اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت أهداف داروين ترتكز على شقين: الأول تبيان أن الأنواع لم تنشأ بشكل منفصل وأن الانتقاء الطبيعي كان هو العامل الرئيسي وراء التغيير، كان يعلم أن قرّاءه لديهم الدراية بمفهوم تحويل الأنواع من الآثار وتسخر مقدمته من فشل إعطاء العمل لآلية قابلة للتطبيق، ذُكر ذلك في أول أربعة فصول بأن قضية الانتقاء في الطبيعة والناجمة عن الصراع من أجل الوجود متماثلة مع الانتقاء لاختلافات تحت التدجين، وأن تراكم الاختلاف التكيفية توفر آلية قابلة للاختبار علميًا لأنواع جديدة أكثر تطورًا. وتزودنا الفصول التالية بدليل التطور الحاصل الذي يدعم تطور التشعب والتكيف بدون وجود دليل قاطع يجزم بآلية الاختبار التشغيلية. ويعرض داروين حقائق مدعومة مُستمدة من تخصصات عديدة تُظهر بأن نظريته يمكن أن توضح عدد لا يحصى له من الملاحظات من مجالات متعددة للتاريخ الطبيعي التي لا يمكن تفسيرها في إطار بديل بأن الأجناس البشرية خلقت بشكل فردي. كما أظهر الهيكل لحجة دراوين تأثير فيلسوف العلوم جون هيرشل الذي حافظ على آلية التشغيل التي يمكن أن تُدعى بالمسبب الحقيقي إذا تم إثبات ثلاثة أشياء: وجودها في الطبيعة، قدرتها على انتاج مؤثرات الفائدة، وقدرتها على تفسير مجموعة واسعة من الملاحظات.
ذكر الكثير من القراء العاديين للسيد دراوين أن الكتاب صعب القراءة، فالكتابة تتطلب الفهم والتركيز والاهتمام وإعداد المهام ومع ذلك كله يكثر في أجزاء الكتاب معلومات مفيدة وسهلة الفهم ومُسلية على حد سواء. وفي حين تمت قراءة الكتاب بما يكفي لبيعه بشكل يضمن قرائته وإنه مُوجه للعلماء المتخصصين ولا يمكن وصفه بأنه مجرد صحافة أو خيال على عكس البقية فقد تجنب الكاتب الأسلوب السردي والمضاربة الكونية للرواية على الرغم من أن الجملة الختامية كانت أقرب ما يكون للتطور الكوني. كان داروين منذُ زمن طويل منغمس في الأشكال والممارسات الأدبية للعلم المتخصص واستخدمها بشكل فعّال في هيكلة حججه. ووصف ديفيد كيومن الكتاب بانه كُتب بلغة الحياة اليومية لجمهور واسع النطاق ولاحظ الأسلوب الأدبي لداروين الذي كان متفاوتاً في بعض الأجزاء حيث استخدم بعض الكلمات الملتوية التي يصعب فهمها وبعضها كُتب بشكل جميل، وقال أيضًا إن الطبعات اللاحقة كانت أضعف نظراً لوعي داروين وتوجيهه كلاماً مباشراً لنقاده كما أثنى على الطبعة الأولى.، قال جيمس كوستا نظرًا لأن الكتاب كان قد كُتب على عجل رداً على مقال والاس حيث كان كتاب كبير عن الانتقاء الطبيعي والحواشي العلمية والتقنية أكثر من ذلك كلة وأضاف إن بعض الأجزاء كانت محشوة بالمعلومات وبعضها غنائي نوعاً ما، وعرض الأبحاث والدراسات بطريقة السرد وهو الأمر غير العادي أو المقبول في الكتب العلمية.
بحلول منتصف آذار مارس 1859 اكتمل الملخص الذي أعدَّه تشارلز داروين وأصبح جاهزاً للنشر، واقترح عليه صديقه لايل أن يتم النشر عن طريق جون موراي، وبالفعل التقى لايل بموراي للتباحث في الموضوع، وفي 28 مارس آذار أرسل داروين رسالة لصديقه ليسأله فيها عن وضع المباحثات والتقدُّم الحاصل فيها وعرض تقديم ضمانات لطمأنة موراي مؤكداً أنَّ كتابه لن يثير سخطاً في الأوساط الدينيَّة، واقترح أن يكون العنوان: أصل الأنواع والأصناف عن طريق الانتقاء الطبيعي.
وافق موراي فوراً على نشر الكتاب وفق الشروط التي اقترحها لايل دون أن يرى مخطوطة الكتاب حتى، وعرض أن تكون حصة داروين 2/3 الأرباح، وبالطبع قبل داروين هذا العرض السخي على الفور وأصرَّ على موراي بأنَّه يمكنه سحب عرضه إذا شعر بأنَّ الكتاب لن يباع جيداً أو أنَّه لم يلقَ الرواج المطلوب، في نهاية المطاف دفع موراي لداروين 180 جنيهاً أسترلينيَّاً كحصته من أرباح الطبعة الأولى، وبحلول وفاة داروين عام 1882 كان الكتاب قد طبع 6 طبعات وكانت حصة داروين قد بلغت قرابة 3000 جنيه إسترليني.
دارت العديد من النقاشات حول العنوان النهائي للكتاب وفي النهاية تمَّ الاتفاق على "أصل الأنواع"، مع إضافة "عن طريق الانتقاء الطبيعي"، "أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الصراع من أجل البقاء"، وخلال صفحات الكتاب استخدم داروين مصطلحي "الأجناس" و "الأصناف" بالتناوب.
نلاحظ من دفاتر ملاحظات داروين المُبكرة اعتباراً من ثلاثينات القرن التاسع عشر فصاعداً اعتباره للتطور البشري جزءاً من العمليات التطوريَّة الطبيعيَّة التي كان يبحث فيها، ويبدو واضحاً رفضه لوجود تدخل إلهي في هذه العمليَّة، كان كتاب أصل الأنواع في عام 1856 يتضمَّن مذكرة عن تطور الإنسان ولكن عندما استفسر والاس في ديسمبر 1857 ردَّ داروين: أنت تسأل عمَّا إذا كنت سأناقش تطور البشر، أعتقد أنَّني يجب أن أتجنَّب هذا الموضوع بالكامل لأنَّه سيثير جدلاً واسعاً، على الرغم من أنَّني أعترف بأنَّها يجب أن تكون المشكلة الأكثر إثارةً لاهتمام علماء الطبيعة ، وفي 28 مارس آذار 1859 أرفق داروين رسالةً إلى الناشر جون موراي مع مخطوطته الأصليَّة للكتاب يؤكد فيها أنَّه لن يتحدث عن أصل الإنسان.
يسلط داروين في الفصل الأخير من كتابه أصل الأنواع المعنون "المُلخَّص والنتائج" الضوء باختصار على الجوانب البشرية لنظريته فيقول: "أرى أنَّه سيكون هناك مجال مفتوح لأبحاث أكثر أهميَّة في المستقبل البعيد، وسيتمُّ إلقاء الضوء بعمقٍ أكثر على أصل الإنسان وتاريخه"، وأكَّد داروين لصديقه لايل عند مناقشة هذا الأمر في يناير عام 1860 أنَّ هذه العبارة تضع البشر في مشكلة مع بقية الحيوانات [187]، وعلى كلِّ حال كانت هذه الجملة هي الإشارة الوحيدة من داروين للبشر في كتابه، ووصفتها جانيت براون بأنَّها نقاشه الوحيد للأصول البشريَّة في كتاب أصل الأنواع.
مع ذلك فقد وردت بعض العبارات الأخرى في الكتاب تشير بهدوء إلى أنَّ البشر هم في النهاية مجرَّد نوع آخر من الحيوانات التي تتطوَّر من خلال نفس العمليات والمبادئ التي تتطوَّر عن طريقها الكائنات الحيَّة الأخرى [182]، وناقش داروين في دفاتر ملاحظاته المُبكِّرة كيف يمكن للكائنات اختيار الخصائص أو الصفات غير التكيفيَّة عندما يتعلَّق الأمر باختيار الحيوانات أو البشر لشركائهم، في مذكراته التي تعود لعام 1856 وصف داروين هذا التأثير "بالانتقاء الجنسي" ، وأضاف ملاحظات عديدة حول الانتقاء الجنسي إلى كتابه أصل الأنواع، وفي منتصف عام 1857 أضاف عنواناً جديداً "النظرية تنطبق أيضاً على العرق البشري" لكنَّها بقيت مجرَّد عنوان دون إضافة أي نص حول هذا الموضوع، وفي الفصل السادس من أصل الأنواع تحت عنوان "صعوبات في النظرية" يذكر داروين وجود بعض الاختلافات الطفيفة وغير المهمَّة بين البشر وبقية الحيوانات في هذا السياق [195]، لاحقاً وعندما نشر داروين كتابه سقوط الإنسان بعد اثني عشر عاماً، قال إنَّه لم يشرح بالتفصيل التطور البشري في كتابه أصل الأنواع لأنَّه كان يعتقد أنَّ ذلك سيزيد فقط من التحيُّزات والاعتراضات ضد آرائي، ومع ذلك فهو لم يتجنب الموضوع بشكلٍ كامل [196]، يقول داروين: وقتها بدا لي كافياً أن أشير في الطبعة الأولى من كتاب أصل الأنواع إلى أنَّ هذا العمل سيلقي الضوء على أصل الإنسان وتاريخه، وهذا يعني أنَّه يجب تضمين الإنسان مع الكائنات الحيَّة الأخرى في أي استنتاج عام يُفسِّر طريقة ظهوره على الأرض، وأشار أيضاً إلى أنَّه ألمح فقط في هذا الكتاب إلى الانتقاء الجنسي الذي يُميِّز الجنس البشري عن بقية الأجناس الحيَّة الأخرى.