلعة المدينة مكان الراية الحمراء، وبِهذا أصبحت الديبُل أوَّل حلقة في سلسلة مُدن وادي السند التي فتحها المُسلمون. ويُروى أنَّ «جاهين بن برسايد راوت»، والي الديبُل، ألقى بِنفسه من سور الحصن وفرَّ هاربًا، وسارع أهل المدينة إلى طلب الأمان، وتوجَّه مُحمَّد بن القاسم إلى السجن الذي ضمَّ الأسرى المُسلمين الذين قُبض عليهم في الغارة البحريَّة، فحرَّرهم ووضع بدلًا عنهم مجموعة من قراصنة الديبُل. ويُقال أن سجَّان المُسلمين كان شخصًا يُدعى «قيله بن مهترائج»، وهو رجلٌ عاقلٌ داهية عُرف بِالأدب والكتابة البارعة وفعل الخير، فلمَّا حرَّر مُحمَّد بن القاسم الأسرى سألهم عن كيفيَّة مُعاملته إيَّاهم، فقالوا أنَّهُ لم يُعاملهم إلَّا بِطيبةٍ خالصة، وكان يُواسيهم دائمًا، فالتفت القائد المُسلم إلى قيله المذكور وعرض عليه الإسلام، فقبل ونطق بِالشهادتين. بعد ذلك فرز مُحمَّد بن القاسم الغنائم والعبيد، فأرسل خُمسُها إلى الخزانة العامَّة وبيت المال عند الحجَّاج، ثُمَّ وزَّع ما بقي على المُجاهدين والمُقاتلين حيثُ أعطى كُل فارس ضعف سهم راكب الجمل أو الماشي، ثُمَّ رتَّب أُمُور المدينة وأهلها، وأنزل فيها أربعة آلافٍ من المُسلمين، وبنى مسجدًا، فكان أوَّل مسجدٍ بُني في هذه المنطقة، وعيَّن وداع بن حميد البحري عاملًا عليها وأوصاه بِأن يترك قيله بن مهترائج سالف الذِكر يقوم بِأعمال الحسابات والنفقات ويمسك سجلَّات الديوان، وخرج يُريدُ مدينة النيرون.
لمَّا وصل خبر فتح الديبُل على يد جيش الإسلام إلى الراجا داهر، وعلم أنَّ والي المدينة فرَّ إلى جيسيه في النيرون، وأنَّ أهالي الديبُل خضعوا لِلمُسلمين الذين عاملوهم بِالحُسنى، كتب إلى ولده جيسيه يقول له أن يتوجَّه إلى مدينة بُرهمناباد ويترك أمر النيرون إلى راهبٍ بوذيٍّ يُعيِّنهُ واليًا عليها، ويُوصيه بِالحفاظ على المدينة بِكُلِّ قُوَّة. وفي الوقت نفسه، كتب داهر إلى مُحمَّد بن القاسم يُهدده ويتوعَّده وجيشه بِالفناء فيما لو واصل التقدُّم، لأنَّ الديبُل لم تكن سوى مدينة يعمل أهلها بِالصناعة والتجارة، وما يليها أشدُّ بأسًا وقُوَّة. ولمَّا وصل القائد المُسلم إلى تُخُوم النيرون وصلته رسالة داهر، ونصُّها:
بسم الله العظيم ذي الوحدانيَّة وربِّ سيلائج:
من داهر بن چچ ملك السند وراي الهند وقائد البر والبحر إلى المغرور والمفتون بِنفسه مُحمَّد بن القاسم الذي يهوى القتل والحرب بدون رحمة، حتَّى أنَّهُ لا يغفرُ لِجيشه وجعل الجميع في محرقة الموت.
وكان قبل ذلك من رأى في منامه الغرور، وتوجَّه إلى منطقتنا، وقد بايعه أبو العاص بن الحكم على ذلك، لِأنَّهُ تصوَّر في ذهنه المريض أنَّهُ سيفتح ولاية الهند والسند ويستقر فيها. فذهب إلى نفرٍ قليلٍ من أتباعنا فقتلوه في سواد الديبُل وهُزم تمامًا جيشه الضعيف، والآن جاءنا مُحمَّد بن القاسم بِذهنه المريض أيضًا لِيلقى هو وجيشه المصير نفسه، وهو عندما فتح الديبُل، وهي مدينة التجارة والصناعة، عليه أن يعلم أنَّها ليست قلعة حربيَّة، وليس فيها المُقاتلون الأشدَّاء الذين سيُلاقيهم وسيكون فناؤه على أيديهم، وأنا لو أشرت بِإصبعي إلى جيسيه بن راي داهر لَمحا جيشك من الوُجُود وجاء بك أسيرًا إليَّ، جيسيه الذي قهر المُلُوك، وقاتل جبابرة الزمان، ذو الحسب والنسب من الرُهبان الأكابر، والذي حنا لهُ مُلُوك الهند رؤوسهم، وأصبحت الهند والسند تُدينان لهُ بِالولاء والطاعة، كما أعلن مُلُوكُ مكران وطوران التبعيَّة له، وهو صاحبُ مائة حلقةٍ من الأفيال، إنَّهُ سيركب الفيل الأبيض الذي لم ولن يُقابلهُ لا فرس ولا فارس.
وإنِّي أُحذرك بِأنَّهُ لن يتمكَّن أيُّ مليكٍ أو جيشٍ - حتَّى انصرام العالم - من مُجابهته حتَّى في المنام. وإنَّ مصيرك هو مصير بُديل نفسه، وإنَّك لن تسطيع مُواجهتنا في القتال، فاسلم بِجلدك وجيشك.(2)
يُلاحظ أنَّ في هذه الرسالة إشارة إلى الحملة الإسلاميَّة الأولى ضدَّ الديبُل التي أرسلها سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م عُثمان بن أبي العاص والي البحرين وعُمان، لكنَّ المعلومات عن مصير الحملة كما ذكرها داهر في رسالته غير صحيحة كما أُسلف. كما احتوت على إشارةٍ إلى بُديل بن طهفة البجليّ الذي أرسلهُ الحجَّاج ضدَّ الديبُل قبل نحو ست سنوات من إرسال مُحمَّد بن القاسم، فقُتل خِلال الحملة، كما أُسلف أيضًا. ولمَّا وقع كتاب داهر بِيد مُحمَّد بن القاسم، استدعى مُترجمه وأملى عليه الرسالة التالية:
من مُحمَّد بن القاسم الثقفي قاتل الكُفَّار والآخذ بِثأر المُسلمين من المُتمردين والمُعاندين، إلى الكافر الجاهل المُنكر المُتكبِّر المغرور بِسُلطان أيَّامه والزمان، الذي لا يعرف الوفاء ومُرور الأيَّام التي يتخلَّلها الجفاء، المغرور داهر بن چچ البرهمي الغدَّار
أمَّا بعد: فلا بُدَّ لك من العِلم بِأنَّ ما سطَّرته من الجهالة وغاية الحماقة وافتتانك بِرأيك الركيك قد وصلنا. وعلمنا مضمون أحوالك ومقالك، وفهمنا كُل ما سطَّرته من الحديث عن القُوَّة والشوكة والعدَّة والآلة والأهبة بِالأفيال والحشم والجيش. ونحنُ بِقُوَّة الله وحوله قد وُهبنا القُوَّة والعدَّة والأهبة، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بِالله العليّ العظيم. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ثُمَّ لا ينظرون، ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ﴾، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
أيُّها العاجز، ماذا ينفعك رُكُوبُ الفيل وكثرة العدد والعدَّة؟ ولعلمك أنَّ الفيل ذليل وعاجزٌ أيضًا وهو أضعفُ العُدد ولا يستطيع أن يُبعد الذُبابة عنه التي هي أضعف المخلوقات. ونحنُ نفتخرُ بِفُرساننا وهُم من حزبُ الله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وخيلُ الله وفُرسانها هُم المنصورون. ولتعلم بِأننا جئنا لِقتالك بِسبب أفعالك السيِّئة وخصالك غير المُرضية، وبِسبب استكبارك حيثُ أوقفت سُفن سرنديب وأسرت المُسلمين.
وإنَّك تعلم بِأنَّ أوامر دار الخلافة خلافة النُبُوَّة مُطلقة ونافذة في جميع أنحاء الدُنيا، وأنت تُعلن التمرُّد والعصيان، وتأخذ أموال بيت مال المُسلمين التي كان الوُلاة والمُلُوك السابقون يُعطونها ويعتبرونها حقًا بِذمَّتهم فيُرسلونها إلى دار الخِلافة، ولِأنَّك لوَّثت نفسك بِهذه الخِصال الدنيئة، وتمرَّدت على الطاعة والقيام بِالواجب، فقد جاءنا الأمر الإلٰهي من دار الخِلافة كي أنتقم من تلك الأفعال، وأتوجَّه لِقتالك، ولسوف أقهرك وأهزمك أينما واجهتك بِعون الله تعالى، وسأبعثُ بِرأسك بِمشيئة الله إلى العراق، أو أُضحِّي بِروحي في سبيل الله، وأعتبر هذا الجهاد واجبًا عليّ لِقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقبلتُ الجهاد في سبيل مرضاة الله تعالى، وإني آمل الكثير من كرم الله ونصرته لِجُنُوده إن شاء الله تعالى.
كُتب في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة(2)
يُروى عن أبي الليث التميمي عن جُعُونة بن عقبة السُّلمي أنَّ مُحمَّد بن القاسم وصل إلى سواد النيرون في اليوم السابع لِمُغادرته الديبُل، بعد أن قطع بِالجيش مسافة خمسةٍ وعشرين فرسخًا. ولمَّا وصل المُسلمون إلى منطقة ولهار العُشبيَّة الخضراء حيثُ يُوجد نهر السند وجدوه جافًا خاليًا تمامًا من الماء، وكان الجيش قد أنهكه التعب وأخذ منه العطش مأخذًا كبيرًا، فوقف مُحمَّد بن القاسم وصلَّى ركعتين قائلًا: «يَا دَلِيلَ المُتَحَيِّرِين وَيَا غَيَّاثَ المُستَغِيثِن، أَغِثنِي بِحَقِّ بِسمِ الله الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ». انهمرت الأمطار بعد ذلك حتَّى امتلأت الوديان بِالمياه الوفيرة، كما امتلأ حوض نهر السند بِالماء، أمَّا أهل النيرون فقد أغلقوا الحصن على أنفُسهم، فحاصرهم مُحمَّد بن القاسم طيلة ستَّة أيَّام، نقُصت خلالها المُؤن الغذائيَّة لِلمُسلمين وأعلاف حيواناتهم من الخيل والجِمال، فبعث الراهب البوذيّ، الذي عُيِّن واليًا على المدينة، بِرسولين مُحمَّلين بِالغذاء والأعلاف إلى مُحمَّد بن القاسم ومعهُما رسالةً يقول فيها أنَّهُ ومن معهُ من الخدم والحشم والرعيَّة في خدمة دار الخِلافة، ثُمَّ فتح باب المدينة وسمح لِلمُسلمين بِدُخُولها، وأخذ يبيع ويشتري البضائع معهم. وأرسل أعيان المدينة كتاب صُلحٍ إلى الحجَّاج بن يُوسُف يُعلنون فيه دُخُولهم تحت جناح دولة الإسلام، فكتب الحجَّاج إلى مُحمَّد بن القاسم يُعلمه بِضرورة مُعاملة الأهالي بِالحُسنى وإكرامهم وتأمينهم واحترام علية القوم منهم، فأجابهُ إلى ذلك وأقرَّ الصُلح، ووزَّع العُلُوفة على الجيش، ثُمَّ أمر ببناء مسجدٍ في المدينة، وعيَّن لها حاكمًا وإمامًا، ثُمَّ غادرها بعد عدَّة أيَّامٍ إلى حصن سيوستان الواقع على قمَّة جبلٍ إلى الغرب من نهر السند.
اتجه الجيش الإسلامي من النيرون إلى الشمال الغربي، وجعل لا يمُرُّ بِمدينةٍ أو بلدةٍ إلَّا فتحها، ومن الجدير بِالذِكر أنَّ أغلب البلدات والمُدن الواقعة على طريق المُسلمين افتُتحت سلمًا دون قتال في تلك المرحلة. فقد اعترض كبار الكهنة البوذيين الجيش أثناء سيره وأعلنوا لِمُحمَّد بن القاسم استسلام مدينة سربيدس ودُخُولها في طاعة الخِلافة، فصالحهم ووظَّف عليهم الخِراج، وسار عنهم إلى مدينة سبهان ففتحها، ثُمَّ سار إلى نهر السند فنزل في وسطه، وبعث جيشًا إلى مدينة سدوستان، فحاصرها أُسبوعًا حتَّى طلب أهلها الأمان والصُلح، فأمَّنهم القائد المُسلم ووظَّف عليهم الخِراج أيضًا. وكانت مدينة سدوستان تُعتبر بِمثابة مفتاح لِبقيَّة مُدن وادي السند، خاصَّةً وأنَّ استسلامها جاء على وجهٍ سلميٍّ، وعن طواعيَّةٍ واختيارٍ من قِبل الأهالي، بعد أن هرب واليها الهندوسي لمَّا صالح أهلها المُسلمون بِغرض التخلُّص من الحُكم الجائر الذي كان يُمارسه الهندوسيُّون عليهم. وكان وفد أهالي المدينة قد أخبروا قائد المُسلمين بِأنَّهم لا يُكنُّون أي ولاءٍ لحاكمهم، ويُدعى «بجهرا بن چندرا بن چچ» وهو ابنُ أخي الراجا داهر. وقد سبق لِهذا الحاكم بأن قرَّر الدفاع عن مدينته، في أوَّل الأمر، فاجتمع الرُهبان البوذيُّون وذهبوا إليه وقالوا له أنَّهم لا يرغبون بِحرب وقتال المُسلمين، وأنَّهم يخشون أن يُقتَّلون وتُسلب أموالهم فيما لو انتصر المُسلمون ودخلوا المدينة، على اعتبار أنهم (أي الكهنة والعامَّة) أتباع الحاكم المذكور. وعرضوا عليه التوسُّط بينه وبين المُسلمين كي لا يحصل قتال، لا سيَّما وأنَّ المُدن التي أعلنت طاعتها أمَّنها المُسلمون وتركوها على حالها، كما أنَّ أوامر الحجَّاج والخلافة في دمشق كانت قد بلغت مسامع الناس، ومفادها إعطاء الأمان لمن يطلبه. لكنَّ بجهرا بن چندرا لم يستمع إلى أقوال الكهنة، واستعدَّ لِقتال مُحمَّد بن القاسم، وأعلن التعبئة والاستعداد لِذلك. ثُمَّ أرسل مُحمَّد بن القاسم بعضًا من أصحابه لاستطلاع الأحوال ومعرفة إن كان الأهالي والأعيان مُوافقين على الصُلح والطاعة أم مُنافقين مُتعنتين، وحينما علم أنَّ جماعة بجهرا يستعدُّون لِلحرب، استعدَّ هو الآخر لِقتالهم، فنصب المجانيق وهيَّأ الفُرسان والرُّماة وبدأ بِحصار سدوستان. لمَّا بدأ الرُماة بِضرب المدينة بِالمنجنيق والسهام والرِّماح، توجَّه الرُهبان البوذيُّون إلى بجهرا ونصحوه مُجددًا أن يستسلم، ولكنَّهُ لم يُصغِ لهم. فما كان من الرُهبان إلَّا أن بعثوا رسولًا إلى مُحمَّد بن القاسم يحملُ كتابًا قالوا فيه: إنَّ الزُرَّاع والصُنَّاع والتُجَّار لا يُؤيدون بجهرا وأنَّهُ بِجيشه وعدَّته لن يستطيع الوُقُوف أمام جيش المُسلمين، فأمر مُحمَّد بن القاسم بِمُواصلة القتال ليلًا ونهارًا، ولمَّا تأكَّد بجهرا من الهزيمة وتضييق الحصار عليه وعلى جيشه، فرَّ من الباب الشماليّ في ظلام الليل، وعبر النهر مُتوجهًا إلى مدينة «سيويس» التي كان يحكمها آنذاك «كاكه بن كوتك الجناني». بعد هُرُوب بجهرا وإعلان الرُهبان الطاعة والولاء لِجيش المُسلمين، استقرَّت الأوضاع واستتبَّ الأمن والأمان وبدأ العُمَّال والنُوَّاب بِأمرٍ من مُحمَّد بن القاسم القيام بِمُهمَّة الولاية والنواحي، ثُمَّ صادر الجيش الفاتح جميع الأموال والذهب والفضَّة والنُقُود والأملاك من المُعاندين العُصاة الذين وقفوا في وجه تقدُّم الجيش الإسلامي، فيما عدا الرُهبان الذين أعلنوا الولاء قبل وُصُول الجيش الفاتح، ثُمَّ وُزِّعت الغنائم على الجيش بعد إخراج الخُمس وإرساله إلى بيت المال. كما أرسل مُحمَّد بن القاسم الهدايا والعبيد والسبايا إلى الحجَّاج واستقرَّ في المدينة عدَّة أيَّامٍ أُخرى.
توجَّه المُسلمون بعد ذلك إلى حصار مدينة سيويس، ولمَّا بلغوا موضعًا يُقالُ له «بُندهان» على ضفَّة بُحيرة منچھر العظيمة إلى الشمال من سدوستان، عسكروا استعدادًا لِلهُجُوم. وكان أهلُ المنطقة لمَّا رأوا جيش الإسلام يتقدَّم في بلادهم، تفرَّقوا في الأرياف والبوادي لِتأليب الناس وحثِّهم على القتال. وجاء أعيان وأشراف المدينة إلى كاكه بن كوتك لِيتدبروا الأمر ولِيطلبوا منه بِأن يُقاتل المُسلمين ويسفك دمائهم. وبحسب رواية كتاب «فتحنامه سند» فإنَّ كاكه اعتبر بأن لا جدوى من المُحاولة، لأنَّ الرُهبان والمُنجمين قالوا بِأنَّ الجيش الإسلامي سيفتح كامل المنطقة ولن يتمكن أحد من إيقافه. لكنَّ الأعيان أصرُّوا على مُباغتة المُسلمين ليلًا وأخذهم على حين غرَّة، فجمعوا جيشًا وتسلَّلوا تحت جنح الظلام لِمُقاتلة جيش الإسلام، غير أنهم تاهوا في الطريق بسبب الظلام الدامس، وانقسموا إلى أربعة ألوية لم تتمكَّن من الاتصال ببعضها، فاضطرُّوا إلى التراجع نحو المدينة مع شُرُوق الشمس. وبِجميع الأحوال فإنَّ كاكه بن كوتك عاد وتوجَّه على رأس وفدٍ من كبار الأشراف والمُعتمدين إلى جيش المُسلمين لِمُقابلة مُحمَّد بن القاسم، حيثُ أعلن طاعته وخُضُوعه، فأُعطي الأمان مع عشيرته وأتباعه، وانضمَّ إلى فيلقٍ من المُسلمين الأشدَّاء بِقيادة عبد الملك بن قيس العبدي لِمُلاحقة فُلُول العُصاة والقضاء عليهم، وقد نال كاكه بن كوتك من الغنائم التي أفضت عنها تلك المُلاحقة الشيء الكثير. بع ذلك توجَّه مُحمَّد بن القاسم نحو مدينة سيويس وقاتل حاميتها لمُدَّة يومين حتَّى هزمهم وفتح المدينة، فهرب منها بجهرا بن چندرا ومعهُ عدد من القادة العسكريين، فالتحق بعضهم بِحصن «بهطلور» الواقع بين سالوج وقندابيل، ومن هُناك أرسلوا يطلبون الأمان من جيش المُسلمين، وأعلنوا ولاءهم وطاعتهم. توالت قُرى وبلدات وادي السند السُفلى تُعلن خُضُوعها لِلفتح الجديد، ولم يقف دون خُضُوع ما تبقَّى منها سوى وُجًود الراجا داهر مُتحصنًا في قلعة بُرهمناباد، ثُمَّ أخبار كانت تصل إلى سُكَّان تلك المنطقة، وشائعات، ترد هُنا وهُناك، عن الاستعدادات التي بدأ يتخذها ذلك الملك الهندوسي، لِمُنازلة المُسلمين، في معركةٍ مفتوحةٍ لِطردهم من تلك الديار.
بعد أن استقرَّت الأوضاع ووُزِّعت الأموال والغنائم والأرزاق، عمد مُحمَّد بن القاسم إلى تعيين ودَّاع بن حميد البحري، وعبد الملك بن قيس بن الجارود مُمثلين عن دار الخِلافة على المنطقة لِنشر الأمن والأمان والرفاهيَّة بين الرعيَّة، وبعدها وصلت رسالة من الحجَّاج يأمر فيها بِترك المنطقة والرُّجوع إلى النيرون وعُبُور نهر السند لِمُقاتلة داهر، طالبًا من الله النصر لِجُند المُسلمين مُذكرًا قائدهم مُحمَّد بن القاسم بِأنَّهُ إذا تمَّ لهُ ذلك الفتح والقضاء على داهر فإنَّ جميع المناطق ستُدين بِالطاعة والولاء لِلإسلام وجُنده. يعتبر الدكتور سعد بن مُحمَّد الغامدي أنَّ المُسلمين توغَّلوا في فُتُوحاتهم شمالًا بدل أن يسعوا في القضاء على داهر المُتحصِّن في بُرهمناباد ويُنهوا كُلَّ مُقاومةٍ قد تقف أمام الزحف الإسلامي لِثلاثة أسبابٍ رئيسيَّة:
ومهما كانت أسباب تقدُّم مُحمَّد بن القاسم إلى الشمال فقد جاءته حينها أوامر الحجَّاج، وهو القائد المُدبِّر، والمُخطِّط لِفتح السند، بِأن يرجع جنوبًا إلى النيرون، ثُمَّ يبدأ منها في مُناجزة داهر. وبعد أن قرأ مُحمَّد بن القاسم رسالة الحجَّاج، توجَّه مُباشرةً إلى النيرون، فقطع المنازل والمراحل حتَّى وصل إلى حصنٍ يقع على جبل النيرون، فعسكر هُناك لِفترة، ثُمَّ توجَّه إلى حصن «أشبهار»، ولمَّا وصل إلى جواره وجده حصنًا حصينًا، وقد صمَّم أهله على الحرب والقتال، وحفروا خندقًا حوله وجاؤوا بِالفلَّاحين والقرويين والزط من أطراف الحصن وأدخلوهم فيه لِيزداد عدد مُقاتليهم. ضرب المُسلمون الحصار على الحصن المذكور، وأمر مُحمَّد بن القاسم بِقذفه بِالمجانيق، واشتدَّت الحرب مُدَّة أُسبُوع شعر أهل الحصن بعدها بِالضعف والوهن، وبِقُوَّة الجيش الإسلامي، فأعلنوا الاستسلام وطلبوا الأمان، فأجابهم مُحمَّد بن القاسم، فأعلنوا الطاعة والولاء. أمَّا الباقون الذين كانوا يُساعدون المُعاندين والمُقاتلين، فقد جاؤوا بالأموال والتُحف والهدايا وفتحوا أبواب الحصن، فدخل جيش الإسلام المُنتصر، وأخذ مُحمَّد بن القاسم مفاتيح المدينة ووضعها بِيد أحد أتباعه المُخلصين وعيَّن شحنةً(3) لِلمدينة، ثُمَّ بقي مُدَّةً في الحصن وبعدها توجَّه إلى شواطئ نهر السند حتَّى وصل «الراور» على الجانب الغربي وعسكر هُناك. ولمَّا نزل مُحمَّد بن القاسم بِشط السند، قاتله «جاهين» صاحب حصن جزيرة بيت، الذي يبدو أنَّ داهر عيَّنهُ على ولاية تلك المنطقة كونه كان من القادة الموثوقين المُقرَّبين إليه، رُغم أنَّ تلك الولاية كان يحكمها «بساية بن سربند»، وكانت وراثيَّةً في نسله، مع حفاظه على تبعيَّته لِلراجا داهر، لكنَّ الأخير يظهر أنَّهُ أوكل حُكم الولاية إلى قائده جاهين وجعلهُ فوق بساية بِغية التصدِّي لِمُحمَّدٍ بن القاسم أثناء عُبُوره لِنهر السند، لكنَّ جاهين هُزم على يد المُسلمين، ومنح مُحمَّد بن القاسم حُكم ولاية بيت إلى «موكه بن بسايه» الذي صار حليفه ضدَّ داهر، وعندما سمع داهر بِمُحالفة موكه لِمُحمَّدٍ بن القاسم قام بِتعيين ابنه جيسيه لِلسيطرة على قلعة بيت الاستراتيجيَّة، وأمرهُ بِعدم الثقة بِالحاكم القديم «بسايه».
خِلال ذلك الوقت، أرسل مُحمَّد بن القاسم أحد كبار الرجال الشاميين في جيشه مع أحد السنديين الذين اعتنقوا الإسلام، ويُدعى «ديبلي»، إلى الراجا داهر لِتخييره بين الإسلام والسلام أو الجزية أو الحرب. فاستشار داهر وزيره «سيساكر» وأحد العرب العلافيين المُلتحقين بِخدمته، ويُدعى مُحمَّد العلافي، فأشار عليه الأوَّل أن يترك المُسلمون يعبرون النهر حتَّى تنقطع عنهم طريق الإمدادات فتتناقص مؤونتهم يومًا بعد يوم ويقعون لُقمةً سائغةً بِيد جيش داهر. أمَّا العلافي فأشار بأن لا يُسمح لِلمُسلمين بِالعُبُور كونهم قادمون لِلنصر أو الشهادة، وإنَّ الصواب مُحاصرتهم بِالسُفن نهرًا وبِالجُنُود برًّا، ومُصادرة ما يأتيهم من مُؤن عبر الطريقين، فيموت قسمٌ كبيرٌ منهم وينسحب بعضهم الآخر، ويتفرَّق ويتشرذم الباقون. رُغم ذلك، قرَّر داهر تحدِّي المُسلمين لِإظهار قُوَّته، فاستدعى الرسول الشَّاميّ وقال له: «إِرجِع إِلَى أَمِيرِك وَقُل لَهُ إِنَّنِي قَد خَيَّرتُهُ فِي العُبُورِ، وَإنَّنَا عَلَى استِعدَادٍ لِقِتَالِكُم، فَإِذَا أَرَادَ فَليَعبُر، وَإِلَّا فِإِنَّنَا نَحنُ العَابِرُون». بناءً على ذلك، رجع الرسولان إلى مُحمَّدٍ بن القاسم وأخبراه بما أجاب به داهر على رسالته، فكتب إلى الحجَّاج يشرح لهُ الوضع، ويطلب منه الاستشارة، وبقي مُنتظرًا حتَّى أتاه جواب الأخير يأمرهُ بِعُبُور نهر السند ومُعاملة الجُنُود المُسلمين بِالرفق واللين، والتعامل مع أهالي المنطقة بِالحُسنى كي لا يخونوه، وضرورة رسم مواقع العُبُور على مسافة أربعة فراسخ. ولمَّا وصل خبر استعداد المُسلمين لِلعُبُور إلى مسامع داهر حتَّى أمر أن يُجهِّزوا فيله الأبيض، وتقدَّم مع وزيره وعدد من أتباعه حتَّى أصبح قبالة جُيُوش مُحمَّد بن القاسم. اختار القائد المُسلم أضيق مكانٍ لِلعُبُور في منطقة جزيرة بيت ثُمَّ أمر بِإحضار السُفُن وربطها مع بعضها بعضًا لِيُصنع منها جسرًا يعبر فوقه الجُنُود، ويبدو أنَّ موكه بن بسايه ساهم بِجلب سُفُنٍ ومعابر خشبيَّة إلى مُحمَّدٍ بن القاسم، ممَّا أثار حفيظة أخيه «راسل» الذي كان يُعارض سياسة التقارب مع المُسلمين، فذهب إلى مُعسكر داهر وأعلن طاعته وولائه له، ففوَّض إليه ولاية جزيرة بيت، وأمر جيسيه باقتحام القلعة وخلع موكه، الذي هرب إلى المُسلمين لِلقتال معهم. وذُكر أنَّهُ لمَّا جمع مُحمَّد بن القاسم السُفن والمراكب وضمَّها إلى بعضها لِيعمل منها جسرًا، جمع راسل بن بسايه جيشه ومعارفه من القادة وحملوا على جيش المُسلمين في سبيل منعهم من ربط أجزاء الجسر وعُبُور النهر، فأمر مُحمَّد بن القاسم بِسحب جميع السُفُن إلى الضفَّة الغربيَّة من النهر حتَّى تُربط على عرضه تمامًا، ثُمَّ تحرَّكت السُفُن مرَّةً واحدةً على شكل قوسٍ لِربط الضفَّتين وإيصال المُقاتلين المُسلمين إلى الضفَّة الشرقيَّة. ولمَّا وصلت طلائع السُفُن على مقرُبةٍ من الساحل الشرقيّ، بدأ المُقاتلون المُسلمون بِرمي السهام والرِّماح بِكثافةٍ غزيرة ممَّا أدَّى إلى تعثُّر جُنُود راسل بن بسايه في الجانب الشرقي وإصابتهم بِالذُعر ثُمَّ فرُّوا مُدبرين لا يلوون على شيء، ممَّا سهَّل عُبُور الجيش الإسلامي وجوازه إلى البر الثاني، ولحق بِالأعداء هزيمة شنعاء، وتشجَّع المُسلمون فلاحقوهم حتَّى أبواب مدينة جهم، وبقيت فُلُول الأعداء تنسحب هاربةً حتَّى وصلت إلى جيش داهر وانضمَّت إليه.
كان داهر حتَّى تلك اللحظة يستخفُّ بِمُحمَّد بن القاسم لاهٍ عنه، فصُعق لمَّا أدرك أنَّ المُسلمين أصبحوا قاب قوسين أو أدنى، وأرسل ابنه جيسيه على رأس جيشٍ من المُقاتلين الأشدَّاء على الأفيال لِقتال المُسلمين، فلقوهم على مقرُبةٍ من مدينة «طلاية» حيثُ حمل المُسلمون على عساكر كوكبة جيسيه وأعملوا فيهم تقتيلًا، وكاد جيسيه أن يقع في قبضة المُسلمين لولا أن استعان بِفيلٍ هائج خرق به صُفُوفهم وفرَّ هاربًا إلى أبيه داهر. ولمَّا هُزم جيسيه، أرسل راسل بن بسايه إلى مُحمَّد بن القاسم يطلب فيها البيعة ويُعلن ولاءه، فأجابه مُحمَّد بن القاسم، وانضمَّ راسل إلى المُسلمين وأصبح مُرشدًا لِلجيش، وأشار عليهم النُزُول في مكانٍ يُدعى «جيور» بِالقُرب من قرية الراور على مجرى مائي يُسمَّى «ددهاواه»، حتَّى يكونوا على مقرُبةٍ من داهر، فاعتمد مُحمَّد بن القاسم هذه المشورة. وما أن بلغ داهر خبر نُزُول المُسلمين في جيور حتَّى قرَّر القتال، فقام بِقضه وقضيضه، راكبًا فيله الأبيض، وسائر على رأس جيشه بِفيلتهم وخُيُولهم ورجالهم حتَّى قابل الجيش الإسلامي يوم الخميس 6 رمضان 93هـ المُوافق فيه 16 حُزيران (يونيو) 712م، فالتحم الجمعان من بداية الصباح حتَّى انصرام الرواح، واستمرَّ القتال طوال الأيَّام الخمسة التالية، أي حتَّى يوم الإثنين 10 رمضان المُوافق فيه 20 حُزيران (يونيو). وفي اليوم الأخير أحاطت ثُلَّةٌ من خيَّالة المُسلمين بِفيل داهر الأبيض وأشعلوا النيران في هودجه، فخاف الفيل وهرب إلى النهر وألقى بِنفسه فيه، ولم يستطع سائسه السيطرة عليه، وكاد أن يغرق مع داهر، ولمَّا حاول الفيل الخُرُوج من الماء أمطره المُسلمون بِوابلٍ من السهام، وفي تلك اللحظة صوَّب أحد الرُماة المهرة من المُسلمين سهمه إلى داهر وأصابه، فوقع من الهودج إلى الماء. وتمكَّن الفيل من الخُرُوج من النهر وهجم على الموجودين على الضفَّة، وسحق في هياجه عشرات الجُنُود المُقاتلين من أتباع داهر، وتفرَّق الباقون لِلنجاة بِأنفُسهم، وتمكَّن داهر من الظُهُور في هذه اللحظة من الماء، وتقابل وهو يسيرُ مُترنحًا مع أحد المُقاتلين المُسلمين، (قال البلاذري أنَّهُ القاسم بن ثعلبة بن عبد الله الطائيّ، وسمَّاه ابن دُريد في كتاب الاشتقاق القشعم بن ثعلبة الطائيّ)، فرفع الأخير سيفه وضرب الراجا فقتله، وأنشد قائلًا:
واستمرَّ القتال بين المُسلمين وبقايا السنديين المهزومين، حتَّى فرُّوا جميعًا من ساحة المعركة، فلاحقهم المُسلمون حتَّى حصن الراور. وكان بعض البراهمة قد تخفُّوا في الماء أثناء المعارك، فخرجوا لمَّا خلت الساحة من المُقاتلين وأخذوا جُثمان داهر وأخفوه في طيَّات التُراب والأعشاب على شاطئ النهر. تذكر الروايات التاريخيَّة أنَّ معركة الراور لم تكن بِأقل من معركة القادسيَّة ضراروةً وبسالةً من جانب الخصمين المُتحاربين، ولا من حيث النتائج التي تمخَّضت عنها المعركة من ناحيةٍ أُخرى. فإن كانت القادسيَّة، بِقيادة سعد بن أبي وقَّاص قد فتحت الباب على مصراعيه لِفتح بلاد فارس ودُخُول أهلها إلى الإسلام، فقد جعلت الراور بقيادة ابن القاسم، أراضي السند مُمهدة أمام الفتح الإسلامي.
بعد ذلك الانتصار الحاسم، اتجه مُحمَّد بن القاسم بِجيشه إلى قلعة الراور وضرب حولها الحصار. وكان في القلعة المذكورة جيسيه بن داهر بعد أن هرب مع جميع أبناء المُلُوك والأُمراء الذين نجوا من المعركة واعتصموا في داخل الحصن، وكان مع جيسيه زوجة أبيه «راني بائي»، وهي أخته أيضًا. ولمَّا سمع المذكور بِزحف المُسلمين نحوه استشار وزيره ومُحمَّد العلافي ما إذا كان عليه التصدِّي لِلزحف أو الانسحاب، فأشارا عليه الذهاب إلى حصن بُرهمناباد كونه مسقط رأس داهر والأُسرة الرائيَّة، وفيه خزائن الملك القتيل وأتباعه وأمواله، ولِأنَّ سُكَّان المنطقة مُوالون لِلعائلة الحاكمة ومُستعدون لِلقتال في صفِّها إذا بلغها المُسلمون. وهكذا وافق جيسيه على هذا الرأي وكذلك بقيَّة الأعيان والأُمراء وانتقلوا إلى بُرهمناباد، وبقيت راني بائي زوجة داهر في حصن الراور لِمُقاتلة المُسلمين ومعها جيش تعداده خمسة عشر ألف مُقاتل، وقفوا جميعًا لِلدفاع عن المدينة حتَّى الموت، ولمَّا سمع مُحمَّد بن القاسم بِمُقاومة بائي مع جيشها، تقد